رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- مهما كتبنا لن نستطيع حصر إنجازات الأمير الوالد
- حمد بن خليفة القائد الذي نصر فلسطين وانتصر للعرب
- في عهده تعلمنا أن المستحيل غير موجود تحت سماء قطر
- الأمير الوالد علمنا كيف نحول الحلم إلى حقيقة والطموح إلى إنجاز مبهر
- برؤيته الحكيمة صارت قطر محط اهتمام العالم ونقطة استقطاب للقادة
- الفقيد الكبير أرسى ركائز القوة الناعمة لقطر حتى أصبحت الأكثر تأثيرا
- القائد الذي أعطى شعبه بلا حدود وأعطى وطنه المجد والاستقرار والازدهار
- نهجه الحكيم جعل قطر ساحة للتلاقي والحوار ودبلوماسية الوساطة النزيهة
- التزامه بنهج الوساطة لم يثنه عن الانحياز لقضايا الشعوب العادلة
- مواقفه الساطعة من فلسطين تكتب بأحرف من ذهب في صفحات التاريخ
لم يكن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، قائدا فقط أو زعيما ورئيسا وحسب، بل كان كل ذلك، ففي شخصه اجتمعت كل صفات القيادة الاستثنائية وهو بالنسبة لأهل قطر الأب والأخ والصديق والمربي والمعلم، هو القائد الذي قاد قطر في مرحلة انتقالية من دولة صغيرة إلى دولة عصرية متطورة تتبوأ مكانة مرموقة إقليميا ودوليا وتتصدر مختلف المؤشرات والتصنيفات.
عندما يكون الحدث غياب فقيد الوطن الكبير تختلط مشاعر الحزن والألم بلوعة الفراق، وتتراكم الأفكار وتتسابق المعاني لرثاء قامة تاريخية يندر أن تتكرر، فالحديث عن خصاله وأعماله وإنجازاته وعطائه وأثره الطيب لا تكفيه كتب ومجلدات لوفاء حقه؛ لما قدمه وأعطاه بصدق وإخلاص للشعب والوطن، وهو عطاء لم يعطه أحد قبله.
لقد بنى الأمير الوالد نهضة قطر الحديثة وأرسى قواعد بنيانها وصنع مجدها وازدهارها، وكانت فترة حكمه على قصر مدتها الزمنية والتي لا تتجاوز العقدين من الزمن محطة تاريخية ونقطة تحول في تاريخ قطر، بل كانت في مجملها تاريخا قائما بذاته، انطلق سموه من البدايات المتواضعة لبناء الدولة بعزيمة صلبة وإرادة لا تعرف المستحيل.
كان الأمير الوالد، رحمه الله، يعمل على أكثر من قطاع في آن واحد وكأنه يسابق الزمن لإنجاز ما يطمح إلى تحقيقه في بناء قطر الحديثة وانطلق من أولوية بناء الإنسان الذي هو أثمن ثروات الوطن، معتبرا أن أساس بناء الإنسان هو التعليم، فانطلقت في عهده نهضة تعليمية شاملة بدأت مع تأسيس مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع وامتدت لتشمل مختلف مراحل التعليم من الروض والمراحل الابتدائية إلى التعليم العالي وصولا إلى افتتاح أحدث المنشآت التعليمية وأبرزها المدينة التعليمية التي تضم أعرق الجامعات العالمية حتى غدت الدوحة وجهة تعليمية يتهافت إليها طلبة العلم من دول العالم.
مشروع سموه في الاستثمار بالإنسان لم ينحصر في التعليم بل أيضا في الصحة انطلقت خطة عمل تقوم على أن الرعاية الصحية حق من حقوق الإنسان ولابد من توفير أفضل خدمات الرعاية الصحية لكل من يعيش على أرض قطر فازدهر في عهده القطاع الصحي وصار يضاهي وينافس خدمات الدول الأوروبية.
