رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نشعر دائماً كمسؤولين وعاملين في شركات التأمين بالتقصير حين نفاجأ من خلال ما تتناوله الملاحق الاقتصادية للصحف اليومية وأحياناً بعض العناوين الصادمة في بعض الصحف عن شركات التأمين وآلية عملها ومنظومة العمل التأميني والعلاقة التعاقدية بين شركات التأمين وإعادة التأمين والعميل المباشر بحجم تقصيرنا في توضيح تلك الصورة لجموع المتعاملين مع تلك الصناعة للحيلولة دون شيطنة شركات التأمين وآلية عملها دون علم، ورفعاً لمستوى الوعي التأميني بالمجتمع، مما سينعكس إيجابياً بالطبع على الصناعة ذاتها والمتعاملين معها، سواء عملاء، شركات ورجال أعمال وحتى محرري الملاحق الاقتصادية في تلك الصحف، لتكون لهم الدراية العلمية الكافية عن طبيعة عمل تلك المنظومة وعلاقة رأس المال المسدد لتأسيس تــلك الشركات واحتياطياتها التراكمية مـع عـملـياتهـا المستندة أساساً على منظومة متكاملة وشبكة عالمية لإعادة التأمين أو تفتيت المخاطر وتوزيعها، ومن هذا المنطلق ارتأينا إعداد هذه السلسلة من المقالات لشرح تاريخ وأسس ونظم العمل والآليات المتبعة في صناعة التأمين وعلاقتها مع أطراف العقد التأميني وهم: العميل - شركة التأمين - شركة إعادة التأمين. وأرجو من الله العلي القدير، أن يوفقني في ذلك، لأن دافعنا هو المساعدة في توضيح الصورة ورفع معدلات الوعي التأميني، كما أسلفنا في بداية التمهيد.
نظرة تاريخية:
يعود تاريخ التأمين إلى بدايات النشأة البشرية مع نزوع البشر الأوائل إلى التعاون والتكاتف في تأسيس المجتمعات البشرية الصغيرة والعمل على توفير القوت والحفاظ على مصادره والتعويض عن المجموع في حالة خسارته وتطورت تلك الحاجة مع التطور الطبيعي للنشأة البشرية ومجتمعاتها وتنوعها وتطور مصادر ذلك القوت اللازم لاستمرار الحياة، ليصبح مصادر اقتصادية متعددة تغطي جوانب العمل الاقتصادي الإنساني ولكن دون أطر قانونية تقنن ذلك العمل التعاوني، فخلال العام 3000 قبل الميلاد مثلاً، كان التجار الصينيون يوزعون البضائع التي يتاجرون بها عبر البحار على عدة سفن وكل سفينة تحوي جزءاً من كل البضائع ليتم التعويض عنها من المجموع في حالة خسارة إحداها وأيضاً في الجزيرة العربية كانت القوافل التجارية قبل الإسلام في عصور الجاهلية تتجمع سواء في رحلتي الصيف أو الشتاء إلى الشام كمجتمع عضوي واحد للتعويض في حالة تعرض أي من تلك القوافل للسرقة أو سطو قطاع الطرق وقد تطورت تلك الآلية لتجسيد الحاجة للحماية والتعويض لكي تأخذ شكلاً وإطاراً تنظيمياً للتأمين البحري لتغطية البضائع في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة مــا بين عــــامــي 1500 و1700 ميلادياً.
وفي العام 1712 تأسس أول تجمع تأميني قانوني لتوفير التغطيات التأمينية على النقل البحري وسمي اللويدز. والجدير بالذكر أن اسم لويدز هو مشتق من المقهى الذي كان يجتمع به هؤلاء التجار ليعقدوا الصفقات.
