رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- مهما كتبنا لن نستطيع حصر إنجازات الأمير الوالد
- حمد بن خليفة القائد الذي نصر فلسطين وانتصر للعرب
- في عهده تعلمنا أن المستحيل غير موجود تحت سماء قطر
- الأمير الوالد علمنا كيف نحول الحلم إلى حقيقة والطموح إلى إنجاز مبهر
- برؤيته الحكيمة صارت قطر محط اهتمام العالم ونقطة استقطاب للقادة
- الفقيد الكبير أرسى ركائز القوة الناعمة لقطر حتى أصبحت الأكثر تأثيرا
- القائد الذي أعطى شعبه بلا حدود وأعطى وطنه المجد والاستقرار والازدهار
- نهجه الحكيم جعل قطر ساحة للتلاقي والحوار ودبلوماسية الوساطة النزيهة
- التزامه بنهج الوساطة لم يثنه عن الانحياز لقضايا الشعوب العادلة
- مواقفه الساطعة من فلسطين تكتب بأحرف من ذهب في صفحات التاريخ
لم يكن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، قائدا فقط أو زعيما ورئيسا وحسب، بل كان كل ذلك، ففي شخصه اجتمعت كل صفات القيادة الاستثنائية وهو بالنسبة لأهل قطر الأب والأخ والصديق والمربي والمعلم، هو القائد الذي قاد قطر في مرحلة انتقالية من دولة صغيرة إلى دولة عصرية متطورة تتبوأ مكانة مرموقة إقليميا ودوليا وتتصدر مختلف المؤشرات والتصنيفات.
عندما يكون الحدث غياب فقيد الوطن الكبير تختلط مشاعر الحزن والألم بلوعة الفراق، وتتراكم الأفكار وتتسابق المعاني لرثاء قامة تاريخية يندر أن تتكرر، فالحديث عن خصاله وأعماله وإنجازاته وعطائه وأثره الطيب لا تكفيه كتب ومجلدات لوفاء حقه؛ لما قدمه وأعطاه بصدق وإخلاص للشعب والوطن، وهو عطاء لم يعطه أحد قبله.
لقد بنى الأمير الوالد نهضة قطر الحديثة وأرسى قواعد بنيانها وصنع مجدها وازدهارها، وكانت فترة حكمه على قصر مدتها الزمنية والتي لا تتجاوز العقدين من الزمن محطة تاريخية ونقطة تحول في تاريخ قطر، بل كانت في مجملها تاريخا قائما بذاته، انطلق سموه من البدايات المتواضعة لبناء الدولة بعزيمة صلبة وإرادة لا تعرف المستحيل.
كان الأمير الوالد، رحمه الله، يعمل على أكثر من قطاع في آن واحد وكأنه يسابق الزمن لإنجاز ما يطمح إلى تحقيقه في بناء قطر الحديثة وانطلق من أولوية بناء الإنسان الذي هو أثمن ثروات الوطن، معتبرا أن أساس بناء الإنسان هو التعليم، فانطلقت في عهده نهضة تعليمية شاملة بدأت مع تأسيس مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع وامتدت لتشمل مختلف مراحل التعليم من الروض والمراحل الابتدائية إلى التعليم العالي وصولا إلى افتتاح أحدث المنشآت التعليمية وأبرزها المدينة التعليمية التي تضم أعرق الجامعات العالمية حتى غدت الدوحة وجهة تعليمية يتهافت إليها طلبة العلم من دول العالم.
مشروع سموه في الاستثمار بالإنسان لم ينحصر في التعليم بل أيضا في الصحة انطلقت خطة عمل تقوم على أن الرعاية الصحية حق من حقوق الإنسان ولابد من توفير أفضل خدمات الرعاية الصحية لكل من يعيش على أرض قطر فازدهر في عهده القطاع الصحي وصار يضاهي وينافس خدمات الدول الأوروبية.
وإلى جانب التعليم والصحة كان هاجسه الكلمة الحرة والإعلام الحر فكانت أولى ثمار عهده الغاء وزارة الاعلام ودورها الرقابي المقيد لحرية الرأي وتأسيس قناة الجزيرة التي حررت الاعلام العربي من قيود التعبير من منطلق الرأي والرأي الآخر، وصارت شبكة عالمية ومنارة إعلامية تتابعها الكرة الارضية من مشرقها الى مغربها.
