رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إذا استمرت مواقف أطراف الأزمة في مصر كما هي عليه الآن، فسوف نحتاج إلى معجزة لكي نجتازها بسلام.
(1)
التطور «الإيجابي» الذي حدث خلال العشرة أيام الأخيرة مضت أننا انتقلنا من مرحلة إنكار الأزمة إلى الاعتراف بوجودها. لكن التباين بدا واضحا في أداء مختلف الأطراف إزاء كيفية الخروج منها. ففي حين دعيت بعض الشخصيات الأجنبية للتدخل في الأمر ومحاولة البحث عن مخرج، فإن بعض أصوات الداخل اختلفت في تكييف الأزمة والمخرج. فمن قائل إن البحث يدور حول صفقة، وآخر يتحدث عن وساطة، وثالث يلوح بفكرة المصالحة، ورابع يستبعد كل ما سبق ويحاول إقناعنا بأن الجهد المبذول له هدف واحد هو تبصير الإخوان وحلفائهم بأن ثمة وضعا مستجدا لا رجعة فيه، وعليهم أن ينطلقوا من التسليم بذلك، بما يعني أن مهمة الوسطاء أو المبعوثين استهدفت مخاطبة طرف دون آخر، وهو ما دعا بعض المحللين الغربيين إلى وصف المشهد الراهن في مصر بأنه «مرتبك» (روبرت فيسك في الإندبندنت البريطانية ــ 8/8).
أجواء الارتباك استصحبت حالة من البلبلة والحيرة روج لها الفلتان الإعلامي المشكوك في براءته. الأمر الذي فتح الباب لهجوم شرس على فكرة الديمقراطية والتعددية والوفاق الوطني، وهو ما اقترن بدعوات مبطنة وصريحة إلى الفاشية والإقصاء وفرض حالة الطوارئ وإعادة إنتاج حملة الحرب على الإرهاب. وهو ما دعاني في وقت سابق إلى طرح السؤال التالي: هل نقتل المعارضين في مصر أم لا؟ ــ (الشروق 4/8) ــ وهو سؤال من وحي المشهد العبثي الذي صرنا إليه، والذي استدعى إلى الواجهة مناقشة بعض البديهيات التي تبدو وكأنها محاولة لاختراع العجلة من جديد. ذلك أننا ما عدنا متفقين حول حق المختلف ليس في التعبير عن نفسه بل حقه في الوجود من الأساس. وما عدنا متفقين على مبدأ المصالحة الوطنية التي تتم على قاعدة التوافق وليس القهر والإملاء، بل إن بعضنا ــ بمن فيهم عدد غير قليل من المثقفين ــ أصبح يعتبر أن الشعب يضم فقط الذين عارضوا الدكتور محمد مرسي، وأن الذين أيدوه ليسوا من الشعب، الأمر الذي دعاني إلى التساؤل في أكثر من مقام ومناسبة إلى التساؤل عما إذا كنا راغبين حقا في العيش المشترك تحت سقف الوطن الواحد، أم أن هذه أصبحت مسألة تتعدد فيها الاجتهادات وتختلف وجهات النظر.
(2)
إذا جاز لنا أن نصف الوضع الراهن في مصر فسوف نرصد فيه الملامح التالية:
< بعد الاعتراف بوجود أزمة، فإن طرفيها ــ قيادة القوات المسلحة والإخوان ــ لا يزالان يتحركان بطلبات الحد الأقصى للخروج منها، القيادة العسكرية تتحدث عن ضرورة التسليم بما جرى والبناء عليه، مستندة لذلك إلى شرعية الحشود الرافضة للدكتور مرسي وإلى قوتها الميدانية على الأرض. والإخوان ينطلقون من التأكيد على شرعية الدكتور محمد مرسي استنادا إلى نتائج الانتخابات الحرة التي أتت به، كما يتكئون على حشودهم الموجودة في الشارع منذ شهر ونصف الشهر. والحاصل أن القيادة العسكرية ما برحت تتحدث عن أنه لا تراجع «ولو إلى ملليمتر واحد» ــ عن خارطة الطريق التي تحدث عنها الفريق السيسي في بيان 3 يوليو الذي عزل فيه الرئيس مرسي. ومن ثم صارت تتمسك بأن المرونة والتراجع مطلوبان من الإخوان وحدهم.
