رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شاء قدر الله – تعالى – إكراما لأهل الحق وشداة العدل والحرية في أرض الكنانة وأم الدنيا مصر المحروسة أن تفتح أبواب الفرح والفرج كبداية للدخول في حديقة السعادة والسرور والتخلص من مستنقع الكآبة والشقاء والحزن والشدة، وكان من كمال إعجاز القدر أن يتم كل ذلك بعد بذل الأسباب الموجبة من الجهاد المدني الذي مارسه الثوار على أعلى مستوى حضاري وذلك بفترة وجيزة جدا هي ثمانية عشر يوما لتقتلع ثلاثين عاما من الطغيان والقهر والاستبداد، وأسفر الصبح بعد هذا الليل العاتي البهيم وحق لأهل مصر والعرب والمسلمين والناس في العالم أجمع أن يفخروا ببهجة هذا اليوم البسيم الذي نتمنى أن يذهب معه البؤس الذي كان سيد الموقف في البلاد إلى غير رجعة ولا غرو ونحن ننطلق من نظرة إسلامية في التحليل أن نجد أنه من الواجب علينا أن نذكر بأن السنن الإلهية تقتضي هذا التبديل بالنسبة للسياسة والساسة في تعاطيهم مع الرعية عدلا أو ظلما حتى في نطقهم وكلامهم معهم وكما يقال: فكلمات الساسة حساسة وقد بدا لنا ذلك من خطابات مبارك المخلوع وكيف ألهبت الجماهير غضبا عليه بدل أن تهدئهم وترضيهم حتى لكأنه مصري ولكنه لا يعرف طبيعة المصريين أو يتغابى بل يتعالى عليهم.
ولا يعرف الدهاء السياسي الذي يفضل أربابه أن يبقوا دوما مع شعرة معاوية رضي الله عنه ليلا ينفرط العقد بين الراعي والرعية ونحن عندما نقرأ في كتاب تهذيب الرياسة وترتيب السياسة مثلا للإمام محمد بن علي القلعي "ت 630 هـ من ص 94" عندما يؤكد أن نظام الدين والدنيا مقصود ولا يحصل إلا بإمام عادل يكون ظل الله المدود في الأرض يأوي إليه كل مظلوم كما قال عثمان رضي الله عنه "إن الله ليزع أي يردع ويمنع بالسلطان مالا يزع بالقرآن" قال القلعي: والسلطان العادل بمثابة السواد من العين بل بمنزلة السويداء من القلب وهو الأمين على الرعية فإن أدى الأمانة أدوها وإن رتع رتعوا كما قال عمر رضي الله عنه وذلك بعكس الإمام الخائن الجائر وقد دعا رسول الله كما في صحيح مسلم "6/7" للعادل ودعا على الظالم (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن رفق بهم فارفق به) ولعل ما فعله مبارك مع شعبه بل والعرب في التفريط والظلم والانحياز للأعداء على حساب ثوابت الأمة، خاصة القضية الفلسطينية وبالأخص حصار غزة يدل قطعا على أنه قد أشقى نفسه وشعبه وإن ظن أنه سعيد ثري زعيم محارب وطني صادق بل رئيس حزبه الوطني الحاكم الظالم وهنا أتذكر قول علي رضي الله عنه.
من حكم ولم يفرط في الأمر عاش سعيدا وأتذكر قول سقراط: أعمل لسعادتي، إذا عملت لسعادة الآخرين لأنه بذلك يريح ضميره ولا سعادة تعادل راحة الضمير كما قال ابن باجة وكأني بطل مواطن مصري يقول ما قاله المفكر عباس محمود العقاد: أعطني بيتا سعيدا وخذ وطنا سعيدا فماذا أعطى مبارك شعبه غير الضياع والجوع ولنسأل الوطن!