كان طموح فقيد الوطن ان يبني دولة عصرية بكل المقومات والركائز ولذلك بادر الى تشكيل لجنة لإعداد الدستور عام 2003 ومن ثم طرحه على الاستفتاء عام 2004 في اول استفتاء تشهده قطر في تاريخها وذلك ايمانا منه بأهمية مشاركة الشعب في بناء الدولة، وبعد أن اطمأن الى انطلاق دولة الدستور والقانون والمؤسسات ورسوخ أركانها، سعى بكل جهد وطموح الى بناء قطر المستقبل من خلال إطلاق رؤية قطر الوطنية 2030. والتي جعلت من قطر دولة عصرية تضاهي أعرق الدولة وأكثرها حداثة.
وبما أن الأمن والأمان أساس البنيان فقد أدرك الأمير الوالد منذ كان وليا للعهد أن استقرار الدولة وحمايتها لابد ان يستند الى قوات مسلحة مجهزة مدربة منظمة قادرة على تحمل المسؤولية ولذلك عمل على بناء القوات المسلحة بأفضل مقومات التدريب والتأهيل والتجهيز حتى أصبح حماة الوطن صقورا وفرسانا تحمي البلاد.
أينما وليت وجهك في الدوحة ستجد معلما وانجازا صنعه الأمير الوالد في مختلف القطاعات والمجالات، في عهده تعلمنا ان المستحيل غير موجود تحت سماء قطر وعلى ارضها، فالحلم كان يتحول الى حقيقة والطموح كان يترجم الى انجاز يبهر العالم، في عهده كنا ننام على انجاز لنستيقظ على انجاز اكبر وأكثر أهمية، حتى صارت قطر محط اهتمام العالم ونقطة استقطاب لزعماء العالم.
في مسيرة سمو الأمير الوالد برز اهتمامه بالشباب من منطلق ايمانه بقدراتهم وبأن أجيال اليوم قادة الغد وكان سباقا في الاستراتيجيات التي تبني الكوادر الوطنية وتطلق الكفاءات الشبابية، كما كان حريصا على الاهتمام بكل فئات المجتمع وخصوصا المرأة التي تبوأت في عهده أعلى المناصب وتسلمت أول حقيبة وزارية. كما أنه اشتهر بقربه من الناس وتواصله الدائم مع أبناء مجتمعه الى درجة ان الجميع يحدثونك كيف استوقفهم وكيف تحدث معهم واطمأن عليهم، مما جعله في مرتبة عالية في قلوب ووجدان اهل قطر.
ومن خلال نظرته الثاقبة ورؤيته الحكيمة ادرك الأمير الوالد أهمية الرياضة للشباب ودور الرياضة في حياة الشعوب والمجتمعات ولذلك بنى منظومة رياضية متكاملة، وكان أول زعيم عربي يبادر الى المنافسة على استضافة مونديال قطر، وكان الجميع يشكك بإمكانية الوصول الى هذا الحلم لكنه نجح في الرهان وفازت قطر باستضافة مونديال2022 لأول مرة في تاريخ الشرق الأوسط.
وفي عهده شهدت قطر اعظم مشاريع الطاقة والصناعة وأصبحت قطر من اكبر مصدري الغاز المسال في العالم وانطلقت النهضة العمرانية والمدن الحديثة التي تضاهي المدن العالمية، كان يبني ويعمل بلا كلل وملل لأجل توفير الحياة الكريمة لشعبه حتى اصبح المواطن القطري نموذجا يقتدى به. وكانت ثمار ذلك الجهد تصدر قطر المؤشرات والتصنيفات العالمية في جودة الحياة ورفاهيتها.
ولعل ما يميز نهج سمو الأمير الوالد أنه قاد سياسة التوازن في كل شيء فبقدر ما اهتم ببناء المجتمع والدولة الحديثة بقدر ما كان حريصا على العطاء لأمته العربية وكانت أيادي قطر البيضاء تغطي مساحة العالم بالأعمال الإنسانية والاغاثية. واستطاع أن يصنع نهجا فريدا في السياسة الخارجية يقوم على الالتزام بقضايا الامتين العربية والإسلامية وعلى رأسها قضية فلسطين، وفي الوقت نفسه كان منفتحا على العالم من منطلق ان الحوار افضل من النزاع؛ مما ممكنه من جعل الدوحة عاصمة للحوار والتلاقي بين مختلف الدول. حتى ذاعت شهرة قطر كوسيط نزيه وصارت قطر جزءا من الحل في أي نزاع وليست جزءا من المشكلة او سببا لها. مما مكنه من جعل قطر ذات قدرة على التأثير بفضل القوة الناعمة التي انفردت بها قطر.
