رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يقوم المبعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد بجولة جديدة في المنطقة بدأها بالكويت ثم المملكة العربية السعودية. وتقول المعلومات إنه يحمل في حقائبه صيغة معدلة لمهمته في اليمن من أجل تحقيق السلم الاجتماعي والأمن في ربوع اليمن.
(2)
لا جدال بأننا جميعا ننشد الأمن والاستقرار في اليمن، وعودة السيادة إلى أصحابها، السلطة الشرعية، بقيادة الرئيس عبد ربه منصور. ودحر الانقلابيين على الشرعية الذين اختطفوا اليمن بكامله. إن استعادة اليمن من هؤلاء البغاة ضرورة وطنية يمنية، وضرورة أمنية خليجية، سواء بالطرق السلمية أم عن طريق القوة المسلحة. والحق أن القوى الوطنية اليمنية بكل مكوناتها لن تستطيع استرداد شرعيتها، واستعادة اليمن من خاطفيه، حتى بدعم ومشاركة قوات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية إلا بوحدة هذه القوى، وتوحيد كلمتها، والسيطرة الفعلية والحاسمة على جميع المنافذ البحرية اليمنية وتحصينها. وكذلك تحرير محافظة تعز والاقتراب من تخوم العاصمة صنعاء ولا أقول بدخول السلطة الشرعية صنعاء بالقوة، لأن سقوطها لصالح الشرعية تحصيل حاصل، إذ تمت السيطرة الكاملة على الجوف ومأرب والحديدة وتم تحرير تعز العزة والكبرياء. إن تعدد الأهداف للأحزاب اليمنية الرافضة للانقلابيين والميل نحو جهات بهدف نصرة جماعة على أخرى لتحقيق مصالح ذاتية أو جهوية أمر سيقود اليمن إلى ما آل إليه الوضع في سوريا الحبيبة، حرب لن تنتهي، ولن يكون فيها منتصر، والكل مهزوم.
(3)
يؤسفني القول إن إسماعيل ولد الشيخ أحمد المندوب الأممي في اليمن ليس بريئًا فيما يفعل هناك، إنه في تقديري أحد معوقات إنهاء مأساة الشعب اليمني بأطروحاته ومقترحاته غير البناءة.
في جولته الأخيرة التي قطعها وعودته إلى لندن لحضور اجتماع اللجنة الرباعية المكلفة بالشأن اليمني، دون لقاء الرئيس اليمني رغم أنه كان من المقرر أن يجتمع به قبل مغادرته الرياض، المقر المؤقت للقيادة اليمنية- أمر يثير الريبة من إدارته ونواياه. تقول المصادر اليمنية إن ولد الشيخ أجرى تعديلات على مبادرته السابقة التي رفضتها السلطة الشرعية اليمنية، والتي مؤداها رئيس بلا صلاحيات، وإقالة نائب الرئيس الفريق علي محسن الأحمر، وتعيين نائب توافقي، تعطى له كامل الصلاحيات، إلى آخر المسلسل المعروف.