أفنعجب بعد ذلك أن يذله الله على رؤوس الأشهاد في مصر والعالم وإن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسقط بسقوطه نظامه الذي ظهر أنه أوهى من خيوط العنكبوت بعد هبة الشعب وثورة الأحرار، فأين الحراس وأين الأمن والتأييد الدائم الذي ادعوه حتى قدم مبارك تنازلات لم تكن متوقعة كاعتزامه عدم الترشح للرئاسة ثم تعديل بعض مواد الدستور وعدم التوريث لابنه جمال ثم تنازل أكثر ثم عاند وعزم ألا يتنحى مقدما تنازلات أكبر ليحل الأزمة مؤكدا أنه سيحيا ويموت في مصر، ولكن هيهات هيهات أمام زئير الأسود الذين كان أول مطالبهم تنحية وكانت جمعة الزحف بصلاتها ودعائها وتحديها، فإذا به يجمع حقائبه وأسرته ويمم شرم الشيخ منعزلا منهزما ثم لا يجد بدا من تجرع كأس الذل فيتنحى صاغرا مقهورا مع نائبه المعروف بمواقفه المرذولة الأمر الذي كان يستبعده العديد من المحللين وبعض حكام العرب الذين آزروه وهددوا حتى أمريكا كما يقولون ألا تسقطه ولا تهينه وأنها إن قطعت المساعدات عن مصر فإنهم سيعوضونها أي لأجل مبارك، ولكن الله غالب على أمره وهو الذي جعلهم يصرحون الآن بأنهم مع خيار الشعب وذلك بعد أن ضل سعيهم وخاب فألهم في حين كان الغربيون وكبار ساستهم وعلى طليعتهم الأمريكان وبعض البريطانيين كانوا يتوقعون ذلك بل قال الكاتب البريطاني جون برادلي كما ذكرت جريدة الشرق الأوسط الأحد أمس عدد "11765" أنه تنبأ بسقوط مبارك قبل ثلاث سنوات وبقيام ثورة شعبية نتيجة الظلم الهائل في مصر وكان يسخر منه الصحفيون الغربيون في تكهنه بعد نشره كتابا بعنوان (داخل مصر أرض الفراعنة على شفا ثورة) أي بسبب الأوضاع السياسية والاقتصادية على مدى 30 عاما أقول: ومن تابع مواقف الساسة الأمريكان الذين حرصوا على وضع مصر من قبل ومن بعد وكشفوا الساعات الحاسمة قبل تنحي مبارك يدرك عمق تحليل برادلي ودقته، لقد استطاع أسود ثورة مصر أن يغيروا المعادلة تماما من خلال صراعهم السلمي الحضاري حتى مع البلطجية الذين زحفوا عليهم بخيلهم ورجلهم في ميدان التحرير وآثروا إراقة دمائهم شهداء وجرحى من أجل الله والوطن فتمكنوا بذلك أن يكنسوا الذل والاستكانة حيث أراد مبارك وأن يلبسوا الأمة المصرية بل العربية ويتوجوها بالفخر والعز والصمود فطوبى لهم من رجال ونساء رقوا هامات الشرف والبطولة والمجد.
لقد حق لهذا الشعب الذي برهن أنه لا صوت فوق صوته أن يفرح مبدئياً منتظرا كمال هذه الفرحة حين تتحقق جميع مطالبه من رفع حالة الطوارئ وتحقيق مبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية والإفراج عن معتقلي الرأي السابقين واللاحقين من أبطال الثورة وأن يعرف الجدول الزمني من قبل القيادة العليا للقوات المسلحة لتلبية بقية المطالب مثمنين تعليق الدستور وحل مجلسي الشعب والشورى ولكن لابد من التعامل المطمئن للجيش تجاه مطالب الشباب الذين لهم الفضل لأنهم المبتدي بذلك حتى وإن أحسن المقتدي بعد ذلك، كما أنه لم يكن من المناسب من بعض قوات الجيش الضرب والاعتداء لبعض المتظاهرين أمس في الميدان لإخراجهم جبرا بل يجب أن توجه هذه المواجهة للذين تسببوا بظلم الشعب في مصر ولأعداء الأمة من صهاينة ومتآمرين غربيين آخرين بأن وجههم الأسود وأنهم لا يهتمون إلا بمصالحهم في الأغلب مهما نادوا بالديمقراطية ولا أدل على ذلك من تناقض تصريحاتهم حيال الثورة، كما أشرنا في مقال الأسبوع الماضي، إن الفرح الذي يعني انشراح الصدر والفرج الذي يعني انكشاف الغم على ما حدده الراغب في المفردات "ص 628" لن يكتمل حقا حتى تتحرر ذات مصر والأمة العربية من كل من قتلوا الشهداء أو شاركوا في تعزيز مبارك حتى الحكومة الحالية فما هي إلا من تعيينه والإعلاميين الحزبيين الداعمين والذين أخذوا الآن يؤيدون القوات المسلحة وثورة مصر وما حالنا وحالهم إلا كما قال المتنبي:
إذا اشتبكت دموع في خدود
تبين من بكى ممن تباكى
يحق لثوار مصر أن يفرحوا وإن لم تنجز ثورتهم كامل أهدافها ولكنه فرح الخطوة خطوة ولابد لمجلس الشباب الثوري من الحفاظ على الثورة من لصوص وسراق الثورات من أبناء الجلدة ولكن لن تكون فرحتنا حقيقية ما لم يقل الشعب كلمته الفاصلة مستقبلا في شأن السلام مع الصهاينة لا طمأنتهم كما جرى بين المشير طنطاوي ونتنياهو هاتفيا كما لابد من محاسبة السابقين ومحاكمتهم ثأرا للشهداء وإنصافا للشعب وليعلم الجميع أنه لابد من نصر مصر بالحق إذ من صارع الحق صرعه كما قال علي رضي الله عنه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
17592
| 16 يونيو 2026
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
8184
| 14 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4422
| 15 يونيو 2026