هذا النجاح الكبير في دور الوسيط لم يؤثر يوما على مواقف الأمير الوالد بل زاده ايمانا والتزاما بنصرة الشعوب والقضايا المحقة والعادلة، ولذلك كان انحيازه لفلسطين وقضيتها العادلة ولشعبها غير خاضع للمساومات والتسويات. وقد كانت مواقفه الساطعة تجاه فلسطين تسطر وتكتب بأحرف من ذهب في صفحات التاريخ العربي، ولم يدع مناسبة لدعم فلسطين إلا وكان سباقا بالمبادرة والسعي لأجلها، وكان الفقيد الكبير الزعيم العربي الوحيد الذي اتصل هاتفيا مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عندما حاصرته الدبابات الإسرائيلية في المقاطعة عام 2002 بما يعكس التزامه بالقضية الفلسطينية وإيمانه بأنها تمثل قلب الأمة العربية، وفي هذا السياق نذكر سعيه الدؤوب لاستضافة قمة عربية لنصرة غزة في الدوحة، وكيف قام عام 2012 بكسر الحصار على غزة وانفرد بكونه الزعيم العربي الوحيد الذي قام بزيارة ميدانية الى قطاع غزة مع تقديم دعم سياسي ومادي شمل مشاريع تقدر بحوالي 400 مليون دولار.
وكذلك كان لفقيد الوطن صاحب السمو الأمير الوالد وقفة خالدة في تاريخ لبنان وذاكرة اللبنانيين، حيث قاد سياسة لم يسبق ان عرفها لبنان في تعامله مع أي دولة، فقد كان معظم الرؤساء والقادة يتعاملون مع لبنان من منطلق اجنداتهم ومصالحهم، بينما كان وحده من يتعامل مع لبنان كوطن ودولة وليس مع هذا الفريق او ذاك الفريق، كان يقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف والأحزاب والطوائف وكان يصر على ان مصلحة لبنان في اجتماع اللبنانيين وتوحدهم وليس في تفرقهم وتنازعهم، وكان اول زعيم عربي يزور الضاحية الجنوبية لبيروت التي أصيبت بدمار حرب 2006. وكان صاحب الأيادي البيضاء في إعادة اعمار ما دمرته إسرائيل من قرى في جنوب لبنان، حتى صار شعار اللبنانيون الدائم شكرا قطر.
أولوية سموه كانت دوما الانتصار لقضايا الشعوب العربية ودعمها من منطلق إيمانه بأن الأمة العربية جسد واحد اذا اشتكى منها عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.
الأمير الوالد كان قامة بحجم وطن وقائدا قلما يجود التاريخ بمثله فهو شخصية موسوعية في حجم عطائه وإنجازاته، ويصعب كثيرا اختزاله في مقال، فنحن نذكر ملامح بسيطة من سيرته العطرة ومسيرته الحافلة بكل معاني العطاء، ما كتبناه هو القليل القليل وسيبقى أمامنا الكثير الكثير لنكتبه ونوثقه عن قائد سكن القلوب وأحبه شعبه مثلما أحبته الشعوب العربية والإسلامية. رحم الله فقيدنا الكبير ووالدنا.
عزاؤنا الوحيد أن من خلف رجالا لم يمت وقد ترك لنا الأمير الوالد رجالا وقادة وكان لنا في حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله ورعاه، خير خلف لخير سلف حمل الراية بجدارة واقتدار ويكمل مسيرة الوطن بكل تفان وإخلاص.
