رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

جاسم شهبيك

- باحث اقتصادي

مساحة إعلانية

مقالات

372

جاسم شهبيك

العقارات الرمادية وآثارها الاقتصادية والاجتماعية

14 يناير 2026 , 12:00ص

تواجه دولة قطر منذ عدة سنوات ظاهرة متنامية في سوق العقارات السكنية، تمثلت في تقسيم الفلل وتأجيرها كوحدات متعددة بشكل غير مرخّص. هذه الممارسة، التي بدأت استجابة لضغط الطلب على السكن المتوسط والمنخفض التكلفة، تحولت تدريجياً إلى ما يشبه السوق الرمادية الموازية للسوق الرسمية، لتكشف عن اختلال هيكلي في توزيع العرض السكني، وتأثيرات اقتصادية واجتماعية تتعدى حدود العقار لتشمل كفاءة استخدام الموارد العامة والنسيج الاجتماعي بشكل مباشر.

اقتصادياً، تقوم الفلل المقسمة على تعظيم العائد من الأصل العقاري الواحد دون أي استثمارات إضافية في البنية التحتية، فالفيلات المصممة عادة لعائلة واحدة تتحول إلى وحدات متعددة تُؤجّر لأفراد وعائلات مختلفة، غالباً من جنسيات متعددة، ما يرفع العائد الشهري للمالك مقارنة بالإيجار التقليدي. هذا النموذج يوفر حلاً مؤقتاً للفئات الباحثة عن سكن منخفض التكلفة، لكنه في الوقت ذاته ينتج عرضاً غير منظم لا يعكس التكلفة الحقيقية للسكن، ولا يلتزم بمعايير السلامة أو الالتزامات الهندسية، ما يؤدي إلى تشويه السوق وتشجيع توسع السوق الرمادية على حساب المشاريع النظامية.

المشكلة الأوسع تكمن في أن هذا النوع من العرض ينافس السوق الرسمية بشروط غير متكافئة. فالمشاريع السكنية النظامية تتحمل تكاليف الأراضي والتراخيص والمعايير الهندسية والتزام خدمات البنية التحتية والصيانة، بينما لا يتحمل مالك الفيلا المقسمة أياً من هذه الالتزامات، ما يؤدي إلى تشويه الأسعار وتقليل حوافز الاستثمار في الإسكان المتوسط والميسر. مع مرور الوقت، تفقد السوق النظامية جزءاً كبيراً من الطلب الفعلي من الفئات التي تبحث عن سكن متوسط، بينما تتوسع السوق الرمادية على حساب الاستدامة الاقتصادية.

تتجاوز آثار تقسيم الفلل الجانب الاقتصادي لتطول الجانب الاجتماعي والمجتمعي. فالمناطق المصممة لاستيعاب عدد محدود من الأسر تتحول تدريجياً إلى أحياء عالية الكثافة تضم أفراداً وعائلات متعددة الجنسيات، مع اختلاف أنماط الحياة والاستخدام المكثف للمرافق المشتركة، مما يضعف الروابط المجتمعية ويقلل شعور الانتماء للفرجان، ويخلق بيئة قد تتسم بالتوتر الصامت. وتزداد حساسية هذه الظاهرة في المناطق الجديدة المخصصة لكبار الموظفين، والتي أنشئت ضمن برامج إسكانية حكومية لدعم الاستقرار الأسري وجودة الحياة. وجود فلل مقسمة في هذه المناطق يمثل تحدياً مزدوجاً: فهو يهدد الهدف الاجتماعي من المنح السكنية ويحوّل الأصل السكني إلى مصدر ريع مؤقت بدل أن يكون أداة استقرار مجتمعي طويل الأجل.

