رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نحن مدينون باعتذار إلى الشعب السوري، الذي يذبح تحت أعيننا كل يوم منذ أحد عشر شهرا، في حين خذلته الشعوب العربية ووقفت منه موقف المتفرج. كأنما صار «قلب العروبة» محاطا بعرب بلا قلب.
ــ 1 ــ
من الجمعة 3 فبراير إلى الجمعة التالية 10 منه تم (قتل 755 سوريا. ومنذ بداية الانتفاضة الأسطورية في منتصف مارس الماضي قتل النظام القائم حتى الآن نحو 8 آلاف شخص واختفى عشرة آلاف وامتلأت السجون بعدد لا يحصى من المواطنين، وكانت الجريمة الوحيدة التي ارتكبها كل هؤلاء أنهم تمنوا أن يسترد بلدهم كرامته وحريته، بعد نحو 45 عاما من الاستبداد والقهر. حتى أننا طوال الأشهر التي خلت أصبحنا لا نرى في سوريا سوى أنها بلد غارق في دم أبنائه. شوارعها لا تسير فيها سوى جنازات الضحايا ومدرعات القتلة. ومدنها موعودة بالخراب والدمار كلما ارتفع فيها صوت يطالب بالحرية. بل إننا ما عدنا نسمع سوى أزيز الصواريخ والقاذفات واستغاثات المحاصرين المطالبين بوقف المجازر، وهتافات المصرِّين على إسقاط النظام، والداعين إلى أي تدخل عربي أو دولي يكبح جماح غارات التتار الجدد.
ــ 2 ــ
هذه الجريمة المستمرة منذ أحد عشر شهرا لم تحرك شيئا في العالم العربي، الذي اكتفت أغلبيته بمتابعة ما يجري عبر شاشات التلفزيون، تماما كما يحدث مع أي مسلسل تركي!
من المفارقات أن العالمين العربي والإسلامي اهتز وانتفض حين ظهر كتاب «الآيات الشيطانية» وحين نشرت إحدى الصحف الدنماركية رسوما مسيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، لكنها لم تكترث بالمذبحة المستمرة التي يتعرض لها الشعب السوري. وإذ أفهم مشروعية الغضب للمقدسات الدينية إلا أنني أستغرب ذلك التقاعس عن التعبير عن الغضب دفاعا عن كرامة المسلمين وعزتهم. الأمر الذي يكشف في جانب منه عن مدى الخلل في المفاهيم السائدة التي تفصل بين عقيدة الإنسان وكرامته، وتقصر الغيرة والحمية على الأولى دون الثانية. علما بأن للعقائد ربا يحميها، أما انتهاك حرمات الناس واستباحة كراماتهم فهو يمثل عدوانا على حق من حقوق الله، يستوجب الاستنكار والاستنفار ويستدعي الاحتشاد والخروج للضرب على يد الظالم.
إذا قال قائل إن الجامعة العربية قدمت مبادرات وأوفدت مراقبين وذهبت إلى مجلس الأمن لتستقوي به في مواجهة نظام دمشق، فلن اختلف معه. لكني أقول فقط إن الجامعة تمثل الحكومات ولا تمثل الشعوب، ثم إن المراقبين ذهبوا حقا وعادوا ولم يفعلوا شيئا غيَّر من المعادلة، وإنما استثمر النظام مهمتهم لكسب الوقت بهدف الانتهاء من قمع المظاهرات. أما اللجوء إلى مجلس الأمن فقد أجهضه الفيتو الروسي والصيني. ولم يعد أمامنا من مبادرات حل الإشكال على الصعيد الدولي سوى مؤتمر أصدقاء سوريا الذي دعت إليه فرنسا، والمؤتمر الدولي الموازي الذي دعت إليه تركيا. إلا أن أهم تطور رسمي حدث على الصعيد العربي تمثل في سحب بعثة المراقبين، وطرد سفراء سوريا لدى تونس ودول مجلس التعاون الخليجي، واعتراف ليبيا بالمجلس الوطني الذي يمثل الثورة السورية.
ــ 3 ــ
في الحالة الليبية كان واضحا أن سقوط القذافي مسألة وقعت بسبب تدخل حلف الناتو. وهو ما تكرر في اليمن منذ أطلقت المبادرة الخليجية بتأييد غربي واضح. إذ لم يكن أمام الرئيس علي عبدالله صالح إلا أن يغادر في نهاية المطاف. أما في الحالة السورية فالأمر أكثر تعقيدا، إزاء استحالة التدخل الدولي، واستحالة المصالحة بين المجتمع والنظام بعد كل الدم الذي أريق، واستعصاء الحسم الداخلي عسكريا، وهشاشة الضغوط العربية، الأمر الذي يعني ثلاثة أمور أولها أن النظام السوري المتماسك بصورة نسبية حتى الآن لا يزال قادرا على الاستمرار ما لم تحدث مفاجأة غير متوقعة. الأمر الثاني أنه في ظل الخرائط العربية الراهنة والأوضاع الدولية القائمة يبدو أنه كتب على الشعب السوري أن يخوض معركته وحيدا. الأمر الثالث ترتب على سابقه، وهو أن المعركة ستطول وأن معاناة الشعب سوف تستمر وسوف تتزايد معها فاتورة التضحيات والآلام.
