رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في كتاب الربيع العربي استفادت مصر من خبرة تونس فيما يجب أن تفعله، واستفادت تونس من خبرة مصر فيما يجب أن تتجنبه.
(1)
لا يجادل أحد في أن الثورة التونسية في 14 يناير 2011 كانت ملهمة وكاشفة بالنسبة للمصريين، إذ لم تفتح أعينهم على فكرة الثورة فحسب، وإنما كشفت لهم عن أن نظام الاستبداد أضعف مما يظن كثيرون وأن قوة الشعوب فوق ما يتصورون. وهو التفاعل الذي فتح الباب لتبادل خبرات المقاومة بين الشباب التونسي وبين نظرائهم المصريين خلال ثورة 25 يناير التي استمرت 17 يوما. وقد شاءت المقادير أن يقرر التونسيون الانتهاء من وضع دستورهم في الذكرى الثالثة لانطلاق ثورتهم (اليوم 14 يناير) وأن يتزامن ذلك مع استفتاء المصريين على دستور جديد في اليوم ذاته. إلا أن تلك مصادفة لا توحي بأي تماثل أو دلالة. ذلك أن دستورهم صادر عن مجلس تأسيسي منتخب من الشعب، أما دستورنا فقد أعدته لجنة مختارة من السلطة، ثم إن دستورهم يرى النور في ظل وفاق وطني نسبي تحقق من خلال حوار القوى السياسية. أما الدستور المصري فإنه أعد في أجواء استقطاب حاد تقطعت في ظله سبل الحوار وتقدم فيه الأمن على السياسة.
استطرادا، وفي سياق المقارنة لا نستطيع أن نتجاهل عنصرا مهما ميَّز الثورة التونسية وأثر على مسارها، ذلك أن الجيش وقف على الحياد إزاءها منذ لحظاتها الأولى. الأمر الذي ترك الساحة بالكامل للسياسيين، الذين مارسوا في فضائها صراعاتهم وتجاذباتهم، التي لم تخل من شراسة وحدة في أغلب الأحوال، لكنها ظلت على أرضية السياسة وتحت سقفها. وذلك عنصر أساسي في المشهد لا ينبغي أن نغفل عنه. وهو ما لا يعنى أن الساحة التونسية كانت ممهدة وطريقها سالكا. لأنني أزعم أن الساحة كانت مسكونة بعوامل التقاطع وان الطريق كان شائكا ووعرا.
(2)
في الخلفية لا يفوت الباحث أن يلاحظ أن الخارطة السياسية التونسية التي تشكلت منذ الاستقلال في عام 1956 ارتكزت على عناصر عدة من بينها إضعاف الهوية الدينية للمجتمع الذي تمثل في تقليص ومحاصرة دور الزيتونة، الجامع والجامعة الذي ينافس الأزهر في العراقة والريادة التنويرية. ثمة عنصر آخر تمثل في ملاحقة وإقصاء الإسلام السياسي الذي كانت حركة النهضة رمزا له (تشكلت عمليا في سنة 1980)، خصوصا أن الحركة خرجت من عباءة الزيتونة وكانت معبرة عن التدين الوسطى الذي تبنته، وأغلب الظن أن ذلك الموقف من مخلفات مرحلة الاحتلال الفرنسي الذي دام 75 عاما، وكانت له تأثيراته الثقافية المتعددة، التي من بينها الانحياز إلى الفكر العلماني المخاصم للدين، بخلاف العلمانية البريطانية المتصالحة مع الدين. أيا كان الأمر فإن استمرار تلك السياسة الإقصائية طوال عهدي الرئيس الحبيب بورقيبة ومن بعده زين العابدين بن علي أحدث فراغا في الساحة التونسية تصدى لملئه وتمددت فيه التيارات الأخرى. فتنامت قوة الجماعات الليبرالية واليسارية والشيوعية المعتدلة منها والمتطرفة، وفي مقابلها انتشرت جماعات السلفيين والتكفيريين والمتصوفة وظهر التشيع في بعض الأوساط.
لم يكن النظام المستبد طاردا لقادة حركة النهضة فقط، لكنه أيضا كان طاردا للعديد من الشخصيات الوطنية، وهؤلاء وهؤلاء استقروا في بعض الدول الأوروبية (فرنسا وإنجلترا بوجه أخص). ومما أنجزوه في تلك المرحلة أنهم اتفقوا على صيغة للحوار والتفاهم فيما بينهم، في إطار ما سمى لجنة 18 أكتوبر للحقوق والحريات في عام 2006، التي ضمت ممثلين للنهضة وبعض الشخصيات الوطنية. هذا الفريق استطاع أن يشكل رؤية مشتركة حول عدد من القضايا الخلافية. وأصدروا في عام 2009 وثائق مكتوبة تضمنت رؤيتهم لثلاثة ملفات هي: العلاقة بين الدين والدولة ــ حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين ــ حرية الضمير والمعتقد. وهي العناوين التي احتلت مكانتها في نصوص الدستور التونسي الجديد.