ومن ثم ارتأوا تأسيس تجمع لهذا الغرض وتم اختيار اسم المقهى (لويدز) ليطلق على أول تجمع تأميني قانوني مع الاحتفاظ بالكراسي التي تشبه الصندوق، وعليه تم تسمية هذا التجمع بصناديق وكل صندوق يمثل إحدى شركات إعادة التأمين والذي يعد أول وأشهر تجمع تأميني في تاريخ الصناعة، ثم تطورت بعد ذلك التجمعات التأمينية لتشمل تأمين الحريق والكوارث وحتى تأمينات الحياة وفقاً لحسابات إكتوارية خاصة تقوم على علم الإحصاء والحسابات المقارنة وتعد من قبل خبير مختص في تطبيق نظرية الاحتمالات والإحصاءات في دراسة التأمين والاستثمار والإدارة المالية وعلم السكان (الديموغرافيا) يعرف بالخبير الإكتواري ((Actuary ومن ثم توسعت فروع التأمين لتشمل التأمينات الهندسية، والمسؤوليات والأفراد وأيضاً السيارات والمركبات إضافة إلى المعدات وفقاً للشكل الهيكلي المتعارف عليه في شركات التأمين العاملة بالصناعة حالياً، ثم وتماشياً مع رغبة غالبية المجتمعات المسلمة بأن تكون تعاملاتهم التأمينية وفقاً لمبادئ وقوانين الشريعة الإسلامية السمحاء أسوة بالمصارف الإسلامية، فقد بدأت الشركات الإسلامية التكافلية التعاونية منذ عام 1979 ميلادياً في تقديم خبرتها في التطبيق العملي والفعلي في مفهوم التأمين الإسلامي وهو ما سوف نتناوله بالتفصيل لاحقا وكان من الضروري لنجاح صناعة التأمين العمل على تفتيت الأخطار التي يتم الاكتتاب المباشر بها من خلال شركات التأمين. ومع تنوع أهداف تأسيسها ومن هنا نشأت الحاجة لشركات إعادة التأمين والتي تقوم بدور تفتيت تلك الأخطار وتوزيعها على الكثير من شركات الإعادة عبر أسواق العالم المختلفة وفقاً للطاقة الاستيعابية لكل من تلك الشركات ومن هنا نشأت العلاقة التعاقدية بين شركة التأمين المباشر التي تكتتب في الأخطار التأمينية في سوقها المحلي بصرف النظر عن حجم وقيمة رأس المال التأسيسي لتلك الشركات لكونها تقوم فقط بالاحتفاظ بطاقتها الاستيعابية من الاحتفاظ بالخطر ثم تسند الباقي إلى سوق الإعادة العالمي، سواء عن طريق اتفاقيات إعادة التأمين المبرمة معها وتقوم على إطار قانوني يحدد سقف المسؤوليات عن كل فرع من فروع التأمين وللشركة الحق في الاكتتاب المباشر دون الرجوع لمعيدي التأمين العالميين وما يزيد على ذلك يتم إسناده لشركات الإعادة العالمية اختياريا، أي يطرح على سوق الإعادة العالمي المعروف بسوق إعادة التأمين الاختياريFacultative Reinsurance لما يزيد على طاقة تلك الاتفاقيات الاستيعابية ومن ثم تقوم شركات الإعادة العالمية بتطبيق نفس الآلية والاحتفاظ وفقاً لطاقتها الاستيعابية التي تخضع لحسابات إكتوارية دقيقة وعديدة ومن ثم تعيد ما يزيد على ذلك أيضاً في أسواق الإعادة العالمية الأخرى فيما يعرف باسم إعادة الإعادة أو Re-Trocession وسوف نغطيها أيضاً لاحقاً بالتفصيل لتوضيح صورة كاملة عن آلية العمل في صناعة الـتـأمـين وعلاقتها بإعادة التأمين بعلاقة تعاقدية قوية مع مختلف الأسواق العالمية وبها من الأسماء العالمية القوية المعروفة كسوق اللويدز، وميونيخ ري، وهانوفر ري وسويس ري وغيرها الكثير من شركات الإعادة العالمية في مشارق الأرض ومغاربها.
