رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نشعر دائماً كمسؤولين وعاملين في شركات التأمين بالتقصير حين نفاجأ من خلال ما تتناوله الملاحق الاقتصادية للصحف اليومية وأحياناً بعض العناوين الصادمة في بعض الصحف عن شركات التأمين وآلية عملها ومنظومة العمل التأميني والعلاقة التعاقدية بين شركات التأمين وإعادة التأمين والعميل المباشر بحجم تقصيرنا في توضيح تلك الصورة لجموع المتعاملين مع تلك الصناعة للحيلولة دون شيطنة شركات التأمين وآلية عملها دون علم، ورفعاً لمستوى الوعي التأميني بالمجتمع، مما سينعكس إيجابياً بالطبع على الصناعة ذاتها والمتعاملين معها، سواء عملاء، شركات ورجال أعمال وحتى محرري الملاحق الاقتصادية في تلك الصحف، لتكون لهم الدراية العلمية الكافية عن طبيعة عمل تلك المنظومة وعلاقة رأس المال المسدد لتأسيس تــلك الشركات واحتياطياتها التراكمية مـع عـملـياتهـا المستندة أساساً على منظومة متكاملة وشبكة عالمية لإعادة التأمين أو تفتيت المخاطر وتوزيعها، ومن هذا المنطلق ارتأينا إعداد هذه السلسلة من المقالات لشرح تاريخ وأسس ونظم العمل والآليات المتبعة في صناعة التأمين وعلاقتها مع أطراف العقد التأميني وهم: العميل - شركة التأمين - شركة إعادة التأمين. وأرجو من الله العلي القدير، أن يوفقني في ذلك، لأن دافعنا هو المساعدة في توضيح الصورة ورفع معدلات الوعي التأميني، كما أسلفنا في بداية التمهيد.
نظرة تاريخية:
يعود تاريخ التأمين إلى بدايات النشأة البشرية مع نزوع البشر الأوائل إلى التعاون والتكاتف في تأسيس المجتمعات البشرية الصغيرة والعمل على توفير القوت والحفاظ على مصادره والتعويض عن المجموع في حالة خسارته وتطورت تلك الحاجة مع التطور الطبيعي للنشأة البشرية ومجتمعاتها وتنوعها وتطور مصادر ذلك القوت اللازم لاستمرار الحياة، ليصبح مصادر اقتصادية متعددة تغطي جوانب العمل الاقتصادي الإنساني ولكن دون أطر قانونية تقنن ذلك العمل التعاوني، فخلال العام 3000 قبل الميلاد مثلاً، كان التجار الصينيون يوزعون البضائع التي يتاجرون بها عبر البحار على عدة سفن وكل سفينة تحوي جزءاً من كل البضائع ليتم التعويض عنها من المجموع في حالة خسارة إحداها وأيضاً في الجزيرة العربية كانت القوافل التجارية قبل الإسلام في عصور الجاهلية تتجمع سواء في رحلتي الصيف أو الشتاء إلى الشام كمجتمع عضوي واحد للتعويض في حالة تعرض أي من تلك القوافل للسرقة أو سطو قطاع الطرق وقد تطورت تلك الآلية لتجسيد الحاجة للحماية والتعويض لكي تأخذ شكلاً وإطاراً تنظيمياً للتأمين البحري لتغطية البضائع في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة مــا بين عــــامــي 1500 و1700 ميلادياً.
وفي العام 1712 تأسس أول تجمع تأميني قانوني لتوفير التغطيات التأمينية على النقل البحري وسمي اللويدز. والجدير بالذكر أن اسم لويدز هو مشتق من المقهى الذي كان يجتمع به هؤلاء التجار ليعقدوا الصفقات.
