رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أتذكر تماما أن دمعات قهر طفرت من عينيّ وقتما طالعت مقطع الشهيد مدوس العنزي يرحمه الله، وهو يكرر جملته الشهيرة "تكفي يا سعد.. تكفي يا سعد"، وقد بوغت بالغدرة الخسيسة من ابن عمه سعد العنزي، الذي لم تنفع معه كل رجاءاته من أن يضغط زناد "الكلاشنكوف" ويرديه قتيلا، في منظر أبكى كل من طالع ذلك المقطع، وتفجع على المروءة والنخوة التي تميز أبناء الشمال وغابت عنه.
لا أسوأ أو أحط من الغدر، خصوصا إن أتى من ذوي القرابة أو الدين والوطن، والغدر خلق من أخلاق المنافقين، وسمة تميز السفلة من البشر، وتأباه النفوس السوية، ويترفع عنه أهل المروءات والخلق، وكل من يتصف بالشجاعة والإقدام والجسارة ينأى بنفسه عن أن يغدر، بل الغدر محّرم في جميع الشرائع السماوية لأنه سمة وضيعة، وكتبتُ وقتها سائلا الله تعالى أن يمكّن رجال الأمن بالسعودية من الثأر للشهيد مدوس، ولم تمض أسابيع قليلة، إلا وقد وتمّ قتلهما في محافظة «الشملي» بمنطقة حائل بعد حصار للشقيقين الشقيين.
في يوم الجمعة الفارط، لم يخيب رجال محمد بن نايف آمال الوطن، وأردوا في إنجاز أمني باهر قتلة الشهيد بدر الرشيدي، الذي غدر به ستة من أبناء عمومته، واستدرجوه لموقع ناءٍ وهو أعزل، ثم قتلوه بدم بارد، دلالة على خسة وجبن تسِمُ هؤلاء الخوارج، فلم يستطيعوا النيل من هذا البطل الذي ينتمي إلى قوات الطوارئ الخاصة، إلا بالغدر به وهو أعزل.
نبذ الغدر في كل الحضارات القديمة مقياس لنبل وسمو الإنسان، بل هو معيار لمصداقية ما يدعو الرجل ويؤمن به، ونتذكر سؤال هرقل عظيم الروم -وقتما ذهب له أبو سفيان- عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسأله: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ فقال أبو سفيان: لا. فقال هرقل: وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ. رواه البخاري.
لا أدري عن هؤلاء الخوارج الذين باتوا يغدرون بقرابتهم وبني عمومتهم، أين هم من الحديث العظيم والمخيف الذي رواه أَبي سعيدٍ الخدريّ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يومَ القِيَامَةِ، يُرْفَعُ لَهُ بِقَدرِ غَدْرِهِ، ألا وَلا غَادِرَ أعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أمِيرِ عَامَّةٍ. رواه مسلم.
بالتأكيد أعرف إجابة هؤلاء الدواعش وقد كفّروا رجال الأمن، واستحلوا دماءهم حتى بالغدر للأسف الشديد، وحسنا فعلت وزارة الداخلية عندما دحرجت رؤوس منظريهم وكبار قادتهم قبل أشهر، فالخطر كل الخطر من أولئك المنظرين الذي يُحلّون لهم كل هذه الموبقات والجرائم الشنيعة بحجة كفر الدول وملوكها، وانتقلوا اليوم لتكفير رجال الأمن واستحلال دمائهم، وسيأتي اليوم الذي سيكفّرون المجتمعات الإسلامية برمتها.
سينتهي بحول الله وقوته هؤلاء الدواعش قريبا، ولكن التاريخ سيكتب أنهم كانوا أهل خسة وغدر، وستسِمهم أبدا وتلصق بهم، خصوصا أنهم يستخدمونه مع قرابتهم ودمهم الذين يأمنون لهم، ونحن نقرأ في كتب التاريخ ما حفظه عن أسوأ من مارس الغدر، وسُطرت أسماؤهم القذرة بأحرف شائهة، وبكل صدق، ولا فرق عندي بين هؤلاء الدواعش وبين يهوذا الإسخريوطي -أشهر غادر في التاريخ- الذي كان واحدا من اثني عشر تلميذا من تلامذة سيدنا عيسى عليه السلام، وقام بالاتفاق مع كهنة اليهود على أن يسلم لهم سيدنا المسيح مقابل ثلاثين قطعة من الفضة في مكان خلاء، لأن اليهود كانوا يخشون القبض عليه أمام الجموع لئلا يثوروا ضدهم، وكان يهوذا يعرف الأماكن التي يختلي فيها سيدنا عيسى بتلاميذه.
يهوذا ندم ندما شديدا بعد أن أتمّ صفقته الخاسرة مع اليهود بتسليم سيدنا عيسى عليه السلام، وعاد وردّ القطع الثلاثين من الفضة إلى كهنة اليهود قائلا: "لقد أخطأت إذ سلمتكم دما بريئا"، فأجابوه: "ليس هذا من شأننا بل شأنك أنت"، فألقى النقود، ثم ذهب وشنق نفسه.
يهوذا خلد في التاريخ، مع صديق هرقل بروتس، كأسوأ ما تكون الخيانة والغدر من أقرب الناس لك، وهو ما سيميز هؤلاء الدواعش الذين يغدرون بقرابتهم اليوم، ولا أدلّ من النظرة الدونية والاحتقار الذي يسربل المجتمع السعودي من أقصاه لأقصاه تجاههم، فتلك الصور لجثث الرشايدة الست التي انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي وتلقيناها في جوالاتنا، لم نجد أحدا يتعاطف معها أو يتألم، رغم بشاعة تلك الصور، فالموقف منهم واحد وفاصل: لا مكان أبدا للتطرف والمتطرفين بيننا ولا تعاطف معهم.
لا بد من توجيه شكر خاص لرجل الأمن الأول سمو ولي العهد الأمير محمد بن نايف، فبرغم الأعباء الجديدة التي أولاها له ملك الحزم، فإن الأمن بفضل الله تعالى أولا ثم بوجود سموه، لم يتأثر أبدا، بل ازددنا ثقة به وحبا واطمئنانا، وبالتأكيد تحية خاصة لرجاله من قادة الأمن الذين يقودون الحرب ضد تنظيمات التطرف بدهاء وحكمة وحنكة.
سيدحر الدواعش.. لكن التاريخ سيعنون لهم صفة الغدر لأبد الدهر.
سنّة العراق.. أيدي سبأ
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); "ما وصل إليه سنة العراق اليوم من هوان وذل وانقسام وضعة، وهم الذين... اقرأ المزيد
1180
| 02 يناير 2017
رتق ما انفتق في صفوف أهل السنة
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); آمنت بعد أحداث عديدة حضرتها وعشتها؛ أن السياسي والعالم الشرعي لديهما من الحكمة... اقرأ المزيد
1533
| 19 ديسمبر 2016
"هرمز" و"الحشد"..في صميم جولة سلمان
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); "إن المملكة العربية السعودية هي العمود الأساسي والمظلة الحقيقية لدول مجلس التعاون الخليجي... اقرأ المزيد
722
| 12 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4626
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1173
| 01 أكتوبر 2026