إننا نعاهد فقيد الوطن ونعاهد حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى أن نحفظ الوصية بالثبات على الحق مهما تبدلت الأيام والأحوال.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
5793
| 07 يوليو 2026
عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية، لا تحتاج التجارة العالمية إلى إغلاق الممرات البحرية حتى ترتفع تكاليف الشحن. فمجرد عودة التوترات كفيل بزيادة أقساط التأمين وارتفاع ما يُعرف بعلاوة المخاطر، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة نقل البضائع، حتى لو استمرت السفن في العبور بصورة طبيعية. وهذا ما نشهده اليوم مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، حيث بقيت الملاحة مستمرة، بينما لم تعد تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها السابقة. فالمشكلة اليوم لم تعد تتمثل في احتمال إغلاق المضيق بقدر ما تتمثل في استمرار حالة عدم اليقين، وما تفرضه من تكاليف إضافية تنتقل تدريجياً عبر سلاسل الإمداد إلى المستوردين، ثم إلى الأسواق، وصولاً إلى المستهلك النهائي. وفي قطر، لا يقتصر أثر هذه الزيادات على شركات الاستيراد، بل يمتد إلى قطاعات واسعة تعتمد على الواردات، مثل مواد البناء والتشطيب، والأثاث، والأجهزة المنزلية، والسيارات وقطع الغيار، وغيرها من السلع التي تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة المشروعات وتكلفة المعيشة. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن الحد من هذه الأعباء إلى أن تستعيد أسواق النقل البحري والتأمين استقرارها الكامل؟ قبل الإجابة، من المهم التفريق بين نوعين من الحلول. فهناك حلول استراتيجية بعيدة المدى، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز الأمن اللوجستي، وتقليل الاعتماد على أي ممر بحري واحد، وهي خيارات ضرورية لكنها تحتاج إلى سنوات من التخطيط والاستثمار. أما المرحلة الحالية، فتتطلب إجراءات تشغيلية سريعة ومؤقتة تحد من ارتفاع التكلفة وتحافظ على انسياب الواردات. ولعل أسرع هذه الإجراءات يتمثل في تشغيل ميناء حمد، والجمارك، والجهات الرقابية على مدار الساعة خلال الفترة الحالية. فكل يوم إضافي تقضيه الحاوية داخل الميناء يعني ارتفاعاً في تكاليف التخزين والتمويل، وتأخيراً في وصول البضائع إلى الأسواق. ولذلك، فإن تسريع دورة الإفراج عن الشحنات يعد من أكثر الوسائل فعالية في خفض التكلفة. ويأتي بعد ذلك تخفيض رسوم المناولة والخدمات المينائية بصورة مؤقتة لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، حتى تستعيد أسواق النقل البحري توازنها. كما يمكن إعفاء الحاويات التي تأخرت بسبب اضطرابات الملاحة من رسوم الأرضيات والتخزين، لأن هذه الرسوم ترتبت نتيجة ظروف استثنائية لم يكن المستورد مسؤولاً عنها. ومن الأفكار التي تستحق الدراسة أيضاً تشجيع المستوردين على حجز سعات الشحن بصورة جماعية. ولا يعني ذلك توحيد البضائع أو الموردين، وإنما توحيد القوة التفاوضية مع شركات الملاحة. فكلما ارتفع حجم الحجوزات، زادت القدرة على الحصول على أسعار أفضل، وأولوية في الحجز، وشروط نقل أكثر مرونة، وهو ما يفيد على وجه الخصوص الشركات الصغيرة والمتوسطة. كما قد ينعكس ذلك إيجاباً على تكلفة التأمين نتيجة تحسن شروط التفاوض. أما التأمين البحري، فقد أصبح يمثل جزءاً متزايداً من تكلفة الاستيراد. ومن هنا، يمكن لشركات التأمين المحلية أن تؤدي دوراً أكبر عبر التفاوض الجماعي مع شركات إعادة التأمين العالمية للحصول على شروط أكثر ملاءمة، مستفيدة من متانة الاقتصاد القطري واستقرار بيئته التشغيلية، بدلاً من تفاوض كل مستورد بصورة منفردة. ومن المناسب كذلك تشكيل فريق عمل لوجستي مؤقت يضم وزارة التجارة والصناعة، والجمارك، وميناء حمد، وغرفة تجارة وصناعة قطر، إلى جانب ممثلين عن شركات الملاحة والتأمين، لمتابعة تطورات سلاسل الإمداد بصورة يومية، والتدخل السريع لمعالجة أي اختناقات تشغيلية قبل أن تتحول إلى أعباء اقتصادية أكبر. وجميع هذه المقترحات يجمعها هدف واحد؛ فهي إجراءات استثنائية لمعالجة ظرف استثنائي، وليست تغييرات دائمة في السياسة الاقتصادية، وتنتهي تلقائياً عندما تعود تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها الطبيعية. أما الحلول الاستراتيجية، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، فهي تستحق نقاشاً مستقلاً، لأنها تعالج جذور المشكلة، بينما تعالج الإجراءات السابقة آثارها المباشرة. لقد أثبتت قطر في أكثر من مناسبة قدرتها على التعامل بكفاءة مع التحديات اللوجستية، بفضل بنيتها التحتية المتطورة ومؤسساتها القادرة على اتخاذ القرار بسرعة. واليوم، لا يحتاج الاقتصاد إلى برامج دعم واسعة، بقدر ما يحتاج إلى إجراءات تشغيلية ذكية ومؤقتة تخفف تكلفة وصول السلع إلى السوق المحلية، وتحافظ على تنافسية الشركات، وتحد من انتقال الضغوط التضخمية إلى المستهلك. فكل ريال يُوفَّر في تكلفة النقل أو التخزين أو التأمين ينعكس في النهاية على تكلفة المعيشة، ويعزز قدرة الاقتصاد على تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر، إلى أن تستعيد أسواق الشحن العالمية استقرارها الكامل. فالتعامل مع الأزمات لا يكون بردود الفعل فقط، بل بالاستعداد لها، وتقليل كلفتها، وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز كفاءة الاقتصاد ومرونته.