ومن ثم ارتأوا تأسيس تجمع لهذا الغرض وتم اختيار اسم المقهى (لويدز) ليطلق على أول تجمع تأميني قانوني مع الاحتفاظ بالكراسي التي تشبه الصندوق، وعليه تم تسمية هذا التجمع بصناديق وكل صندوق يمثل إحدى شركات إعادة التأمين والذي يعد أول وأشهر تجمع تأميني في تاريخ الصناعة، ثم تطورت بعد ذلك التجمعات التأمينية لتشمل تأمين الحريق والكوارث وحتى تأمينات الحياة وفقاً لحسابات إكتوارية خاصة تقوم على علم الإحصاء والحسابات المقارنة وتعد من قبل خبير مختص في تطبيق نظرية الاحتمالات والإحصاءات في دراسة التأمين والاستثمار والإدارة المالية وعلم السكان (الديموغرافيا) يعرف بالخبير الإكتواري ((Actuary ومن ثم توسعت فروع التأمين لتشمل التأمينات الهندسية، والمسؤوليات والأفراد وأيضاً السيارات والمركبات إضافة إلى المعدات وفقاً للشكل الهيكلي المتعارف عليه في شركات التأمين العاملة بالصناعة حالياً، ثم وتماشياً مع رغبة غالبية المجتمعات المسلمة بأن تكون تعاملاتهم التأمينية وفقاً لمبادئ وقوانين الشريعة الإسلامية السمحاء أسوة بالمصارف الإسلامية، فقد بدأت الشركات الإسلامية التكافلية التعاونية منذ عام 1979 ميلادياً في تقديم خبرتها في التطبيق العملي والفعلي في مفهوم التأمين الإسلامي وهو ما سوف نتناوله بالتفصيل لاحقا وكان من الضروري لنجاح صناعة التأمين العمل على تفتيت الأخطار التي يتم الاكتتاب المباشر بها من خلال شركات التأمين. ومع تنوع أهداف تأسيسها ومن هنا نشأت الحاجة لشركات إعادة التأمين والتي تقوم بدور تفتيت تلك الأخطار وتوزيعها على الكثير من شركات الإعادة عبر أسواق العالم المختلفة وفقاً للطاقة الاستيعابية لكل من تلك الشركات ومن هنا نشأت العلاقة التعاقدية بين شركة التأمين المباشر التي تكتتب في الأخطار التأمينية في سوقها المحلي بصرف النظر عن حجم وقيمة رأس المال التأسيسي لتلك الشركات لكونها تقوم فقط بالاحتفاظ بطاقتها الاستيعابية من الاحتفاظ بالخطر ثم تسند الباقي إلى سوق الإعادة العالمي، سواء عن طريق اتفاقيات إعادة التأمين المبرمة معها وتقوم على إطار قانوني يحدد سقف المسؤوليات عن كل فرع من فروع التأمين وللشركة الحق في الاكتتاب المباشر دون الرجوع لمعيدي التأمين العالميين وما يزيد على ذلك يتم إسناده لشركات الإعادة العالمية اختياريا، أي يطرح على سوق الإعادة العالمي المعروف بسوق إعادة التأمين الاختياريFacultative Reinsurance لما يزيد على طاقة تلك الاتفاقيات الاستيعابية ومن ثم تقوم شركات الإعادة العالمية بتطبيق نفس الآلية والاحتفاظ وفقاً لطاقتها الاستيعابية التي تخضع لحسابات إكتوارية دقيقة وعديدة ومن ثم تعيد ما يزيد على ذلك أيضاً في أسواق الإعادة العالمية الأخرى فيما يعرف باسم إعادة الإعادة أو Re-Trocession وسوف نغطيها أيضاً لاحقاً بالتفصيل لتوضيح صورة كاملة عن آلية العمل في صناعة الـتـأمـين وعلاقتها بإعادة التأمين بعلاقة تعاقدية قوية مع مختلف الأسواق العالمية وبها من الأسماء العالمية القوية المعروفة كسوق اللويدز، وميونيخ ري، وهانوفر ري وسويس ري وغيرها الكثير من شركات الإعادة العالمية في مشارق الأرض ومغاربها.
