رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يأتي الحديث هذه الأيام عن إرهاب "إسرائيل" في سياق فعاليات أسبوع مقاومة "الأبارتهايد" الصهيوني ضد الفلسطينيين، وبعد تصريحات رئيس الوزراء التركي "أردوغان" أمام منتدى تحالف الحضارات الأممي في فيينا قبل أسبوعين التي ذكر فيها الحاضرين والمتحالفين بعنصرية وجرائمية الصهيونية وقارنها بمعاداة السامية وفوبيا الخوف من الإسلام.. وما تبع ذلك من ردات فعل مؤيدة له أو معقبة عليه أو رافضة ومستنكرة لما أدلى به..
وأرى أن موضوع الإرهاب الإسرائيلي لا يجوز أن يظل رهن التذكر أو النسيان وأحيانية التوسع والتضيّق أو حسب الاهتمام وعدمه فإرهاب "إسرائيل" إرهاب أصيل ولابد من تناوله بما يستحق من التأصيل والتفصيل وأن يكون ثقافة الناشئة حتى لا تتكرر العثرة في الأجيال القادمة كما هي في جيلنا والذي سبقه.. وأقول:
إرهاب إسرائيل إرهاب " أصيل " ليس لاقترانه بوقت الأصيل الذي يستطيب الشعراء التغني به دون بقية الأوقات فهو يتجاوز التوقيت ليل ونهار، وهو أصيل ليس من الأصالة التي تعني شرف الأصل فما هو ولا أصله إلا عفونات متراكبة وقذارات منفلتة.. ولكن من التأصل بمعنى التوطن والثبات والديمومة كما تتأصل النباتات أو الحيوانات في مكان بعينه، وكما يقال " فلان أصيل في جهته أو في عرقه " أي قادر على تصدير الطباع والعادات لورّاثه وأتباعه.. ومن هذه الوجهة فقط يمكن وصف الإرهاب " الإسرائيلي " بأنه أصيل لأنه بلا شك متأصل في صفاتهم وسلوكهم ووجدانهم وأدمغتهم كما تتوطن النباتات والحيوانات موطنا لا تغادره، ولأن له القدرة على التسلسل من الأجداد إلى الآباء ثم الأبناء والأحفاد حتى سوَّد وجه تاريخهم كله وشوَّه علاقاتهم بكل من واطنهم وعايشهم قبل الذين ناكروهم وعادوهم.
إرهاب إسرائيل إرهاب " أصيل " بشهاداتهم أنفسهم فقد نشرت الصحف " الإسرائيلية " قبل أربعة أشهر تقريبا استطلاعا للرأي أشار إلى أن 58% من الإسرائيليين اليهود يؤيدون نظام " الأبارتهايد " في حال ضمت " إسرائيل " المناطق المحتلة – للعلم فالأبارتهايد: تسمية إفريقية لنظام الفصل العنصري الذي حكمت الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا من خلاله في الفترة بين (1948 – 1993) نتائج الاستطلاع المشار إليه أثارت القلق لدى القيادات العربية بقدر ما أخزت بعض أوساط الليبراليين اليهود غير المتدينين.. والحقيقة أنه لا جديد في هذا الاستطلاع لأنه مجرد كشف للقناع عن المعنى الحقيقي لدولة يهودية مذهبية وإن من ميزة فيه فإنه أظهر قذارة العنصرية المتفشية في شرائح واسعة في هذا الكيان العنصري البغيض.
وإرهاب " إسرائيل " إرهاب أصيل.. لأنه ليس مجرد فكرة طارئة على ثقافتهم في لحظة انفلات وعدم اتزان ولا هو بتأثير مفكر استثنائي أو زعيم سادي مر على حياتهم ووصم تاريخهم كموسوليني أو لينين.. ولكن لأنه تجاوز دائما كل القواسم وكل تشابك المصالح وكل تقارب بين الثقافات وكل المصالح وكل مقتضيات المعايشة والمجاورة ولأنه احتفظ دائما بالحد الأعلى من العدوانية والكراهية.. والنموذج ماثل اليوم في معزل عن كل ثقافة السلام والانفتاح والعولمة والحريات وحقوق الإنسان وحيث يفشلون كل مساعي السلام والتسوية منذ عشرات السنين ويحرجون كل من يقترب منهم أو يتوقع سلمهم رغم زهادة المطلوب وعظم المأمول!!