(3)
حين أجريت في 23 أكتوبر 2011 أول انتخابات نزيهة في تاريخ تونس لعضوية المجلس التأسيسي، جاءت النتائج مفاجئة للجميع، فقد نجحت أحزاب الاعتدال باكتساح، في حين أن سقوط حركات التطرف كان مدويا. إذ حازت حركة النهضة على أعلى نسبة من المقاعد (90 مقعدا من أصل 217) وحصدت أحزاب الاعتدال المقاعد التالية: حزب المؤتمر الذي يقوده الدكتور منصف المرزوقي 30 مقعدا ــ حزب التكتل الذي يترأسه الدكتور مصطفى بن جعفر 21 مقعدا ــ العريضة الشعبية 19 مقعداــ الحزب الديمقراطي التقدمي 17 مقعدا. أما الأحزاب الأخرى فقد تراوح تمثيلها بين مقعد واحد وخمسة مقاعد. ولم يحصل حزب العمال الشيوعي إلا على ثلاثة مقاعد فقط.
المفارقة أن المجموعات العلمانية واليسارية التي ظلت مهيمنة على الفضاء السياسي والإعلامي التونسي طوال العقود التي خلت لم تتجاوز حصد أي منها من المقاعد عدد أصابع اليد الواحدة. وهي ذاتها التي ملأت الشارع صخبا وضجيجا أثناء اجتماعات ا لمجلس التأسيسي.
تصرفت حركة النهضة بمسؤولية ورصانة في ترتيب الوضع بعد الانتخابات. فرغم أنها تتمتع بأغلبية مريحة في المجلس حيث الفرق بينها وبين حصة الحزب الذي يليها في الترتيب يربو على 60 مقعدا، إلا أنها قررت ألا تنفرد بإدارة الدولة، وحرصت على أن تعمل في إطار فريق أطلق عليه «الترويكا». فتولى رئيس حزب المؤتمر رئاسة الدولة، ورشح رئيس حزب التكتل لرئاسة المجلس التأسيسي وتولى الأمين العام لحركة النهضة رئاسة الحكومة. وتعد هذه من أبرز العوامل التي ميزت الأداء السياسي لحركة النهضة، الذي جاء مختلفا عن أداء حركة الإخوان حين تولت السلطة في مصر. وفي سياق المقارنة أيضا نلاحظ أن صيغة الترويكا التونسية عبرت عن مفارقة أخرى. ذلك في حين أن حركة النهضة عقدت ما يشبه التحالف السياسي مع حزبين معتدلين أحدهما له صبغة ليبرالية أو علمانية والثاني له ميول يسارية. فإن الإخوان في مصر اعتمدوا في تحالفهم على فصائل التيار الإسلامي والسلفيين في مقدمتهم. وصار التحالف الأول رافعة للحكم في حين أن الثاني صار عبئا عليه. ليس ذلك فحسب، وإنما احتفظت حركة النهضة بمسافة إزاء السلفيين، وانتقدتهم ثم دخلت في مواجهة مع جناح العنف فيهم (أنصار الشريعة مثلا) واعتبرتهم مجموعة إرهابية بعد الاشتباكات المسلحة التي وقعت معهم. وفي وقت مبكر (في 21/3/2012) نشرت صحيفة «لوموند» الفرنسية مقالة ناقدة للسلفيين للسيد على العريض وهو من قياديى النهضة وقد عين وزيرا للداخلية ثم رئيسا للوزراء لاحقا. وفي مقالته قال إنهم ليسوا جميعا دعاة عنف، لكن النموذج المجتمعي الذي يدعون إليه خطير وضيق الأفق.
(4)
ما يحدث في كل مراحل الانتقال التي تعقب الثورات جرى في تونس، خصوصا تعثر الأداء جراء حداثة العهد بالتجربة وتوقف النمو الاقتصادي، مع شيوع الانفلات الأمنى. الأمر الذي لا يلبي توقعات المواطنين وتمنياتهم، وهى الأجواء التي استثمرتها جماعات المعارضة ومنظمات المجتمع المدني التي لم تنجح في الانتخابات وفي مقدمتها الاتحاد العام للشغل. وانضم إلى هؤلاء وهؤلاء بقايا النظام القديم والقوى التي استفادت منه. واختارت قوى الرفض والاحتجاج أن تواجه «الترويكا» من خلال الإضرابات والتظاهرات والاعتصامات. ولعبت وسائل الإعلام دورا مهما في ذلك، وهى التي تهيمن على أغلبها القوى التقليدية ورجال الأعمال من أثرياء النظام القديم.
يذكر في هذا الصدد أنه خلال أول سنتين من عمر الثورة صدر أكثر من عشرين صحيفة جديدة وتأسست ست قنوات تلفزيونية خاصة وسبع محطات إذاعية. وهذه المنابر كلها تحولت إلى أدوات في التجاذب والصراع السياسي.