نظرة تحليلية للسوق القطري:
بنظرة تحليلية إلى السوق القطري من حيث المرجعية القانونية للتأسيس، نجد أن السوق كان مقسماً إلى مظلتين قانونيتين قبل أن يؤول الأمر إلى مصرف قطر المركزي، إحداهما وزارة الاقتصاد والـتجارة والأخرى مركز قـطـر للمال (QFC) وتحت كل مظلة تندرج مجموعة شركات تستقي لوائحها ونظمها وقوانينها التأسيسية من خلال تلك المرجعية القانونية الرسمية وحالياً نرى أن الشركات التي كانت تخضع لمرجعية وزارة الاقتصاد والتجارة أصبحت تخضع بصفة كاملة للمصرف المركزي وتتبع تعليماته وإرشاداته حتى صدور اللائحة التنفيذية التي ستنظم أسلوب ومعايير الرقابة على نشاط شركات التأمين مباشرة من خلال أجهزة الرقابة والإشراف بالمصرف المركزي، في حين مازالت الشركات التي أسست وفقاً لمرجعية مركز قطر للمال (QFC) تخضع لمعايير الرقابة والإشراف للمركز وقد تتضح الصورة كاملة للجميع بعد صدور اللائحة التنفيذية لتكون المرجعية الوحيدة للرقابة والإشراف وفقاً لقانون المصرف المركزي، ويشمل سوق التأمين القطري حالياً الشركات الآتية: -
أ) شركات مسجلة من خلال وزارة الاقتصاد والتجارة وتخضع حالياً للأجهزة الرقابية بالمصرف المركزي: -
1- شركة قطر للتأمين.
2- الشركة القطرية العامة للتأمين.
3- مجموعة الخليج التكافل.
4- الشركة الإسلامية القطرية للتأمين.
5- شركة الدوحة للتأمين.
6- شركة ضمان للتأمين – بيمة.
7- اللبنانية السويسرية للتأمين – وكالة.
8- مصر للتأمين – وكالة.
9- العربية للتأمين – وكالة.
10- عمان للتأمين – وكالة.
11- العامة للتكافل – فرع إسلامي للشركة القطرية العامة للتأمين
12- الدوحة للتكافل – فرع إسلامي لشركة الدوحة للتأمين.
13- شركة الكويت للتأمين – الخليج الدولية للخدمات.
ب) شركات مسجلة من خلال مركز قطر المالي: -
1- الأمريكية للحياة (اليكو).
2- إيه آي جي – الشرق الأوسط.
3- أكسا للتأمين.
4- شركة بنك الدوحة للتأمين.
5- شركة ميتسوميتو للتأمين.
6- شركة إليانز للتأمين.
7- شركة سيب للتأمين.
8- تآزر للتكافل – فرع للشركة الأم البحرين.
9- الشركة الدولية للتكافل – فرع للشركة الأم البحرين.
10- شركة ب أن إتش (BNH) – فرع للشركة الأم البحرين وجمدت
عملياتها اعتبارا من 31/12/2014.
11- شركة ميد جلف للتكافل.
(حجم سوق التأمين القطري ونصيب التأمين التكافلي الإسلامي)
يبلغ إجمالي حجم السوق السنوي ما يربو على الخمس مليارات ريال قطري تستحوذ البتروكيماويات على النصف تقريباً من إجمالي المحفظة التأمينية والباقي على أفرع التأمين المختلفة ولا يزيد نصيب شركات التكافل الإسلامية وفروعها العاملة بالسوق معدل 15% من إجمالي المحفظة حتى الآن.
جوهر الحضارة ورياحين النفوس
في تجربتنا الإنسانية على هذه البسيطة، جميلٌ أن يُدرك المرء أن الفنون جوهر الحضارة ولبّها الأصيل، يرتفع بها... اقرأ المزيد
153
| 02 يونيو 2026
رحلتي وعودتي من الحج.. ذكريات لا تغيب
عندما غادرت أرض الوطن متوجهاً إلى الديار المقدسة، كنت أحمل شوقاً طال انتظاره إلى بيت الله الحرام، لكنني... اقرأ المزيد
213
| 02 يونيو 2026
قطر تدين اقتحام المسجد الأقصى
في امتداد لموقفها الثابت والتاريخي الداعم للقضية الفلسطينية والدفاع عن القدس ومقدساتها، أدانت دولة قطر اقتحام متطرفين إسرائيليين... اقرأ المزيد
129
| 01 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
4068
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2631
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1635
| 29 مايو 2026