رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نشعر دائماً كمسؤولين وعاملين في شركات التأمين بالتقصير حين نفاجأ من خلال ما تتناوله الملاحق الاقتصادية للصحف اليومية وأحياناً بعض العناوين الصادمة في بعض الصحف عن شركات التأمين وآلية عملها ومنظومة العمل التأميني والعلاقة التعاقدية بين شركات التأمين وإعادة التأمين والعميل المباشر بحجم تقصيرنا في توضيح تلك الصورة لجموع المتعاملين مع تلك الصناعة للحيلولة دون شيطنة شركات التأمين وآلية عملها دون علم، ورفعاً لمستوى الوعي التأميني بالمجتمع، مما سينعكس إيجابياً بالطبع على الصناعة ذاتها والمتعاملين معها، سواء عملاء، شركات ورجال أعمال وحتى محرري الملاحق الاقتصادية في تلك الصحف، لتكون لهم الدراية العلمية الكافية عن طبيعة عمل تلك المنظومة وعلاقة رأس المال المسدد لتأسيس تــلك الشركات واحتياطياتها التراكمية مـع عـملـياتهـا المستندة أساساً على منظومة متكاملة وشبكة عالمية لإعادة التأمين أو تفتيت المخاطر وتوزيعها، ومن هذا المنطلق ارتأينا إعداد هذه السلسلة من المقالات لشرح تاريخ وأسس ونظم العمل والآليات المتبعة في صناعة التأمين وعلاقتها مع أطراف العقد التأميني وهم: العميل - شركة التأمين - شركة إعادة التأمين. وأرجو من الله العلي القدير، أن يوفقني في ذلك، لأن دافعنا هو المساعدة في توضيح الصورة ورفع معدلات الوعي التأميني، كما أسلفنا في بداية التمهيد.
نظرة تاريخية:
يعود تاريخ التأمين إلى بدايات النشأة البشرية مع نزوع البشر الأوائل إلى التعاون والتكاتف في تأسيس المجتمعات البشرية الصغيرة والعمل على توفير القوت والحفاظ على مصادره والتعويض عن المجموع في حالة خسارته وتطورت تلك الحاجة مع التطور الطبيعي للنشأة البشرية ومجتمعاتها وتنوعها وتطور مصادر ذلك القوت اللازم لاستمرار الحياة، ليصبح مصادر اقتصادية متعددة تغطي جوانب العمل الاقتصادي الإنساني ولكن دون أطر قانونية تقنن ذلك العمل التعاوني، فخلال العام 3000 قبل الميلاد مثلاً، كان التجار الصينيون يوزعون البضائع التي يتاجرون بها عبر البحار على عدة سفن وكل سفينة تحوي جزءاً من كل البضائع ليتم التعويض عنها من المجموع في حالة خسارة إحداها وأيضاً في الجزيرة العربية كانت القوافل التجارية قبل الإسلام في عصور الجاهلية تتجمع سواء في رحلتي الصيف أو الشتاء إلى الشام كمجتمع عضوي واحد للتعويض في حالة تعرض أي من تلك القوافل للسرقة أو سطو قطاع الطرق وقد تطورت تلك الآلية لتجسيد الحاجة للحماية والتعويض لكي تأخذ شكلاً وإطاراً تنظيمياً للتأمين البحري لتغطية البضائع في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة مــا بين عــــامــي 1500 و1700 ميلادياً.
وفي العام 1712 تأسس أول تجمع تأميني قانوني لتوفير التغطيات التأمينية على النقل البحري وسمي اللويدز. والجدير بالذكر أن اسم لويدز هو مشتق من المقهى الذي كان يجتمع به هؤلاء التجار ليعقدوا الصفقات.
ومن ثم ارتأوا تأسيس تجمع لهذا الغرض وتم اختيار اسم المقهى (لويدز) ليطلق على أول تجمع تأميني قانوني مع الاحتفاظ بالكراسي التي تشبه الصندوق، وعليه تم تسمية هذا التجمع بصناديق وكل صندوق يمثل إحدى شركات إعادة التأمين والذي يعد أول وأشهر تجمع تأميني في تاريخ الصناعة، ثم تطورت بعد ذلك التجمعات التأمينية لتشمل تأمين الحريق والكوارث وحتى تأمينات الحياة وفقاً لحسابات إكتوارية خاصة تقوم على علم الإحصاء والحسابات المقارنة وتعد من قبل خبير مختص في تطبيق نظرية الاحتمالات والإحصاءات في دراسة التأمين والاستثمار والإدارة المالية وعلم السكان (الديموغرافيا) يعرف بالخبير الإكتواري ((Actuary ومن ثم توسعت فروع التأمين لتشمل التأمينات الهندسية، والمسؤوليات والأفراد وأيضاً السيارات والمركبات إضافة إلى المعدات وفقاً للشكل الهيكلي المتعارف عليه في شركات التأمين العاملة بالصناعة حالياً، ثم وتماشياً مع رغبة غالبية المجتمعات المسلمة بأن تكون تعاملاتهم التأمينية وفقاً لمبادئ وقوانين الشريعة الإسلامية السمحاء أسوة بالمصارف الإسلامية، فقد بدأت الشركات الإسلامية التكافلية التعاونية منذ عام 1979 ميلادياً في تقديم خبرتها في التطبيق العملي والفعلي في مفهوم التأمين الإسلامي وهو ما سوف نتناوله بالتفصيل لاحقا وكان من الضروري لنجاح صناعة التأمين العمل على تفتيت الأخطار التي يتم الاكتتاب المباشر بها من خلال شركات التأمين. ومع تنوع أهداف تأسيسها ومن هنا نشأت الحاجة لشركات إعادة التأمين والتي