1536
| 11 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية هو بروز الحالة البالوجونية، نسبةً للاعب المنتخب الأمريكي: فولارين بالوجون. وهي حالةٌ تقوم على التعامل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم وكأنه دولة في القرون الوسطى يحكمها فرد كما يشاء دون اهتمام بقوانين أو أعراف أو مشاعر ومصالح وآمال الآخرين. فرغم ما كانت تتعرض له الفيفا سابقاً من انتقادات، إلا أنها ظلت محافظةً على الحد الأدنى لمظهرها كمنظمةٍ ترعى رياضة كرة القدم دولياً، وحرصت دائمًا على أن تكون الحكم العادل في الخلافات بشأن اللعبة ومبارياتها. ولم يكن أحدٌ يتوقع أن تبلغ التجاوزات حد الاستهانة العلنية بقوانين اللعبة وأخلاقياتها كما فعل رئيسها جياني إنفانتينو. كان على إنفانتينو، قبيل انطلاق البطولة، التأكيد على أن الرياضة هي النقطة التي تتوقف عندها التأثيرات السياسية، وهي المظلة التي تلتقي تحتها الشعوب وتتنافس بنديةٍ. ولكنه صمت عن التجاوزات بحق الحكام والإعلاميين والإداريين الذين منعوا من دخول الولايات المتحدة. وكان هذا الصمت ثم تبرير ما حدث بحجج واهية هو السبب في الانهيار النسبي لشعبية البطولة دوليًا، لأن معظم عشاق اللعبة أدركوا أن طعنةً أصابتها في صميم أخلاقياتها التي تجمعهم. يجب علينا القول إن الفيفا في عهد إنفانتينو أصبحت مظهراً للفردية الديكتاتورية في مجال كرة القدم، فكان إلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون أمام البوسنة، وإسقاط عقوبة الإيقاف عنه ليشارك في مباراة بلجيكا هو المظهر الأبرز لتلك الفردية. ومناقشة ذلك كمخالفةٍ قانونيةٍ هو أمرٌ يبعث على الملل والشعور بعدم احترام عقولنا، لأن رئاسة الفيفا هي الجهة التي ارتكبت المخالفة. ورغم الاحتجاجات الدولية، لم يقم إنفانتينو بتبرير الأمر أو تقنينه، وكأن قراره لا يمكن لأحد مناقشته أو الاعتراض عليه. ثم جاءت مباراة مصر والأرجنتين لتخبرنا بأن هناك مسارات غير رياضية أدخل فيها إنفانتينو كرة القدم، والتي تتمثل في جماعات ضغط اقتصادية تعمل في مجال المراهنات الدولية، وتعتمد على وجوب استمرار منتخبات بعينها في المنافسة بغضِّ النظر عن خسارتها الفعلية لو خضعت مبارياتها لتحكيم نزيه غير خاضع لإملاءات إنفانتينو الخاضع بدوره لجهات لها مصالح عظمى في عدم نزاهة التحكيم. المخالفات علنيةٌ وكثيرةٌ جدًا، وليست المشكلة في السكوت أو عدم السكوت عنها، وإنما هي أن الشكوى ترفع للفيفا، وتكون على الحكام، ولا توجد آلية تخضع رئاسة الفيفا نفسها للمحاسبة القانونية. ومع وقوفنا مع الاتحاد المصري في شكواه، وانتظارنا لما ستسفر عنه مطالبات أعضاء في البرلمان الأوروبي بالتحقيق مع إنفانتينو، لكننا، للأسف، ندرك جيداً أن الحالة البالوجونية ستستمر، ولا يمكن التحكم فيها. الحل، ليس في الشكوى وإنما في العمل على توسيع دور المحكمة الرياضية الدولية ليشمل النظر والحكم في الخلافات مع الفيفا والشكاوى ضدها. وهذا الأمر ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو واجبٌ على المختصين القانونيين في الرياضة لمنع استفحال الحالة البالوجونية التي تهدد لعبة الجماهير الأولى في العالم. كلمة أخيرة: البالوجونية، ليست سلوكياتٍ فرديةً، وإنما هي منظومةٌ أخلاقيةٌ فاسدةٌ تقتل الروح الرياضية، وتدمر الأمل في كون الرياضة عنصرًا يجمع الشعوب.
1482
| 12 يوليو 2026