رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كثيرا ما تهزم الممارسات الفعلية على أرض الواقع الأطر التنظيرية، وهذا ما نلمسه على سبيل المثال في تطبيقات وممارسات الإعلام الغربي. حيث يمكن ملاحظة أن التصنيفات المعيارية المختلفة للنظم الإعلامية تتخذ من النموذج الغربي لاسيما الأمريكي معياراً للمقارنة، حيث يعتبر النظام الإعلامي الليبرالي وتطويره في إطار المسؤولية الاجتماعية، نظاما يفترض أن يوفر للفرد والمجتمع الحرية والديمقراطية في كل المجالات الممارسة. وتهدف النمذجة هنا لفرض فهم أو انطباع إيجابي عن الإعلام الغربي، تعضده حالة ذات تأثير مزدوج؛ فالآخر (الغرب) تدفعه وتؤزه نظرة استعلائية، بينما (الشرق) المستهدف بالنمذجة يمسك بتلابيبه شعور الدونية.
ويبدو أن مفهوم الحرية والديمقراطية في النظم الإعلامية المختلفة ذو طابع جدلي نتيجة للتفسيرات المختلفة له، واختلاف السياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يعمل في إطارها. وفي نظام السوق – كما في الغرب – يصعب على وسائل الإعلام ممارسة دورها المتوقع أو المثالي في دعم الديمقراطية والحرية والدفاع عن الصالح العام والرقابة على السلطة والأجهزة البيروقراطية. ومن وظائف الاتصال عموما والإعلام تحديدا، التوجيه، والتثقيف، والترفيه، والتعارف الاجتماعي. ويهدف نموذج الإعلام الغربي بهذا التوجيه إلى تكوين اتجاهات فكرية في المجتمعات المستهدفة محققة لأهدافه ومصالحه في السيطرة العسكرية والاقتصادية وجعل تلك المجتمعات مجرد أسواق وحدائق خلفية.
النمذجة المفروضة غربيا على الدول المستضعفة مُستلهمة من الأطر النظرية الحالمة وليس من واقع الممارسة المأزومة بالاستعلاء، باعتبار الوظائف الثلاث للإعلام التي تندرج في إطار: ابتداءً الوظيفة الإعلامية والتي يمكن إيجازها في تقديم المعلومات إلى الأفراد وإقناعهم بها والتأثير في سلوكهم. أما الوظيفة الثانية فهي الوظيفة الحضارية التي تُعنى ببلورة الطابع القومي داخل الدولة الواحدة، وخلق الشعور بالانتماء لقومية معينة على المستوى الإقليمي. أما الوظيفة الثالثة فهي الوظيفة السياسية التي تساند السياسة الخارجية للدولة. مع العلم أن هناك خصوصية لاستخدامات الإعلام في الدول النامية، تتمثل في غرس الشعور بالانتماء إلى أمة أو وطن واحد، كما تعمل على تعليم الشعب مهارات جديدة، ومن هذه الاستخدامات أيضا غرس الرغبة في التغيير وزيادة آمال وطموحات المجتمع بحيث ترغب في اقتصاد متطور ومجتمع متحضر منعتق من سيطرة الآخر، فضلاً عن تشجيع الأفراد على المساهمة ونقل صوتها إلى السلطات السّياسية. وتحتاج المؤسسات السّياسية هنا إلى الخطاب الإعلامي لإنجاز خمس وظائف أساسية: التوحيد، وإضفاء الشرعية، التوجيه، حل الصراعات، وتنفيذ السياسات. فالخطاب الإعلامي إذا كان متسقاً مع المبادئ والأهداف يمكن أن يُساعد على توحيد الرؤى وبلورة الرأي العام حول قضية ما. ويمكن أن يساهم بعقلانية الطرح في إزالة التوتر وحل الصراعات، كما يمكن أن يمهد لتنفيذ السياسات.
إن الاتصال سمة ملازمة للمجتمعات البشرية منذ الأزل، باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية للإنسان الذي يوصف بأنه كائن اتصالي؛ ولا تقوم للمجتمع الإنساني قائمة دون نظام للاتصال الذي اعتُبر شرطا من شروط بقاء المجتمع البشري. والاتصال مفردة تعني نقل المفاهيم بقصد الإقناع وهي عملية أساسها خلق الترابط في الحركة. كما تشير إلى مشاركة في الأفكار والمعلومات عن طريق إرسال وتوجيه وتسيير، ثم استقبال بكفاءة معينة وخلق استجابة معينة في وسط اجتماعي معين. وتاريخ البشرية من عصور نقوش الأحجار إلى بث الأقمار وتقنيات أجهزة الاتصال الذكية، يمكن رصده متوازياً مع تطور وسائل الاتصال التي تربط بين الأفراد والجماعات. ويشهد ذلك التاريخ أن الاتصال كان دوما وراء كل وفاق أو صراع؛ فكلاهما – كما ورد في ميثاق منظمة اليونسكو- ينشأ ابتداءً في عقول البشر. ويؤكد العلماء دائما على أن الاتصال نشاط أساسي للإنسان، ومعظم ما نقوم به في حياتنا اليومية، إنما هو مظاهر مختلفة لما ما نعنيه «بالاتصال» الذي يحدد بدوره معالم الشخصية الإنسانية من خلال ممارساتها الاتصالية، ماذا يعرف الإنسان وكيف يشعر، وماذا يعمل؟.
ويمكن أن نفكر في آثار وسائل الإعلام بعدة طرق، حيث إن هناك آثارا فردية، وأخرى مجتمعية، فعلى المستوى الفردي: يمكن أن تؤثر وسائل الإعلام في زيادة عدوانية الأفراد، ومعارفهم، واتجاهاتهم، وأنواع المنتجات التي يشترونها، وهذا ما يُعنى به إعلام الآخر. أما على المستوى المجتمعي، فإن وسائل الإعلام يمكن أن تعيد رسم النظم السياسية والقضائية والرياضية والاقتصادية والثقافية العامة، وهذا ما يفترض أن يُعنى به إعلام الدول الواقعة تحت قصف وتجريف إعلام الآخر.
إن العولمة الإعلامية هي نتيجة حتمية للثورة الاتصالية وللتطور الُمذهل في وسائل الاتصال والنقص الكبير في الإنتاج الإعلامي والثقافي على مستوى دول العالم النامي. وبهذا تربع الغرب والولايات المتحدة الأمريكية على عرش إنتاج الثقافة التي تهيمن وتسيطر على معظم وسائل الإعلام العالمية. وهنا تبرز خطورة أن المنُتِج يفكّر بقيم ومعتقدات وبأفكار وأيدلوجية لا تخرج عن الإطار المرجعي لثقافته وبيئته ومجتمعه ومصالحه بالضرورة.
إن النموذج الوطني لإعلام يواجه إعلام الآخر (الـمُتعدي)، يجب أن تكون العلاقة في إطاره بين السلطة والرأي العام، علاقة متبادلة وذات شقين، فالرأي العام يؤثر على الحكومة، كما أن الحكومة تؤثر على الرأي العام، والرأي العام يؤثر بصفة مباشرة على الحكومة عن طريق الانتخابات والاستفتاءات الحرّة وقياسات الرأي العام. ويمكن للسلطة السياسية أن تؤثر في الرأي العام بطريقة إيجابية، وذلك بمنح المعلومات التي تملكها أجهزتها، لتعينها على تشكيل الرأي العام وتوجيهه أو إعلامه وتثقيفه من منطلقات الأهداف الوطنية العليا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4617
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1278
| 28 سبتمبر 2026