رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المعركة ضد الإرهاب نسجت من حولها أساطير عدة بحاجة إلى مراجعة وتحرير.
(١)
في برلين قال يحيى راشد وزير السياحة المصري إن الاستقرار الأمني والسياسي وراء التحسن الملحوظ في حجم السياحة الوافدة إلى البلاد. في نفس الأسبوع ردد في فيينا علاء عابد رئيس لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب عبارة المسئول المصري التي قال فيها إن مصر وحدها تحارب الإرهاب نيابة عن العالم، ودعا إلى إنشاء تكتل دولي لمحاربة الإرهاب ــ الأول كان يخاطب غرفة برلين للسياحة، والثاني كان يخاطب اجتماعا للأمم المتحدة عقد في العاصمة النمساوية لمناقشة موضوع الإرهاب والجريمة ــ والرسالتان تعبران عن ازدواجية الخطاب المصري إزاء الموضوع. أحدهما يريد أن يجذب السياح والمستثمرين فيتحدث عن الاستقرار والأمان، أما الثاني فهو يبالغ في موضوع الإرهاب فيستنفر ويحذر. مرة بدعوى أنه يهدد العالم ومرة ثانية بدعوى أنه يهدد الدولة ويدعو إلى إسقاطها. وذلك ليس موقفا جديدا، لأنه منذ ثلاث سنوات، صار الإرهاب أهم عناوين الحالة المصرية والصيغة الأكثر جاذبية لوصم الصراع السياسي وشيطنته. إلا أنه بمضي الوقت أدرك المسؤولون أن من شأن استمرار ذلك النهج أن يوصد الأبواب في وجوه السياح والمستثمرين. ووجدوا أن ذلك إذا أدى إلى كسب جولة الصراع السياسي، فإنه يفاقم من أزمة الوضع الاقتصادي. بمعنى أنه يخدم النظام ويضر بالوطن.
انتبه إلى ذلك الرئيس عبدالفتاح السيسي، فحاول أن يصوب الصورة في حوار تليفزيوني أجرى معه في برشلونة حين زارها في شهر نوفمبر الماضي (٢٠١٦). إذ حين سئل عن الإرهاب فذكر أنه محصور في شريط ضيق بشمال سيناء، في منطقة لا تتجاوز ٢٪ من جملة مساحتها. ولم يكن ذلك تهوينا من شأن الإرهاب، وإنما كان توصيفا دقيقا لساحة مواجهته التي لا تتجاوز في طولها ٤٥ كيلومترا. ذلك أن ما يحدث خارج سيناء (في الدلتا مثلا) فهو في حقيقته حوادث استثنائية لا تشكل ظاهرة كتلك الموجودة في شريط رفح والشيخ زويد والعريش، علما بأن الوجه القبلي الذى يشمل محافظات الصعيد كلها، لم يعرف تلك الحوادث.
(٢)
هذه الخلفية تسوغ لنا أن نستخلص أمرين، الأول أن الإرهاب ظاهرة مقصورة على شمال سيناء، يعانى منها كل سكان المنطقة البالغ عددهم نصف مليون نسمة. صحيح أن العمليات الإرهابية تستهدف أجهزة السلطة ومؤسساتها، إلا أن المجتمع السيناوي تأثر بها إلى حد كبير، الأمر الذي غير من نمط حياة السكان وعلاقاتهم الاجتماعية كما هدد شعورهم بالأمن، أما في خارج ذلك الشريط الساحلي، في بقية أرجاء مصر، فإن الظاهرة لا وجود لها. والعمليات التي تتم بصورة استثنائية في بعض المدن هي مجرد حوادث إرهابية، لم تؤثر على حركة المجتمع ونمط حياة أفراده، الدليل على ذلك أن أي مواطن ساكن في القاهرة مثلا أو قادم إليها من أي مكان لا يلمس أثرا للإرهاب ولا يسمع عنه إلا من خلال وسائل الإعلام. بل أزعم في هذا الصدد أن قلق المجتمع من سطوة العصابات الإجرامية صار أكبر من قلقه إزاء العمليات الإرهابية.