تقوم بدور تفتيت تلك الأخطار وتوزيعها على الكثير من شركات الإعادة عبر أسواق العالم المختلفة وفقاً للطاقة الاستيعابية لكل من تلك الشركات ومن هنا نشأت العلاقة التعاقدية بين شركة التأمين المباشر التي تكتتب في الأخطار التأمينية في سوقها المحلي بصرف النظر عن حجم وقيمة رأس المال التأسيسي لتلك الشركات لكونها تقوم فقط بالاحتفاظ بطاقتها الاستيعابية من الاحتفاظ بالخطر ثم تسند الباقي إلى سوق الإعادة العالمي، سواء عن طريق اتفاقيات إعادة التأمين المبرمة معها وتقوم على إطار قانوني يحدد سقف المسؤوليات عن كل فرع من فروع التأمين وللشركة الحق في الاكتتاب المباشر دون الرجوع لمعيدي التأمين العالميين وما يزيد على ذلك يتم إسناده لشركات الإعادة العالمية اختياريا، أي يطرح على سوق الإعادة العالمي المعروف بسوق إعادة التأمين الاختياريFacultative Reinsurance لما يزيد على طاقة تلك الاتفاقيات الاستيعابية ومن ثم تقوم شركات الإعادة العالمية بتطبيق نفس الآلية والاحتفاظ وفقاً لطاقتها الاستيعابية التي تخضع لحسابات إكتوارية دقيقة وعديدة ومن ثم تعيد ما يزيد على ذلك أيضاً في أسواق الإعادة العالمية الأخرى فيما يعرف باسم إعادة الإعادة أو Re-Trocession وسوف نغطيها أيضاً لاحقاً بالتفصيل لتوضيح صورة كاملة عن آلية العمل في صناعة الـتـأمـين وعلاقتها بإعادة التأمين بعلاقة تعاقدية قوية مع مختلف الأسواق العالمية وبها من الأسماء العالمية القوية المعروفة كسوق اللويدز، وميونيخ ري، وهانوفر ري وسويس ري وغيرها الكثير من شركات الإعادة العالمية في مشارق الأرض ومغاربها.
نظرة تحليلية للسوق القطري:
بنظرة تحليلية إلى السوق القطري من حيث المرجعية القانونية للتأسيس، نجد أن السوق كان مقسماً إلى مظلتين قانونيتين قبل أن يؤول الأمر إلى مصرف قطر المركزي، إحداهما وزارة الاقتصاد والـتجارة والأخرى مركز قـطـر للمال (QFC) وتحت كل مظلة تندرج مجموعة شركات تستقي لوائحها ونظمها وقوانينها التأسيسية من خلال تلك المرجعية القانونية الرسمية وحالياً نرى أن الشركات التي كانت تخضع لمرجعية وزارة الاقتصاد والتجارة أصبحت تخضع بصفة كاملة للمصرف المركزي وتتبع تعليماته وإرشاداته حتى صدور اللائحة التنفيذية التي ستنظم أسلوب ومعايير الرقابة على نشاط شركات التأمين مباشرة من خلال أجهزة الرقابة والإشراف بالمصرف المركزي، في حين مازالت الشركات التي أسست وفقاً لمرجعية مركز قطر للمال (QFC) تخضع لمعايير الرقابة والإشراف للمركز وقد تتضح الصورة كاملة للجميع بعد صدور اللائحة التنفيذية لتكون المرجعية الوحيدة للرقابة والإشراف وفقاً لقانون المصرف المركزي، ويشمل سوق التأمين القطري حالياً الشركات الآتية: -
أ) شركات مسجلة من خلال وزارة الاقتصاد والتجارة وتخضع حالياً للأجهزة الرقابية بالمصرف المركزي: -
1- شركة قطر للتأمين.
2- الشركة القطرية العامة للتأمين.
3- مجموعة الخليج التكافل.
4- الشركة الإسلامية القطرية للتأمين.
5- شركة الدوحة للتأمين.
6- شركة ضمان للتأمين – بيمة.
7- اللبنانية السويسرية للتأمين – وكالة.
8- مصر للتأمين – وكالة.
9- العربية للتأمين – وكالة.
10- عمان للتأمين – وكالة.
11- العامة للتكافل – فرع إسلامي للشركة القطرية العامة للتأمين
12- الدوحة للتكافل – فرع إسلامي لشركة الدوحة للتأمين.
13- شركة الكويت للتأمين – الخليج الدولية للخدمات.
ب) شركات مسجلة من خلال مركز قطر المالي: -
1- الأمريكية للحياة (اليكو).
2- إيه آي جي – الشرق الأوسط.
3- أكسا للتأمين.
4- شركة بنك الدوحة للتأمين.
5- شركة ميتسوميتو للتأمين.
6- شركة إليانز للتأمين.
7- شركة سيب للتأمين.
8- تآزر للتكافل – فرع للشركة الأم البحرين.
9- الشركة الدولية للتكافل – فرع للشركة الأم البحرين.
10- شركة ب أن إتش (BNH) – فرع للشركة الأم البحرين وجمدت
عملياتها اعتبارا من 31/12/2014.
11- شركة ميد جلف للتكافل.
(حجم سوق التأمين القطري ونصيب التأمين التكافلي الإسلامي)
يبلغ إجمالي حجم السوق السنوي ما يربو على الخمس مليارات ريال قطري تستحوذ البتروكيماويات على النصف تقريباً من إجمالي المحفظة التأمينية والباقي على أفرع التأمين المختلفة ولا يزيد نصيب شركات التكافل الإسلامية وفروعها العاملة بالسوق معدل 15% من إجمالي المحفظة حتى الآن.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5490
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5229
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1716
| 13 مايو 2026