< في الوقت ذاته فمظاهر الارتباك واضحة في الجانب المتعلق بالسلطة. ففي حين يتحدث الدكتور محمد البرادعي ــ نائب الرئيس ــ بلغة تصالحية تحاول احتواء الإخوان، ويتعرض جراء ذلك إلى هجوم شديد وصل إلى حد اتهامه بأنه أصبح يشكل خطرا على الأمن القومي، فإن جريدة «الشروق» خرجت علينا في 10/8 بتقرير ذكرت فيه أن التنسيق يتم على أعلى مستوى بينه وبين الفريق السيسي لتجنيب البلاد الانزلاق إلى الفوضى. وفي حين أعلنت رئاسة الجمهورية في 7/8 أن الجهود الدبلوماسية التي استهدفت التوسط بين الطرفين تمت بموافقة وتنسيق كامل مع الحكومة، فإن الدكتور زياد بهاء الدين نائب رئيس الوزراء قال في تصريح منشور إن الحكومة لا علم لها بالموضوع. وفي حين قال بيان الرئاسة سابق الذكر إن مرحلة الجهود الدبلوماسية انتهت وحمَّل الإخوان مسؤولية فشل تلك الجهود فإن المتحدث باسم البيت الأبيض أعلن في 9/8 عن أن واشنطن ستواصل جهودها من أجل المصالحة والتسوية في مصر.
< نلاحظ ذلك الارتباك أيضا في الجانب المتعلق بالإخوان والتحالف الذي تشكل للدفاع عن الشرعية. فالمؤيدون المعتصمون في محيط رابعة وميدان النهضة يطالبون تارة بعودة الدكتور مرسي إلى منصبه، ويتحدثون تارة أخرى عن الدفاع عن الإسلام ويعربون عن الاستعداد لتقديم مليون شهيد لأجل ذلك. وفي حين ثالثة يعلنون أنهم يدافعون عن الديمقراطية. وفي هذا وذاك فإنهم يرفضون الاعتراف بالأمر الواقع ولا يقدمون بديلا، رافضين الاعتراف بأمرين هما: تراجع شعبية الإخوان وخسارة جولة المواجهة مع قيادة القوات المسلحة التي قامت بالانقلاب مؤيدة في ذلك من جانب نسبة عالية من التأييد الشعبي.
< حضور قيادة القوات المسلحة في قلب المشهد السياسي ووراء أهم قراراته، الأمر الذي يمثل طورا جديدا وخطيرا في مجمل أدائه. وليست هذه هي النقلة الوحيدة، لأن الجيش حين تدخل في ظل الانقسام الوطني فإنه صار منحازا لأول مرة إلى جانب طرف دون طرف آخر. وهو ما أفقده حياده التقليدي والتاريخي.
< بوسع المراقب أيضا أن يلاحظ بروز تيار إقصائي واستئصالي في هيكل السلطة الجديدة ــ وتشير مختلف القرائن إلى أن ذلك التيار له وجوده المؤثر في ثلاث دوائر على الأقل هي: في محيط قيادة القوات المسلحة ذاتها ــ عناصر جهاز أمن الدولة القديم الذي أعلن وزير الداخلية عن إعادة عناصره إلى مواقعهم التي كانوا قد استبعدوا منها ــ أوساط فلول النظام القديم المنتشرون في مفاصل الدولة ووسائل الإعلام إضافة إلى حضورهم المؤثر في المجال الاقتصادي.
< استند النظام الجديد إلى تأييد شعبي واسع لا ريب، لكنه من الناحية المؤسسية أصبح يتكئ على تحالف معلن بحكم الأمر الواقع بين العسكر وبين قطاع عريض من القوى المدنية والليبرالية، التي أدركت أنه ما كان لها أن تستعيد نفوذها في إدارة البلاد بدون مساندة وتدخل القوات المسلحة، خصوصا أنها أصبحت مقتنعة بأنها ليست مؤهلة بعد للفوز في الانتخابات البرلمانية، ولم يعد سرا أن الطرفين يحظيان بتأييد غير معلن ــ بل معلن أحيانا ــ من جانب أركان وأعوان نظام مبارك.