وإلى جانب التعليم والصحة كان هاجسه الكلمة الحرة والإعلام الحر فكانت أولى ثمار عهده الغاء وزارة الاعلام ودورها الرقابي المقيد لحرية الرأي وتأسيس قناة الجزيرة التي حررت الاعلام العربي من قيود التعبير من منطلق الرأي والرأي الآخر، وصارت شبكة عالمية ومنارة إعلامية تتابعها الكرة الارضية من مشرقها الى مغربها.
كان طموح فقيد الوطن ان يبني دولة عصرية بكل المقومات والركائز ولذلك بادر الى تشكيل لجنة لإعداد الدستور عام 2003 ومن ثم طرحه على الاستفتاء عام 2004 في اول استفتاء تشهده قطر في تاريخها وذلك ايمانا منه بأهمية مشاركة الشعب في بناء الدولة، وبعد أن اطمأن الى انطلاق دولة الدستور والقانون والمؤسسات ورسوخ أركانها، سعى بكل جهد وطموح الى بناء قطر المستقبل من خلال إطلاق رؤية قطر الوطنية 2030. والتي جعلت من قطر دولة عصرية تضاهي أعرق الدولة وأكثرها حداثة.
وبما أن الأمن والأمان أساس البنيان فقد أدرك الأمير الوالد منذ كان وليا للعهد أن استقرار الدولة وحمايتها لابد ان يستند الى قوات مسلحة مجهزة مدربة منظمة قادرة على تحمل المسؤولية ولذلك عمل على بناء القوات المسلحة بأفضل مقومات التدريب والتأهيل والتجهيز حتى أصبح حماة الوطن صقورا وفرسانا تحمي البلاد.
أينما وليت وجهك في الدوحة ستجد معلما وانجازا صنعه الأمير الوالد في مختلف القطاعات والمجالات، في عهده تعلمنا ان المستحيل غير موجود تحت سماء قطر وعلى ارضها، فالحلم كان يتحول الى حقيقة والطموح كان يترجم الى انجاز يبهر العالم، في عهده كنا ننام على انجاز لنستيقظ على انجاز اكبر وأكثر أهمية، حتى صارت قطر محط اهتمام العالم ونقطة استقطاب لزعماء العالم.
في مسيرة سمو الأمير الوالد برز اهتمامه بالشباب من منطلق ايمانه بقدراتهم وبأن أجيال اليوم قادة الغد وكان سباقا في الاستراتيجيات التي تبني الكوادر الوطنية وتطلق الكفاءات الشبابية، كما كان حريصا على الاهتمام بكل فئات المجتمع وخصوصا المرأة التي تبوأت في عهده أعلى المناصب وتسلمت أول حقيبة وزارية. كما أنه اشتهر بقربه من الناس وتواصله الدائم مع أبناء مجتمعه الى درجة ان الجميع يحدثونك كيف استوقفهم وكيف تحدث معهم واطمأن عليهم، مما جعله في مرتبة عالية في قلوب ووجدان اهل قطر.
ومن خلال نظرته الثاقبة ورؤيته الحكيمة ادرك الأمير الوالد أهمية الرياضة للشباب ودور الرياضة في حياة الشعوب والمجتمعات ولذلك بنى منظومة رياضية متكاملة، وكان أول زعيم عربي يبادر الى المنافسة على استضافة مونديال قطر، وكان الجميع يشكك بإمكانية الوصول الى هذا الحلم لكنه نجح في الرهان وفازت قطر باستضافة مونديال2022 لأول مرة في تاريخ الشرق الأوسط.
وفي عهده شهدت قطر اعظم مشاريع الطاقة والصناعة وأصبحت قطر من اكبر مصدري الغاز المسال في العالم وانطلقت النهضة العمرانية والمدن الحديثة التي تضاهي المدن العالمية، كان يبني ويعمل بلا كلل وملل لأجل توفير الحياة الكريمة لشعبه حتى اصبح المواطن القطري نموذجا يقتدى به. وكانت ثمار ذلك الجهد تصدر قطر المؤشرات والتصنيفات العالمية في جودة الحياة ورفاهيتها.