مستقويا بعوامل وأوراق الداخل، وبالدعم الإقليمي والمساندة الخارجية، فإن النظام السوري وجد نفسه مطمئنا إلى الاستفراد بالشعب السوري، وغير مستعد للتراجع خطوة إلى الوراء. بالتالي فكل ما يطلقه من شعارات تحدثت عن التغيير والحوار الوطني والإصلاح السياسي ما عاد لها معنى، ولم تعد تؤخذ على محمل الجد. وبات واضحا للجميع أنها من ذرائع المراوغة وكسب الوقت.
يراهن النظام السوري في الداخل على القبضة الأمنية القوية، وعلى مساندة قطاع عريض من الطائفة العلوية، التي يلوح بها كفزاعة لا تخوف فقط من احتمالات الحرب الأهلية، ولكنها فزاعة أيضا لإزعاج الجارة تركيا التي يزيد فيها عدد العلويين على عشرة ملايين نسمة. وبالمناسبة فإن النظام السوري يستخدم ورقة الأقليات العرقية والدينية ليس فقط للتخويف من بدائله، ولكن أيضا لتحدي الجيران وترهيبهم. ففي مواجهة الضغوط التركية مثلا فإنه لا يستخدم الورقة العلوية فقط وإنما يلوح أيضا بتوظيف الورقة الكردية. إذ رغم أن أكراد سوريا في حدود 200 ألف نسمة أغلبهم في محافظة القامشلي، فإنهم في شمال تركيا أكثر من 12 مليونا واشتباكاتهم مع أنقرة لها تاريخ طويل.
يستقوي النظام أيضا بالتأييد الإيراني واسع النطاق الذي استصحب تأييدا عراقيا ودعما من حزب الله في لبنان. ومعلوم أن ثمة تحالفا استراتيجيا بين سوريا وإيران، راهنت فيه طهران على نظام الأسد وليس على الشعب السوري، وهذا التحالف يؤمن البلدين بدرجة أو أخرى في مواجهة التهديد الإسرائيلي، لكن له دوافعه المذهبية أيضا. إذ من شأنه أن يعزز موقف الطائفة العلوية الأقرب إلى الشيعة في سوريا، كما يعزز موقف حزب الله في لبنان. في حين أن تغيير النظام في دمشق لا يقلب هذه المعادلة لصالح السنة في سوريا فحسب، ولكنه يهدد بتغيير الوضع في العراق، من حيث إنه يقوي ساعد أهل السنة هناك في مواجهة الأحزاب الشيعية المهيمنة والموالية لإيران.
الخلاصة أن النظام السوري في مقاومته لأي تغيير سياسي يستقوي بعدة أوراق في يده.
ويخوِّف من قلب المعادلات الإقليمية، كأنما يبعث إلى الجميع برسالة تقول إنه إذا كان سيئا فالذي سيترتب على رحيله أسوأ.
في الساحة الدولية يراهن النظام السوري على مساندة روسيا والصين. وهو ما تجلى في الفيتو الذي استخدماه في مجلس الأمن للحيلولة دون معاقبته. يدفع البلدين إلى الموقف الذي اتخذاه أنهما ضد تمدد النفوذ الأمريكي في المنطقة. وقد أعلنا صراحة أن الدول الغربية «خدعتهما» حين لم يعارضا فرض الحظر الجوي على ليبيا. إذ بعد أن فعلا ذلك أطلقت يد حلف الناتو في العمليات العسكرية، وتم تجاهل روسيا والصين. وهما لا يريدان تكرار هذا المشهد مرة ثانية، إضافة إلى ذلك فلروسيا علاقات خاصة مع دمشق، إذ لها قاعدة خدمات بحرية في ميناء طرطوس ثم إن كل السلاح السوري يتم شراؤه من موسكو، أما الصين فلديها حساسية من تأييد أي تحول ديمقراطي عبر مجلس الأمن ولا تريد للمجلس أن يتدخل في الشأن الداخلي لأي بلد، لأن ذلك يمكن أن يرتد على بكين ويستدعي ملفات داخلية كثيرة تسبب إحراجا لها.