خلال تلك المواجهات كان النموذج المصري حاضرا في خلفية الحراك التونسي. حيث تشابهت التظاهرات في الشوارع والاعتصامات أمام بعض مؤسسات الدولة. واختلفت أحجامها تبعا لاختلاف أعداد السكان في البلدين (تونس أكثر من عشرة ملايين ومصر 90 مليونا). فالتظاهرات هناك كان يخرج فيها عدة مئات بالكاد، والمعتصمون أمام المجلس التأسيسي كانوا يتوزعون على خيمتين أو ثلاث. لكن تلك التحركات كانت تربك العاصمة وتصور في الإعلام المصري باعتبارها حشودا كبيرة.
هذه المرحلة تحتمل عدة قراءات من زوايا مختلفة، يهمني منها الكيفية التي تفاعلت بها حركة النهضة سواء مع حراك الشارع أو مع التجاذبات التي جرت في المجلس التأسيسي الذي كان وضع الدستور الجديد على رأس مهامه. إذا بدا من مجمل الأداء أن ثمة قرارا استراتيجيا دعا إلى ضرورة إنجاح تجربة تأسيس الجمهورية الثانية حتى إذا كان ذلك على حساب النهضة وخصما من حصتها ودورها. الأمر الذي يعيد إلى أذهاننا جدل الجماعة والوطن الذي أثير في مصر.
(5)
حين تم اغتيال شكري بلعيد أحد المعارضين البارزين في بداية عام 2013 خرجت المظاهرات الاحتجاجية فتمت الإطاحة بأول حكومة منتخبة، وتراجعت حركة النهضة خطوة إلى الخلف حين تنازلت عن وزارات السيادة للمستقلين، وحين وقع اغتيال معارض آخر هو محمد البراهمي في الشهر السابع من العام ذاته، تجددت تظاهرات الغضب وطالب البعض بحل المجلس التأسيسي وشطب المسار الديمقراطي، فإن الحركة قبلت بالتخلي عن الحكومة بأسرها رغم أنها مدعومة من البرلمان. وقبلت بتشكيل حكومة تكنوقراط يشكلها خبراء مستقلون يشرفون على إجراء الانتخابات القادمة، ومن ثم فإن النهضة صاحبة الأغلبية والشريك الأكبر خرجت من الحكومة في حين بقى شريكاها في رئاسة الدولة ورئاسة المجلس التأسيسي، ولإنجاز تلك الخطوة والاتفاق على رئيس الحكومة دخلت النهضة في حوارات استمرت شهرين مع الرباعية التي مثلت المجتمع المدني (اتحاد الشغل ــ اتحاد الصناعة والتجارة ــ نقابة المحامين ــ رابطة حقوق الإنسان). المرونة التي مارستها قيادة النهضة في إدارة الدولة تبنتها أيضا في مناقشات الدستور الجديد داخل المجلس التأسيسي. إذ قبلت باستبعاد النص على أن الشريعة مصدر أساسي للقانون، وبرر ذلك الشيخ راشد الغنوشي رئيس الحركة بقوله إن الشريعة تفرقنا والإسلام يجمعنا، ونحن مع الإجماع وليس الفرقة. وبنفس المنطق الحريص على التوافق جرى تمرير النصوص المتعلقة بدور النساء ومساواتهن بالرجان في الحقوق والواجبات، وتلك المتعلقة بحرية الاعتقاد والضمير... الخ.
هذه المواقف التي عبرت عن التمسك بالتوافق والمرونة جاءت تجسيدا لسعة الأفق والانحياز إلى إعلاء مصلحة الوطن وتقديمها على مصلحة الحركة، في الوقت ذاته، فإنها استلهمت دروس النموذج المصري وتجنبت الوقوع في أخطاء الإخوان. وقد أشار إلى ذلك الشيخ راشد الغنوشي في مقالة له نشرتها عدة مواقع في الخامس من شهر يناير الحالي كان عنوانها: النموذج التونسي ثبت فصح.
إن النجاح الذي حققته حركة النهضة في تطبيق ما يمكن أن نسميه فقه أو فن التنازل يستدعى سؤالا يستحق أن نفكر فيه مليَّا في مصر هو: ما هي حدود التنازل الممكنة التي يتعين القبول بها للحفاظ على الثورة ولأجل استعادة المسار الديمقراطي؟ ذلك أن الإقدام إذا كان يحتاج إلى شجاعة، فإن الأمر أكثر دقة حين يتعلق بالتنازل لأنه لكي يحقق المصلحة العليا المرجوة يتعين أن تمتزج الشجاعة فيه بقدر معتبر من الحكمة، كى لا يصبح التنازل تطوعا بالانتحار. وتلك معادلة صعبة تلعب الأجواء المحيطة دورا في تعقيدها أو تيسيرها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8715
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2760
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1494
| 25 أكتوبر 2026