الصيغة الجديدة التي أتى بها ولد الشيخ، حسب التسريبات، تنص على إبقاء الرئيس عبد ربه منصور بمنصبه وبكامل الصلاحيات التي منحها له الدستور، حتى إجراء انتخابات رئاسية. وتنص الصيغة على إلغاء منصب نائب رئيس الجمهورية، الأمر الذي يؤدي إلى إقالة نائب رئيس الجمهورية الفريق علي محسن، وعدم تعيين أي بديل له، وتعيين رئيس وزراء توافقي يعطى كامل الصلاحيات. وفي تقدير الكاتب أن هذه المبادرة تعتبر من غرائب عصر السياسة منذ مؤتمر وست فاليا 1648، الذي أقر، إلى جانب أمور أخرى، مفهوم السيادة، وهذه المبادرة هي إخلال بمبدأ السيادة. صحيح أن مفهوم السيادة قد جرى عليه الكثير من العبث خاصة بعد احتلال العراق عام 2003. لكن يظل المفهوم قائما رغم المحن. وسؤالي للسيد ولد الشيخ: أليست هذه التعديلات هي كل ما يطلبه الحلف الثنائي صالح والحوثي؟
(4)
السؤال الذي يثيره الكثيرون: لماذا تدور كل جهود المندوب الأممي حول الاستجابة لمطالب خاطفي الدولة اليمنية بقوة السلاح الحوثي وعلي صالح؟ الرئيس اليمني عبد ربه، بموجب المبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار الوطني والقرارات الدولية هو الرئيس الشرعي للدولة اليمنية، ومهمة المندوب الأممي ولد الشيخ إسماعيل تقتصر على العمل لتنفيذ القرارات الدولية، ومبادرة دول مجلس التعاون الخليجي، ومخرجات الحوار الوطني اليمني الذي شاركت فيه كل القوى اليمنية. إن من أهم واجبات المندوب الأممي إسماعيل ولد الشيخ في اليمن إجراء استطلاع عام عن المشكلة والاتصال بأطراف أصحاب السيادة وتدارس الخروج من الأزمة معهم، وتحديد المعتدي. أما بالنسبة لمغتصبي السيادة اليمنية بقوة السلاح فلا حوار معهم، وعلى المندوب الأممي إن كان نزيها مطالبة مجلس الأمن بتطبيق القرارات الأممية ذات الصلة ضد المعتدين طبقا للفصل السابع من الميثاق. أما مهمة قوى التحالف العربي فهي مساعدة الحكومة الشرعية اليمنية لا استرداد شرعيتها من مختطفيها، وإنهاء التواجد والنفوذ الإيراني في خاصرة المملكة العربية السعودية. فلماذا تدور جهود المبعوث الدولي حول الرئيس ونائبه الفريق علي محسن، والمطالبة بتعيين رئيس وزراء توافقي له كل الصلاحيات؟ مع من يكون التوافق؟ حتما مع الانقلابيين حسب نوايا ولد الشيخ. هنا يكون التناقض: تارة تقول مبادرة ولد الشيخ بقاء الرئيس بكل صلاحياته، ثم يعود باقتراح صلاحيات كاملة لرئيس الوزراء المقترح. إنه أمر عجيب!
(5)
نؤكد القول بأنه ليس من حق أي طرف من الأطراف المنشغلة بالشأن اليمني التدخل في أي أمر سيادي يمني، فالمناصب العليا في الدولة يحددها رئيس الجمهورية طبقا لقواعد الدستور اليمني. ولكن في ظل الظروف المضطربة فإن من حق دول التحالف العربي أن تعرف بخطط القيادة السياسية اليمنية في هذا الشأن مسبقا، ولكن ليس لهم حق الفيتو على أي منصب يقترحه الرئيس لأن المثل العربي يقول "أهل مكة أدرى بشعابها".
خشيتي كبرى على مستقبل دول مجلس التعاون الخليجي، إذا قبلوا لأنفسهم التدخل في شؤون اليمن الداخلية وفرض إرادتهم على السلطة اليمنية بتعيين أفراد محددين سلفا في المناصب العليا لا تقبل بهم تلك السلطة، وقبول دول المجلس بتطبيق نظام المحاصصة هناك. إنهم بذلك يسجلون على أنفسهم سابقة، وقد يأتي اليوم الذي يفرض المجتمع الدولي على نظمنا السياسية نظام المحاصصة، خاصة في ظروف تقدم اليمين المتطرف لتولي القيادة في الكثير من الدول الغربية. إذا قبل قادتنا الميامين في الخليج العربي بمشاركة أحزاب سياسية مسلحة في الحكم، أو مدعومة بقوى خارجية تدين لها بالولاء فإن الأمر سيصبح في غاية الخطورة على وحدة دولنا، وهذا النموذج يدرس الآن في المؤسسات الديمقراطية الغربية في الشأن البحريني والحبل على الجرار. أما آن لكم أن تعتبروا يا قادتنا الميامين بما يجري في العراق ولبنان اليوم؟!
آخر القول: حصنوا اليمن بعدم التدخل في شؤونه الداخلية. أعينوه على استرداد شرعيته، وإعادة إعماره، وبناء دولته على أسس وحدوية شاملة. ارفضوا نظام المحاصصة في أي قطر عربي فإنه الشر المستطير في مجتمعاتنا. أسرعوا في تحرير الموانئ البحرية خاصة الحديدة وميدي. وإن الله معكم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12117
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
8706
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3432
| 22 أكتوبر 2026