ــ4ــ
الغائب عن المشهد حتى الآن هو ضغط الشعوب العربية، خصوصا دولة مثل مصر، التي يفترض فيها الريادة ويتعامل معها الجميع باعتبارها «الشقيقة الكبرى»، الأمر الذي يستدعي السؤال التالي: لماذا لم يحرك شلال الدم المتدفق في سوريا شيئا يذكر في الشارع العربي عامة والمصري خاصة؟ ــ هناك عدة عوامل أسهمت في ذلك الغياب منها ما يلي:
ــ إن مصر منذ وقعت معاهدة السلام مع إسرائيل في عام 1979 استقالت عمليا من موقع الريادة، ودخلت في طور الغيبوبة الكبرى التي لا تزال مستمرة حتى الآن. وفي غيبوبتها تلك فإنها لم تنكفئ على ذاتها فحسب، ولكنها التحقت بما سمي معسكر «الاعتدال» الذي أصبح من الناحية العملية يدور في فلك السياسة الأمريكية. وحين حدث ذلك من جانب «الشقيقة الكبرى» فلك أن تتصور صداه في أرجاء البيت العربي.
ــ إن أجواء الربيع العربي أغرقت عدة أقطار في شأنها الداخلي لأن سقوط الأنظمة تطلب جهدا كبيرا لتأسيس الأنظمة الجديدة، الأمر الذي صرف الانتباه عن أمور أخرى مهمة حاصلة في الساحة العربية.
ــ إن بعض النخب يحفظون للنظام السوري وقفته إلى جانب المقاومة الفلسطينية، ويرون في تلك الوقفة حسنة تغفر له الكثير من سيئاته، في حين أن لديهم شكوكا في بعض عناصر معارضة النظام.
ــ إن الملف السوري أشد تعقيدا مما يتصوره كثيرون. إذ لا خلاف على أن النظام القائم في دمشق يهيمن عليه حفنة من الأشرار، إلا أن القوى الخارجية التي تسعى لإسقاطه يحركها طابور طويل من الأشرار أيضا. الأمر الذي حيَّر كثيرين ممن صاروا يفاضلون بين الشيطان الذي يعرفونه والشيطان الذي لا يعرفونه.
ــ إن تدويل القضية أصبح مثيرا للشك والريبة، بعد تجربة حلف الناتو في ليبيا. علما بأن الوضع الذي نحن بصدده الآن أصعب، لأن ليبيا وراءها الثروة النفطية فقط، أما سوريا فوراءها خريطة جديدة للمشرق، وربما للشرق الأوسط، إذا وضعنا في الاعتبار تأثير سقوط النظام السوري على إيران وتركيا.
ما العمل إذن؟ ــ ردي أننا ينبغي أن نصيح بأعلى صوت قائلين: لا لاستمرار المذبحة ولا لتدخل حلف الناتو. وفي هذا الصدد لا مفر من الاعتراف بأن انهيار النظام العربي يحول بيننا وبين أن نتوقع حلا عربيا يضغط لكي يوقف المذبحة ويسلم السلطة للعناصر الوطنية السورية.
ويبدو أنه لم يعد أمامنا سوى أن نراهن على الشعوب العربية التي صحت أخيرا، وعلا صوتها الذي حجبته الأنظمة الاستبدادية، وقد سمعنا مؤخرا صوت تلك الشعوب في مظاهرات تونس وليبيا وموريتانيا. وإلى أن نسمع صوت بقية الشعوب العربية وفي مقدمتها شعب مصر، فإننا لابد أن نقدم اعتذارا للشعب السوري عن خذلاننا له وتقاعسنا في إعلان التضامن معه، وإذا لم يسامحونا ولم يقبلوا اعتذارنا فهم معذورون. لست مخولا من أحد في تقديم اعتذار، لكني أقدمه نيابة عن نفسي مستشعرا درجة عالية من الحزن والخزي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8886
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4776
| 22 سبتمبر 2026
بين تعميمين أسبوع واحد. في الثالث من سبتمبر 2026 عمّمت إدارة شؤون المدارس والطلبة بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي حظر استخدام العقاب مع الطلبة بكل أشكاله: البدني واللفظي والنفسي، وكل ممارسة تُسيء إلى الطالب أو تؤثر سلبًا في سلامته وتكيفه مع البيئة المدرسية. وفي العاشر منه دشنت الوزارة سياسة إدارة سلوك الطلبة بالمدارس ورياض الأطفال الحكومية ودليلها التنظيمي. الخطوتان صحيحتان، والأسبوع الفاصل بينهما هو المشكلة: كان كافيًا ليستقر في الأذهان أن الحظر جاء بلا بديل، فامتلأ النقاش