ويزداد تعقيد الوضع مع الاستخدام غير المنضبط للخدمات العامة المدعومة. ففي بعض الفلل المقسمة يتم تأجير الوحدات دون تحميل المستأجرين أي تكلفة للكهرباء أو المياه أو الصرف الصحي، كون هذه الخدمات مدعومة أصلاً للمواطنين. هذا الاستهلاك المضاعف يرفع الحمل على شبكات البنية التحتية، ويزيد تكاليف التشغيل والصيانة، ويمثل تسرباً مالياً واضحاً من الدعم الحكومي الذي كان من المفترض أن يخدم الفئات المستحقة، كما يمنح هذا الوضع مالكي الفلل المقسمة ميزة تنافسية غير عادلة مقارنة بالمشاريع النظامية، ويعمّق من توسع السوق الرمادية.

ولا يكفي التركيز على الجانب السعري فقط، بل يجب أن يشمل الحل توفير بدائل سكنية منظمة ومخططة، وهو دور يمكن أن تلعبه المؤسسات الحكومية وأذرعها الاستثمارية بالتعاون مع القطاع الخاص، من خلال تطوير مشاريع سكنية ميسرة في مناطق محددة، مصممة لاستيعاب كثافة أكبر، مع بنية تحتية ملائمة وخدمات مكتملة، وبأسعار تنافسية. هذا التوجه يعيد توجيه الطلب بعيداً عن السوق الرمادية، ويخفف الضغط على الأحياء العائلية، ويحافظ على كفاءة استخدام الموارد العامة، كما يتيح فرصاً استثمارية للقطاع الخاص ضمن إطار قانوني ونظامي، ويحول التدخل الحكومي من معالجة جزئية للنتائج إلى إصلاح هيكلي للسوق العقارية يوازن بين الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية ويحافظ على هوية الأحياء السكنية.

ويتوافق هذا الحل بشكل مباشر مع أهداف رؤية قطر الوطنية 2030، إذ يحقق توازناً بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية والحضرية: فهو يعزز كفاءة السوق العقارية ويشجع الاستثمار النظامي، ويدعم الاستقرار الأسري ويحافظ على هوية الأحياء، ويوجه النمو السكاني نحو مناطق مخططة، ويضمن استخداماً مستداماً للبنية التحتية والخدمات العامة، ما يترجم رؤية الدولة في بناء مجتمع متماسك واقتصاد مستدام وتنمية حضرية متوازنة تخدم الإنسان قبل الأصل العقاري.

في النهاية، إن استمرار ظاهرة تقسيم الفلل دون معالجة هيكلية يعيد تشكيل المجتمع الحضري بشكل غير مخطط، ويضع الدولة تحت ضغط مالي خفي نتيجة استهلاك الخدمات، ويشوه حوافز الاستثمار في الإسكان المتوسط، بينما يمكن بتدخل حكومي واستثماري استراتيجي، بالتعاون مع القطاع الخاص، وبتطبيق سياسة سعرية تنافسية أقل من المشاريع الحالية إعادة التوازن للسوق العقارية وتحقيق استقرار اقتصادي واجتماعي حقيقي، بحيث يصبح السكن الميسر خياراً أول للفئات الأكثر حاجة، ويحد من توسع السوق الرمادية، ويضمن أن تلعب المشاريع النظامية دورها في تلبية الطلب بشكل مستدام ومنظم.

اقرأ المزيد

alsharq هل ينجح أعداء أمتنا في تقسيم دولنا؟

نعيش جميعا منعرجا تاريخيا يتمثل لدينا فيما نراه يوميا من تقسيم دولنا أعراقا وقبائل وفرقا وهو ما يسعى... اقرأ المزيد

27

| 16 يناير 2026

alsharq السيكودراما وذوو الإعاقة

السيكودراما (Psychodrama) هي طريقة علاجية جماعية تعتمد على التمثيل الإيجابي والتجسيد الدورى للمشاهد الداخلية والعلاقات بين الناس. اخترعها... اقرأ المزيد

12

| 16 يناير 2026

alsharq خطورة التربية غير الصحية

هناك فرق كبير بين التركيز على الجهد وليس النتيجة في التربية وتلبية الاحتياجات الأساسية وليس كل الرغبات والرفاهيات... اقرأ المزيد

15

| 16 يناير 2026

مساحة إعلانية