رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في موسم من مواسم الحج في مكة، وافق السنة الثانية عشرة من البعثة النبوية، جاء اثنا عشر رجلاً من أهل يثرب يبتغون الدخول في دين الله الإسلام، فقصدوا رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولاقَوْه عند العقبة بمنى، وأعلنوا له إسلامهم، وبسطوا إليه أيمانهم، فبايعهم رسول الله على ألا يشركوا بالله شيئا، والا يسرقوا والا يزنوا والا يقتلوا أولادهم، والا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، وعلى ألا يعصوا النبي في معروف، ولم يكن ضمن شروط البيعة الجهاد في سبيل الله، إذ كان لمّا يفرضْ بعد، لذلك سميت هذه البيعة ببيعة النساء. رأى رسول الله أن يبعث مع أولئك القوم من الأنصار، رجلا ليقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في دينهم، فوقع اختياره لهذه المهمة العظيمة الجليلة على مصعب بن عمير، رضي الله عنه، ليكون بهذا أول سفير في الإسلام، يحمل سِفارته إلى المدينة التي ستكون فيما بعد دار الهجرة، ويطلق عليها المدينة المنورة، التي اصطفاها القدر لتكون المنارة المشعة بالنور كالشمس ترسل أشعتها المضيئة مبددةً ظلام الأكوان، وباعثةً الأمل في النفوس، فتأخذ الحياة طريقها إلى الخير والسعادة والنماء. لقد اختير مصعب بن عمير من بين السابقين الأولين، وكُلف بهذا التكليف الشريف، وهو له جدير، ولا غرابة في هذا، فإنه الفتى الذي باع دنياه برخائها ونعيمها وجمالها، بدينه الذي آمن به، ولم يُغلِ شيئا مما يملك على العقيدة التي رأى الحق والصدق فيما تدعو إليه، لذلك لم يتلبث ويتردد في التخلي عن كل شيء دونها، إن كان يقف في سبيل بقائه عليها، وهو الذي كان أنضر وأعطر فتيان مكة وشبانها، يتمتع بظلال ودلال والديه، ثم رضي بعد ذلك من أجل الإسلام عما صار إليه من شدة وبؤس شديدين، بحيث يرتدي المرقّع البالي، ويطعَمُ اليابس القاسي، وما ذلك إلا من حبه لله ورسوله، فلا غَرْو إذن أن يكونَ سفيرا للإسلام من بعدُ، وينالَ حظوة القرب والرضا. بلغ مصعب يثرب ونزل فيها ضيفا على أسعد بن زرارة، ثم إنهما راحا معا يدعوان الناس إلى الله، حيثما نزلا من مجالس القوم وبيوتهم، هنالك شرع مصعب يعظ الناس ويدعوهم بحكمة وأناة وحلم إلى الإيمان بالله وحده، والتصديق برسالة نبيه محمد، مستعينا بتلاوة وترتيل ما في صدره من آيات مباركات من كتاب الله. كان مصعب مخلصا صابرا حكيما في دعوته، يدعو إلى الله بخلقه وتعامله قبل أن يدعو بلسانه ومقالته، لا يُكبِر جهدا، ولا يدخر وسعا، لذلك لقي من الناس قبولا واستجابة بحيث انفتحت له مغاليق القلوب، وصغت الآذان، فأخذ الإسلام من ثَم محله الفطري من نفوس الذين أحبوا دخوله. في ذات يوم خرج مصعب بن عمير ومعه أسعد بن زرارة، يريدان دار بني عبد الأشهل، فلما قدما محلاً من أرضهم، اتخذاه مجلسا لهما، فلم يلبثا إلا قليلا حتى اجتمع إليهما نفر ممن أسلم، وممن سمع بهما وأراد أن يخبر ما معهما من علم ونبأ، وكان بنو عبد الأشهل يومئذ يتزعمهما سيدان من أكرم فتيانهم هما سعد بن معاذ، وأسيد بن خضير، فلما نُمي إليهما خبر مصعب وصاحبه أسعد، وما يقومان به، رابهما ذلك وأقلقهما وظنا فيه سوءاً يكاد يحيق بقومهم، من حيث لا يشعرون، ولا سيما بعدما انتشرت قالة السوء