رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بمقارنة سريعة بين الأمس واليوم فيما يخص ربيع الثورات العربية، بعد مضي حوالي ثلاث سنوات على انطلاقتها، بدءا من عامي 2010 و2011، يتضح كم هو الفرق واسعا والبون شاسعا.. فعلى مستوى التحرك والطموحات فقد كانت الهمم في أوجهها، والأعناق مشرئبة للتغيير، لإنهاء عقود من الديكتاتورية، والانتصار لحرية وكرامة الإنسان، في مواجهة الظلم الذي تعرضت له المجتمعات والدول التي حكمت بواسطة العسكر وأنظمة الانقلابات، أما اليوم فقد خفّ وهج هذا الحماس، وأصيبت شرائح من الشعوب بالقنوط واليأس، وانكفأت على نفسها، لأسباب كثيرة.. وعلى مستوى الإنجازات والنتائج والمآلات، فقد شهد العامان آنفا الذكر حراكا ثوريا عارما في خمسة بلاد عربية، أفضى إلى رحيل رؤوس أربعة أنظمة (تونس، مصر، ليبيا، اليمن)، فيما يواصل النظام الخامس بـ (سوريا) مجازره وقتله للمدنيين ليبقى في سدة الحكم، بدعم روسي إيراني صريح، وبرضا أمريكي غربي ضمني ببقائه.. وبالتالي فإن قطار الثورات توقف عند سوريا، وجمد عندها، كما يظهر.. حيث لا تزال تتواصل الأزمة هناك دون أن تشهد دولة أخرى حراكا مشابها، وتوقف الحراك أو ـ يكاد ـ في دول شهدت محاولات تغيير مهمة كالعراق والأردن.
ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل أجهضت الثورة بانقلاب في مصر، بما رافق ذلك من تهتك وانقسام في نسيج المجتمع المصري، ولا تزال تشهد الدول الثلاث المتبقية حالة من القلاقل، وترديا في أوضاعها الأمنية، فيما دخلت سوريا نفق التدخل الدولي بصورة فاضحة، وبخاصة التدخل الإيراني.
مجمل ما سبق يطرح جملة تساؤلات لعل من أهمها: هل يمكن أن يتوقف قطار الثورات عند سوريا؟، وهل يمكن أن نشهد مزيدا من الانقلابات أو الانكفاء أو التراجع عن الثورات في الدول التي نجحت فيها، أو مزيدا من انقسامات مجتمعية فيها؟.. ثم هل تحمل الثورات وفكرها وحراكها وِزرَ كل ذلك، ومن المستفيدون مما سبق؟، وما الأهداف المرجوة من ذلك؟ وكيف يمكن لربيع الثورات أن يستعيد زمام المبادرة ويستأنف حراكه من جديد ويحقق مزيدا من التألق والنجاح؟
بالرغم مما يعتريها من عثرات وتحديات ومصاعب؛ فإن جذوة حراك الثورة العربية لا تزال متوقدة، وبخاصة في مصر لإعادة الشرعية، وفي سوريا حتى إسقاط النظام أو رحيله، لكن ما من شك فإن هناك تخوفات كبيرة من محاولة إيقاف قطار الثورات العربية، ومنعه من تجاوز سوريا لمحطة تالية، كما أن هناك تخوفات مماثلة من خلق مزيد من حالة الفوضى في المنطقة في الدول التي نجحت الثورات فيها، بغرض تبغيض الشعوب بالثورات أو من تكاليفها الباهظة، والقبول بحكم العسكر من جديد، باعتباره المنقذ والمخلص.
ورغم الأخطاء التي وقعت أو بالإمكان أن تقع من الثوار المقاتلين أو الناشطين أو الأحزاب السياسية المعارضة التي وصلت الحكم أو تلك التي لا تزال في معمعة الحراك، والتي أثارت أو تثير انزعاج وكراهية شرائح من المجتمع، فإنه ما من شك بأن جهات خارجية، وقوى مستفيدة داخلية تقف وراء تضخيم هذه الأخطاء، وتتحالف سويا بصورة مشبوهة لإجهاض الثورات العربية وتشويه صورتها، وهذه القوى تتوزع على بقايا الأنظمة الحاكمة التي ثارت عليها شعوبها من جنرالات وأحزاب حاكمة ومصالح وقوى مستفيدة منها، أو تلك التي لا تزال تتشبث بالسلطة، وقوى محسوبة على الثورات (علمانية ويسارية) لكنها تحالفت بعد ذلك مع الفلول، بحكم ضعف شعبيتها في الشارع، وصعوبة وصولها عبر العملية الديمقراطية للحكم، أو معارضة مدجّنَة (معارضة بالاسم لا الفعل) متحالفة مع الأنظمة التي ثارت الشعوب ضدها، بحكم المصالح والمطامع أيضا، فيما ثبت فعليا أن القوى الغربية إما أنها وافقت على الانقلاب بمصر، أو رحّبت به ضمنا، أو سكتت على أصحابه في أقل تقدير، فيما أعطت موافقة لبقاء الأسد حتى الآن، بسبب حجج كثيرة منها: مكافحة الإرهاب، والخشية من وصول الإسلاميين وفي مقدمتهم الإخوان المسلمون، وضمان أمن حليفتها إسرائيل وغيرها.
ما من شك بأن المنطقة العربية عموما، ودول الثورات العربية خصوصا، تمرّ بمرحلة انتقالية غير مستقرة، وتشهد مرحلة شد وجذب وصراع بين من يريدون إعادة العجلة إلى الخلف، وبين الذين يتطلعون للوصول بها إلى محطة الحرية والكرامة للشعوب.. والأمور مفتوحة على كل الاحتمالات بحسب سنة التدافع، وضغط وصمود كل طرف للوصول إلى الغايات المطلوبة، ولا جواب قطعيا وحاسما في هذه المسألة.
ما نستطيع قوله إن الشعوب العربية امتلكت قدرة التمرد على واقعها وواقع أوطانها المزري، وهي بذلك قطعت نصف الشوط، وبقي أن تصمد، وألا تتراجع خطوة للخلف، وألا تصاب باليأس والقنوط، حتى تكمله.. أي أن عليها أن تثبت وأن تعرف أن طريق التغيير طويل ومحفوف بالشوك والتضحيات، وما طول المدة إلا لتتمايز الصفوف.. الخبيث من الطيب، وتتوحد المواقف والرؤى.. الثورة رافعة للتغيير، أما التغيير فيحتاج إلى فترة طويلة ودأب وصبر على الأذى، وأن تستعين بالعمل المثمر مهما قلّ، وألا تتوقف أو تلتفت للوراء، وأن تكون قبل ذلك وبعده مستعينة بالله واثقة بنصره، ممتلئة بالأمل، حريصة على نظافة يدها وسلوكها، بعيدا عن المطامع الدنيوية، معرضة عن أقوال المثبطين أو المرجفين أو المعطلين.
وأخيرا ينبغي أن تستحضر في ذاكرتها أن كثيرا من الثورات حتى تتمكن من إحرازها لنصرها النهائي - سواء على المستعمر أو المستبد - احتاجت لعقود من الزمن ولملايين الضحايا والأثمان، والأمل بالله أن يكون الزمن والثمن أقل من ذلك بكثير.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11448
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3705
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
3690
| 27 أكتوبر 2026