العام بعبارة «من أمن العقوبة أساء الأدب» قبل أن يصل خبر البديل. والحظر ليس مستجدًّا حتى يُفهَم هكذا. قرار وزير التربية والتعليم رقم (3) لسنة 1993 يمنع العقاب البدني، والقرار رقم (57) لسنة 2001 يحظر أي شكل من أشكال العنف ضد الأطفال والطلبة، وقد ذكرت الوزارة بهما في تعميم سابق عام 2024. أي أن عمر الحظر ثلاثة عقود، وأن الجديد في سبتمبر هو البديل لا المنع. لكن البديل، كما أُعلن، يرتب سلوك الطالب ولا يُعلن ما يقابله: الإجراء الذي يحمي المعلم حين تُرفع في حقه شكوى غير صحيحة. وهذه بعينها الثغرة التي دفعت كوريا الجنوبية ثمنها. حظرت العقاب البدني المباشر في مدارسها في مارس 2011 بتعديل اللائحة التنفيذية لقانون التعليم الابتدائي والثانوي، وتركت المعلم وحده أمام الشكوى. وبعد اثنتي عشرة سنة، وعقب احتجاجات واسعة للمعلمين في صيف 2023، أقرّ البرلمان في 21 سبتمبر 2023 أربعة تعديلات عُرفت بقوانين استعادة حقوق المعلم: تشدد معايير مساءلته بتهمة إيذاء الطفل، وتمنع إيقافه تلقائيًّا عند مجرد الاتهام، وتمنع مدير المدرسة من التهوين أو الإخفاء. وكانت الكلفة قد ظهرت في الأرقام قبل ذلك: 1133 معلمًا تعرضوا لمضايقات من هذا النوع بين 2018 و2022، و589 معلمًا خدمتهم أقل من خمس سنوات تركوا المهنة في عام واحد مقابل 303 في العام السابق. ثم ألغى مجلس سول لائحة حقوق الطلاب بعد اثنتي عشرة سنة من سنّها، لأنها أُخذت على إغفالها المعلم. والمسألة عندنا مقاسة لا متوهَّمة. في تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن نتائج قطر في برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA) لعام 2022، أفاد نحو 26% من الطلبة بأنهم لا يستطيعون العمل جيدًا في معظم الحصص أو كلها، و33% بأنّ الطلبة لا يستمعون إلى ما يقوله المعلم. فالمعلم يواجه مشكلة ضبط حقيقية، وحين يُسحب منه أسلوبٌ قديم ولا يُسلَّم إجراءً مضمونًا، فأقصر الطرق أمامه أن ينسحب من التدخل أصلًا: لا يُقوّم ولا يوثق ولا يبلّغ. وهذا الانسحاب أضرّ من العقاب، لأنه لا يُرى ولا يُحصى. وقد تردد في الأيام الماضية على ألسنة المعلمين والمعلمات ومديري المدارس قلق من تلاشي صورة المعلم المهيب، وأن يحل محلها موظف يؤدي ولا يربي. والخاسر الأكبر في هذه المبادلة هو التعليم نفسه. والمطلوب أن يُستكمل الدليل التنظيمي بطرفه الثاني، في ثلاث خطوات متسلسلة: أن تُنقل الشكوى من عاتق المعلم إلى فريق مدرسي مختص يتلقاها ويحقق فيها، فلا يبقى المعلّم خصمًا وشاهدًا في الوقت نفسه. وأن يُنص صريحًا على أن التوجيه التربوي المنضبط الموصوف في السياسة نفسها ليس إساءةً بحكم التعريف، وأن الاتهام وحده لا يترتب عليه إجراء في حق المعلم قبل التحقيق. وأن يُدرب الأخصائيون النفسيون والاجتماعيون على تشغيل السياسة لا على تلقّي نصها، فهم من ستُحال إليهم الحالات. وهذه الخطوات مجتمعةً تُقيم التوازن في الإجراءات والتوجيهات الإدارية، فلا تُكتب لطرف على حساب طرف. ويبقى أن تُفتح هذه الزاوية الحساسة على الشفافية. فعدد حالات السلوك المسجلة، ومتوسط زمن معالجتها، وعدد الشكاوى المرفوعة على المعلمين وما ثبت منها، مؤشرات ثلاثة إن أُعلنت سنويًّا قومت المسار وحفظته. فما لا يُقاس لا يُدار. أسبوع واحد فصل بين المنع والبديل، ولو صدرا معًا لاستُغني عن هذا كله. والأصل أن يخرج الحظر وطرفه المقابل في وثيقة واحدة، يستقيم بها التوازن في المحيط المدرسي فلا يطغى طرف على طرف. فحماية الطالب وحماية المعلم ليستا خطوتين متعاقبتين، بل وجهان لإجراء واحد.
3312
| 16 سبتمبر 2026