وإرهاب إسرائيل إرهاب " أصيل " لأنه ينبع من أفكار ظلامية تخيلوها ونسجوها وكتبوها منذ تاريخهم الأول حتى صارت عقيدة فكرية وهوية تاريخية من السابق إلى اللاحق ومن السلف إلى لخلف.. مثال على ذلك - مجرد مثال دون استقصاء - جاء في سفر الأعداد من توراتهم المحرفة 7 – 18 ( سخط موسى وقال لهم : هل أبقيتم كل أنثى حية؟ فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال وكل امرأة عرفت رجلا بزواج.. ) وفي سفر يشوع 28 – 34 يتحدث عن مدن أعدائهم فيقول: (فنزلوا عليها وحاربوها وضربوها بحد السيف.. هي وكل نفس بها حتى لم يبق منها شارد) لاحظ عبارات اقتلوا كل ذكر وكل امرأة! وعبارة كل نفس بها! التي تؤصل فيهم عقيدة الكراهية وسلوك التطهير العرقي وجرائم الحرب.. فهل هذا كلام رب أو حتى أناس أسوياء أم كلام وسواس خناس وشيطان رجيم؟
إرهاب " إسرائيل " أيضا إرهاب أصيل لأنهم مارسوه على أنبيائهم قبل أن يمارسوه على أحد سواهم؛ فهم الذين قال القرآن فيهم (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون) ووصمهم بأنهم حرفوا دينهم ووسخوا عقيدتهم – دينهم هم وعقيدتهم هم – فقال: (يحرفون الكلم عن مواضعه) وأثبت أنهم حاولوا قتل النبي عيسى - عليه السلام - لولا أن ألقى الله تعالى شبهه على يهودي منهم فقتلوه بدلا منه فقال: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) وبين أن قباحتهم ووقاحتهم وصلت أن طعنوا في رب العزة ذاته جل قدره وعلا شأنه وأنهم قالوا ( يد الله مغلولة ) وقالوا ( إن الله فقير ونحن أغنياء ).. ولولا أن الموضع لا يحتمل الاستفاضة في نقل الشواهد والنصوص التي تدمغهم بالإرهاب المتأصل المتوارث لأفضت وأفضيت وأوفيت..
وإرهاب إسرائيل إرهاب " أصيل " لأنه استمر في المراحل الثلاث لكيانهم منذ قيام هذا المسخ إلى توسعة مرحلة التسوية ومحاولة الاندماج في المحيط الديموغرافي حوله فقد قام على التهجير وهدم مئات القرى وعلى المجازر الجماعية؟ ثم توسع فاحتل كل فلسطين وأراضي من سوريا ومصر ولبنان والأردن احتلالا كولونياليا استيطانيا غير عابئ بحقوق الإنسان والمعاهدات والمؤسسات والرأي العام العالمي الحافظ لها! ثم هو يمارس يوميا ولحظيا ضد المدنيين العزل كل أنواع وأشكال الإرهاب من قتل ممنهج ومستهدف وعقاب جماعي وتضييق على الحريات والحقوق الإنسانية والاجتماعية والصحية والاقتصادية والأمنية ومن انتهاكات حقوق الملكية الخاصة ومصادرة الأراضي وإقامة المستعمرات العسكرية والأمنية والاقتصادية والديموغرافية، ومن إذلال الناس على الحواجز العسكرية وعرقلة حركتهم ومنعها، ومن تخريب زراعتهم وتعويق ترميم البنى التحتية لمدنهم وقراهم التي لا يقوم أي مجتمع إنساني في أبسط صوره إلا عليها.. وحتى الأمم المتحدة التي حضنت هذا الكيان العاقّ الإرهابي ومنحته النسب وشهادة الميلاد وجدناه يحتقرها ويعادي مؤسساتها لمجرد أنها جاملت القيم الأخلاقية أحيانا فطاولته بنقد خجول ولسان متلجلج.
وإرهاب " إسرائيل " إرهاب أصيل لأنها في زمن الانفتاح والعولمة والتسامح الإنساني تبني أسوارا مادية ومعنوية حول نفسها وشعبها وتقرر عزل مواطنيها من اليهود في أتوبيسات منفصلة عن الأعراق الأخرى، ولأنها في زمن الوطنيات والإقليميات والعلمانيات تنادي لنفسها بدولة يهودية دينية توراتية عنصرية متطرفة.. ولأنها في زمن التوسع الإعلامي وانفتاح الآفاق والأجواء ليس على القارات السبع فقط بل وعلى الكواكب من حول الأرض تمارس كل أنواع الفظائع وكل ألوان التخريب والتدمير الممنهج للإنسان.. ولأنها في زمن المساواة والتبادل الثقافي تصف غير اليهود بالصراصير والأفاعي والجراذين والعقارب ويفتي حاخاماتها بقتل الناس على جنسهم وجنسياتهم.. ليراجع في ذلك ما ورد أكثر من مرة على لسان السادي المأفون " عوفاديا يوسف " الحاخام والرمز الديني..
آخر القول: لا يجوز أن يظل الحديث عن الإرهاب " الإسرائيلي " رهن التصعيد والتخفيض حسب حالة المواجهة ونوع الملفات المطروحة على الطاولة أو التفرغ والانشغال.. ولا يجوز أن يظل هذا الموضوع الإستراتيجي والخطير خاضعا للأحيانية ولكن يجب أن يظل على أجندة كل كاتب وكل وطني وأن يتحول لمنهجية بنائية.. هذا – بالطبع - إن أردنا أن نعرف عدونا.
من دخل مدخلا خاطئا يخرج منه
نلتقي أحيانا ببقية ممن لا يزالون يعيشون الخيال الذي رسمه لهم السيسي ، ويؤيدونه على غير وعي بما... اقرأ المزيد
661
| 12 يناير 2017
صديقي أقال أحسن موظفيه !
صديقي أقال أحد الموظفين لديه من العمل .. فجاءني الموظف يستشفع بي لدى صديقي كي يعيده للعمل فالموظف... اقرأ المزيد
961
| 05 يناير 2017
سحب الانقلاب المصري مشروع القرار .. خزي يستحقه !
بعد أن سحبت مصر – الانقلاب - مشروع قرار قدمته إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان الصهيوني في... اقرأ المزيد
603
| 29 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
4929
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2628
| 08 سبتمبر 2026