الأمر الثاني أن تعميم حكاية الإرهاب على مصر كلها والإيحاء بأنه يستهدف إسقاط الدولة والإدعاء بأن الصراع ضده هو معركة وجود، ذلك كله من قبيل المبالغات التي تنتمي إلى أساليب التعبئة الإعلامية بأكثر من تعبيرها عن حقائق الواقع. النموذج الدال على ذلك، الذي ذكرته من قبل، يتمثل في قصة تفجير مديرية أمن الدقهلية يوم ٢٤ ديسمبر عام ٢٠١٣، في ذروة الصراع بين السلطة والإخوان، ذلك أن الحادث الذي صدم الرأي العام والسلطة نسب إلى الإخوان على الفور، واستخدم إعلاميا في التعبئة الإعلامية ضدهم على نطاق واسع. وترتب على ذلك أن اجتمع مجلس الوزراء في اليوم التالي مباشرة (٢٥ ديسمبر) وقرر اتهام الجماعة بأنها حركة إرهابية، استنادا إلى التسليم بأنها قامت بذلك العمل الإرهابي الكبير، وما حدث بعد ذلك كان مفاجئا، ذلك أن جماعة أنصار بيت المقدس السيناوية بثت في شهر إبريل عام ٢٠١٤ شريط «فيديو» أعلنت فيه مسؤوليتها عن التفجير وعرضت بالصور مراحل تنفيذ العملية. رغم ذلك فإن متطلبات التعبئة الإعلامية فرضت إلصاق صفة «الإرهابية» بالجماعة، وهو ما استمر في وسائل الإعلام منذ ذلك الحين وإلى الآن. لا ينفى ذلك أن الجماعة وقعت في أخطاء وأخفقت في بعض الحسابات السياسية، لكن ذلك كله شيء وقيادة العمليات الإرهابية شيء آخر. وهو ما تشهد به التجربة التي أثبتت أن مجال الإرهاب الحقيقي كان ولايزال محصورا في شمال سيناء، حيث الحضور القوى والمستعصي لعناصر العنف باختلاف مسمياتها.
(٣)
أرجو أن يكون واضحا أن مدار البحث وموضوعه ليس التحقيق في مبدأ وجود الإرهاب في مصر، لكن تحرى حجمه ودرجته. وهذه مسألة ينبغي عدم التهوين من شأنها، لأنه باسم مكافحة الإرهاب حشر في السجون نحو ٦٠ ألف مواطن (حسب تقرير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان)، ولاستيعابهم تم بناء ١٩ سجنا جديدا خلال السنوات الثلاث الماضية. ومن هؤلاء قدمت أعداد كبيرة إلى المحاكم الجنائية والعسكرية، التي قررت إعدام المئات منهم. كما صدرت القوانين الاستثنائية التي قيدت الحريات العامة، وجرى العصف بمنظمات المجتمع المدني خصوصا الحقوقية منها، وتعرض مئات للاختفاء القسري كما منع مئات آخرون من السفر إلى الخارج. إلى غير ذلك من الإجراءات التي ذكرتني بعنوان جامع لأحد الكتاب قال فيه: قل (إرهاب) ثم علق المشانق. وهو ما اختزل به المشهد الذي بمقتضاه يتم إشهار عنوان «الإرهاب» في الفضاء العام. ليسوغ اتخاذ كل ما يخطر على البال من إجراءات استثنائية، بما في ذلك تعليق المشانق للأبرياء. وليس ذلك مجرد افتراض، لأنه ما عبر عنه أحد أركان ما سمى بائتلاف ٣٠ يونيو. حين قال في أحد اللقاءات إن الخلاف السياسي لا حل له سوى «اجتثاث الخصوم» أسوة بما فعله الأمريكيون مع عناصر حزب البعث بعد احتلال العراق (عام ٢٠٠٣).
بدا التهويل من خطر الإرهاب مقدمة ضرورية لاتخاذ مختلف الخطوات والإجراءات السابق ذكرها. كما أنه ساعد على الترويج لأسطورة أن مصر تحارب الإرهاب نيابة عن العالم. وتقوم بذلك وحدها. وهى العبارة التي أشرت إلى أن أكثر من مسؤول مصري رددها في سياق مخاطبة الداخل والخارج.
حين حاولت التحقق من صحة المعلومة أو الأسطورة، تبين ما يلي:
< ليس صحيحا أن مصر تحارب الإرهاب نيابة عن العالم. أولا لأن حجم الإرهاب في مصر متواضع كثيرا إذا قورن بغيرها من الدول العربية المحيطة، مثل ليبيا وسوريا والعراق واليمن. وحين نلاحظ أن تلك الدول أصبحت معرضة للتفتت، أو أنها تفتتت بالفعل، فضلا عن أنها أصبحت غارقة في دماء مواطنيها. فإن ذلك يدلنا على أن مصر المتماسكة تواجه مشكلة محلية على مساحة محدودة من أرضها، ولم تنجح الجهود المبذولة في القضاء عليها.