نظرة تحليلية للسوق القطري:
بنظرة تحليلية إلى السوق القطري من حيث المرجعية القانونية للتأسيس، نجد أن السوق كان مقسماً إلى مظلتين قانونيتين قبل أن يؤول الأمر إلى مصرف قطر المركزي، إحداهما وزارة الاقتصاد والـتجارة والأخرى مركز قـطـر للمال (QFC) وتحت كل مظلة تندرج مجموعة شركات تستقي لوائحها ونظمها وقوانينها التأسيسية من خلال تلك المرجعية القانونية الرسمية وحالياً نرى أن الشركات التي كانت تخضع لمرجعية وزارة الاقتصاد والتجارة أصبحت تخضع بصفة كاملة للمصرف المركزي وتتبع تعليماته وإرشاداته حتى صدور اللائحة التنفيذية التي ستنظم أسلوب ومعايير الرقابة على نشاط شركات التأمين مباشرة من خلال أجهزة الرقابة والإشراف بالمصرف المركزي، في حين مازالت الشركات التي أسست وفقاً لمرجعية مركز قطر للمال (QFC) تخضع لمعايير الرقابة والإشراف للمركز وقد تتضح الصورة كاملة للجميع بعد صدور اللائحة التنفيذية لتكون المرجعية الوحيدة للرقابة والإشراف وفقاً لقانون المصرف المركزي، ويشمل سوق التأمين القطري حالياً الشركات الآتية: -
أ) شركات مسجلة من خلال وزارة الاقتصاد والتجارة وتخضع حالياً للأجهزة الرقابية بالمصرف المركزي: -
1- شركة قطر للتأمين.
2- الشركة القطرية العامة للتأمين.
3- مجموعة الخليج التكافل.
4- الشركة الإسلامية القطرية للتأمين.
5- شركة الدوحة للتأمين.
6- شركة ضمان للتأمين – بيمة.
7- اللبنانية السويسرية للتأمين – وكالة.
8- مصر للتأمين – وكالة.
9- العربية للتأمين – وكالة.
10- عمان للتأمين – وكالة.
11- العامة للتكافل – فرع إسلامي للشركة القطرية العامة للتأمين
12- الدوحة للتكافل – فرع إسلامي لشركة الدوحة للتأمين.
13- شركة الكويت للتأمين – الخليج الدولية للخدمات.
ب) شركات مسجلة من خلال مركز قطر المالي: -
1- الأمريكية للحياة (اليكو).
2- إيه آي جي – الشرق الأوسط.
3- أكسا للتأمين.
4- شركة بنك الدوحة للتأمين.
5- شركة ميتسوميتو للتأمين.
6- شركة إليانز للتأمين.
7- شركة سيب للتأمين.
8- تآزر للتكافل – فرع للشركة الأم البحرين.
9- الشركة الدولية للتكافل – فرع للشركة الأم البحرين.
10- شركة ب أن إتش (BNH) – فرع للشركة الأم البحرين وجمدت
عملياتها اعتبارا من 31/12/2014.
11- شركة ميد جلف للتكافل.
(حجم سوق التأمين القطري ونصيب التأمين التكافلي الإسلامي)
يبلغ إجمالي حجم السوق السنوي ما يربو على الخمس مليارات ريال قطري تستحوذ البتروكيماويات على النصف تقريباً من إجمالي المحفظة التأمينية والباقي على أفرع التأمين المختلفة ولا يزيد نصيب شركات التكافل الإسلامية وفروعها العاملة بالسوق معدل 15% من إجمالي المحفظة حتى الآن.
حروب ما بعد الحرب!
الحرب هي القتال والصراع ومحاولة إلحاق الأذى بالعدو أو الطرف المقابل بكافة الوسائل المتاحة: الميدانية العسكرية والسياسية والاقتصادية... اقرأ المزيد
330
| 13 فبراير 2026
لعل وساطة الخير القطرية تطفئ فتيل المخاطر
جاء في تحليل نشرته (نيويورك تايمز) سؤال مهم وهو: هل تميل واشنطن تدريجيا نحو حل دبلوماسي تجاه إيران... اقرأ المزيد
192
| 13 فبراير 2026
ما أصعب الفراق
إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإن على فراقك يا عبدالعزيز لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا... اقرأ المزيد
138
| 13 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
15186
| 08 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1818
| 12 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1641
| 10 فبراير 2026