(3)
هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول إننا إزاء طريق مسدود ومشكلة لا حل لها. ذلك أن دعوات الحوار أو المصالحة تفترض استعداد الأطراف المختلفة لتبني قدر من المرونة في مواقفها وذلك مستبعد تماما من جانب قيادة القوات المسلحة، كما سبقت الإشارة، فضلا عن أنه مشكوك فيه فيما خص الإخوان. وحين يطالب طرف بالمرونة في حين يبارك تصلب وتشدد طرف آخر، فإننا نكون بصدد دعوة للإخضاع والإذعان. ويزداد الأمر صعوبة إذا ما تمسك كل طرف بورقة الشرعية التي يستند إليها معتبرا أنها الأصل والأساس، وأن شرعية الآخر إما منسوخة أو غير معترف بها.
إن المسؤولين في الوضع المستجد يتحدثون عن حوار لا يقصي أحدا، لكننا نلاحظ أن ممارسات الواقع تمضي باتجاه معاكس تماما فلا شروط نجاح الحوار متوافرة ولا أجواءه مواتية. ذلك أنه إذا كان مطلوبا من الطرف الآخر الانصياع والتسليم بكل ما تم، فإن «الحوار» يصبح محسوما قبل أن يبدأ ومن ثم لا تكون هناك حاجة إليه. ثم إن الحوار لا يمكن أن يكتب له النجاح أو يكون له أي مردود إيجابي في حين تتم شيطنة الطرف الآخر ليل نهار في وسائل الإعلام، كما أن رموزه موزعون على مختلف السجون وجميعهم نسبت إليهم تهم ملفقة من ذلك القبيل الذي خبرناه في زمن دولة مبارك البوليسية. بكلام آخر فإن الحوار يفقد معناه إذا كان أحد طرفيه فاقدا لحريته ويتعرض للقمع والاغتيال السياسي والمعنوي من جانب أجهزة الأمن وميليشيات الإعلام. وذلك ما أعنيه بالنسبة للأجواء المواتية. إذ غني عن البيان أن الحوار ينبغي أن تسبقه إجراءات لتبادل الثقة ومبادرات لحسن النية، تتكئ على وقف الإجراءات البوليسية والقمعية، ووقف حملات التحريض والتشويه الإعلامية.
(4)
لا نبالغ إذا قلنا إننا في ظل الظروف الراهنة، فإن أي حوار بين الإخوان والعسكر محكوم عليه بالفشل. لأن نقطة الانطلاق التي يبنى عليها كل طرف موقفه من الشرعية مرفوضة بالكامل من الطرف الآخر. فالإخوان يرفضون فكرة الإقرار بخروج الرئيس مرسي من المشهد، والعسكر يرفضون أي حضور رمزي ومؤقت له، حتى إذا كان الهدف منه تفويض رئيس الحكومة في سلطاته، كما اقترحت بعض المبادرات. وهو ما يضعنا بإزاء معادلة صفرية، ينفي بمقتضاها كل طرف الآخر، ولا يجد نفسه مضطرا لأن يقدم أي تنازل له.
يزداد الموقف تعقيدا وصعوبة إذا أدركنا أن عمق الاستقطاب في مصر كاد يلغي وجود أي مؤسسة مستقلة تقف خارج الاستقطاب يمكن أن نقوم بالوساطة بين الطرفين. صحيح أننا لا نعدم أناسا مستقلين ومحترمين، ولكن هؤلاء ليس لهم وضع مؤسسي يؤهلهم للقيام بهذا الدور. وأغلب الظن أن هذا الاعتبار يكمن وراء حرص بعض أركان السلطة في مصر على دعوة شخصيات من خارج مصر لمحاولة مد الجسور وتيسير الحوار بين الطرفين، بما يكفل التوصل إلى هامش المرونة المقبول والمحتمل من جانب كل طرف.
على صعيد آخر فإننا يجب أن نعترف بصعوبة الموقف في ظل خصوصية الحالة المصرية، لأن الحوار المفترض لا يجرى بين سياسيين، حيث الطرف الآخر فيه هو قيادة القوات المسلحة التي تمثل مركز القوة في السلطة. وهو ما يقربنا من الحالة الجزائرية التي أغلق في ظلها باب الحوار وأصر الجيش على إخضاع جبهة الإنقاذ الفائزة في الانتخابات، الأمر الذي أدى إلى انفلات الموقف. وأسفر عن سقوط أكثر من ربع مليون قتيل في نهاية المطاف. وهو ما أرجو أن تكون جماعتنا على وعي به.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1024
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4626
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1287
| 28 سبتمبر 2026