من بعض المرجفين، فقال سعد بن معاذ، لأسيد بن خضير: (لا أبالك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما أن يأتيا دارنا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت، كفيتك ذلك، هو ابن خالتي، ولا أجد عليه مقدما). انتبه أسيد بن خضير هنا، واستشعر الخطر، فقام وامتشق حربته، وأخذ يمشي بخطى سريعة، تقرب إلى أن تكون عَدْواً، حتى أقبل عليهم في مجلسهم، وما إن شاهد القاعدون هيئته وصورته اللتين يبدو عليهما الغضب والحنق، حتى أوجسوا خيفة وجعلوا يتهامسون فقال أسعد لمصعب: هذا سيد قومه، قد جاءك فاصدق الله فيه. قال مصعب: إن يجلسْ أكلمْه. فوقف أسيد عليهما متشتما، وقال: ما جاء بكما إلينا، تسفهان ضعفاءنا، اعتزلانا إن كان لكما في أنفسكما حاجة. فقال مصعب، بنبرة هادئة حانية: أوتجلس فتستمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته فكفّ عنك ما تكره. بهذا القول الحكيم البليغ تمثلت ردة فعل مصعب وظهرت فطنته، وأسفرت معالجته لما واجهه من موقف صعب وحرِج، أما أسيد بن خضير فقد كان سيدا حقا يستحق السيادة على قومه بما له من أخلاق كريمة، وصفات حميدة، جعلته يمتاز بكرم النفس، ورجاحة العقل، لذلك قال لمصعب: أنصفت. وكذلك هم العقلاء والحكماء يحتكمون إلى لغة العقل والمنطق وينقادون للحق، ويذعنون له، ويعترفون بالصواب ويقرون به، إذا عرفوه، وأي عقلٍ ومنطق أصح وأبلغ مما نطق به الداعية مصعب بن عمير. ثم رَكَز أسيد حربته وجلس، فحدثه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، وأسيد ينصت بخشوع واهتمام، حتى إنهم عرفوا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم من خلال إشراقه وتهلله، وقد صدق حدسهم، فلم يفرغ مصعب من حديثه حتى قال أسيد: ما أحسنَ هذا وأجملَه!! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قال مصعب: تغتسل وتطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين. فقام واغتسل وطهر ثوبه وشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ولما فرغ قال لمصعب وأسعد: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه — يعني سعد بن معاذ — وسأرسله إليكما. مضى أسيد من عندهما وهو يفكر في حيلة يسوق بها سعداً إليهما حتى يسمع منهما، فرأى أن يقول له إن ابن خالته سعد بن زرارة على خطر من القوم يتهدده، فتثور حينئذ حمية سعد ونخوته على قريبه، فيسرع في نجدته، فلما قال له ذلك، قام سعد من فوره فزعا مغضبا، وأخذ حربته وأسرع إليه حيث كان، حتى بلغ مكانه، ولكنه نظر إلى ابن خالته فرآه مطمئنا ما به من بأس، فسرعان ما انتقل من حال إلى حال، ومن شعور إلى شعور، ووقف منهما نفس الموقف الذي وقفه من قبل أسيد بن خضير أول أمره، فقال له مصعب مثل ما قاله لأسيد، من لغة الحكمة والمنطق، فقبل منه سعد ذلك فجلس ورَكَز حربته وأنصت لما يقال، إذ كان رجلا عاقلا حكيما، قد ساد قومه كما أسلفنا هو مع ابن عشيرته أسيد بن خضير، وهو الذي لم يكن ليتخلفَّ عنه في فضل وخير، ثم انتهى الحديث بإسلام سعد على نحو ما أسلم أسيد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4305
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2571
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1170
| 28 سبتمبر 2026