< في الدراسات التي أجرتها مراكز الأبحاث الغربية عن خطر الإرهاب في العالم، لم يذكر الباحثون أن الإرهاب في مصر له وضع خاص. فقد ذكرت مجلة «فوربس» الأمريكية أن مصر واحدة من أكثر عشرة أقطار عانت من الإرهاب في عام ٢٠١٥ وهذه الأقطار هي: العراق ــ أفغانستان ــ نيجيريا ــ باكستان ــ سوريا ــ اليمن ــ الهند ــ الصومال ــ مصر ــ ليبيا. أما مؤسسة «إيه أو إن» البريطانية فقد قسمت الدول ستة أقسام واعتبرت مصر ضمن ٢٤ دولة ارتفع فيها مستوى الإرهاب. أما الدول التي صار فيها الإرهاب خطرا فقد وصل عددها إلى ١٥ بينها ٥ دول عربية هي سوريا والعراق واليمن وليبيا والسودان.
< ليس صحيحا أن مصر تحارب الإرهاب وحدها. ذلك أن دول الخليج تقف علنا إلى جانبها سياسيا واقتصاديا وأمنيا، حتى أصبحت تمنع دخول غير المرضي عنهم مصريا إلى أراضيها. كما أنها قامت بترحيل أو تسليم معارضي النظام المصري من العاملين لديها. والكلام متواتر عن مشاركة إسرائيل في ملاحقة الإرهابيين في سيناء. وهو ما صرح به وزير الدفاع الإسرائيلي لإذاعة الجيش في ٢٥ فبراير الماضي، وأيده في ذلك كل من عاموس هارئيل المعلق العسكري لصحيفة هاآرتس ومحرر الشؤون العربية لصحيفة فيكور راشوت.
(٤)
مما سبق نخلص إلى ما يلي:
< إن فكرة استخدام الأساطير لتشويه ثورة يناير ٢٠١١ وتبرئة الذين أهانوا الشعب والوطن وظفت مرة أخرى لتصفية الثورة وإجهاض أحلامها في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية. وهو ما تم من خلال نسج مجموعة من الأساطير حول الإرهاب الذي صار السلاح الأمضى الذي استخدم لأجل ذلك.
< إن الإرهاب في مصر نطاقه محصور في الشريط الضيق المتمثل في شمال سيناء. وأكرر هنا أنه بمثابة حالة في تلك المنطقة، في حين أنه مجرد حوادث تقع خارج حدودها لأسباب متباينة.
< إن الوطن ليس مهددا بالانهيار ولا الدولة مهددة بالسقوط كما يشاع. والترويج لمثل تلك المقولات للتخويف من خطر الإرهاب، كان سبيلا لضرب الديمقراطية وتبرير استخدام العنف والقمع لحسم الخلاف السياسي. وهو ما أدى إلى إماتة السياسة وإنعاش دور الأمن وأساليبه.
< إن المبالغة في خطر الإرهاب لم تصرف الانتباه عن تحديات التنمية الحقيقية في الداخل فحسب، ولكنها أيضا أسفرت عن تراجع الاهتمام بالتهديدات الخارجية. وهو ما أدى ليس فقط إلى تراجع أولوية القضية الفلسطينية في الأجندة المصرية، وإنما أدى أيضا إلى تنشيط التعاون الاستخباري مع الدولة العبرية. الأمر الذي أوصلنا إلى مفارقة أصبح في ظلها التطبيع مع إسرائيل مقدما على المصالحة السياسية الداخلية. وصارت إسرائيل التي قامت على الإرهاب حليفا في حين أصبح الأشقاء المعارضون أعداء من أهل الشر.
أما أخطر النتائج التي ترتبت على التهويل من حجم الإرهاب وخطره، أن ذلك أدى إلى تشويه الإدراك العام وتعميق انقسام الصف الوطني، الأمر الذي أحدث جراحا في جسم الوطن سنحتاج إلى سنوات وعقود لعلاجها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8901
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4821
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3552
| 23 سبتمبر 2026