ولعل ما يميز نهج سمو الأمير الوالد أنه قاد سياسة التوازن في كل شيء فبقدر ما اهتم ببناء المجتمع والدولة الحديثة بقدر ما كان حريصا على العطاء لأمته العربية وكانت أيادي قطر البيضاء تغطي مساحة العالم بالأعمال الإنسانية والاغاثية. واستطاع أن يصنع نهجا فريدا في السياسة الخارجية يقوم على الالتزام بقضايا الامتين العربية والإسلامية وعلى رأسها قضية فلسطين، وفي الوقت نفسه كان منفتحا على العالم من منطلق ان الحوار افضل من النزاع؛ مما ممكنه من جعل الدوحة عاصمة للحوار والتلاقي بين مختلف الدول. حتى ذاعت شهرة قطر كوسيط نزيه وصارت قطر جزءا من الحل في أي نزاع وليست جزءا من المشكلة او سببا لها. مما مكنه من جعل قطر ذات قدرة على التأثير بفضل القوة الناعمة التي انفردت بها قطر.
هذا النجاح الكبير في دور الوسيط لم يؤثر يوما على مواقف الأمير الوالد بل زاده ايمانا والتزاما بنصرة الشعوب والقضايا المحقة والعادلة، ولذلك كان انحيازه لفلسطين وقضيتها العادلة ولشعبها غير خاضع للمساومات والتسويات. وقد كانت مواقفه الساطعة تجاه فلسطين تسطر وتكتب بأحرف من ذهب في صفحات التاريخ العربي، ولم يدع مناسبة لدعم فلسطين إلا وكان سباقا بالمبادرة والسعي لأجلها، وكان الفقيد الكبير الزعيم العربي الوحيد الذي اتصل هاتفيا مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عندما حاصرته الدبابات الإسرائيلية في المقاطعة عام 2002 بما يعكس التزامه بالقضية الفلسطينية وإيمانه بأنها تمثل قلب الأمة العربية، وفي هذا السياق نذكر سعيه الدؤوب لاستضافة قمة عربية لنصرة غزة في الدوحة، وكيف قام عام 2012 بكسر الحصار على غزة وانفرد بكونه الزعيم العربي الوحيد الذي قام بزيارة ميدانية الى قطاع غزة مع تقديم دعم سياسي ومادي شمل مشاريع تقدر بحوالي 400 مليون دولار.
وكذلك كان لفقيد الوطن صاحب السمو الأمير الوالد وقفة خالدة في تاريخ لبنان وذاكرة اللبنانيين، حيث قاد سياسة لم يسبق ان عرفها لبنان في تعامله مع أي دولة، فقد كان معظم الرؤساء والقادة يتعاملون مع لبنان من منطلق اجنداتهم ومصالحهم، بينما كان وحده من يتعامل مع لبنان كوطن ودولة وليس مع هذا الفريق او ذاك الفريق، كان يقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف والأحزاب والطوائف وكان يصر على ان مصلحة لبنان في اجتماع اللبنانيين وتوحدهم وليس في تفرقهم وتنازعهم، وكان اول زعيم عربي يزور الضاحية الجنوبية لبيروت التي أصيبت بدمار حرب 2006. وكان صاحب الأيادي البيضاء في إعادة اعمار ما دمرته إسرائيل من قرى في جنوب لبنان، حتى صار شعار اللبنانيون الدائم شكرا قطر.
أولوية سموه كانت دوما الانتصار لقضايا الشعوب العربية ودعمها من منطلق إيمانه بأن الأمة العربية جسد واحد اذا اشتكى منها عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.
الأمير الوالد كان قامة بحجم وطن وقائدا قلما يجود التاريخ بمثله فهو شخصية موسوعية في حجم عطائه وإنجازاته، ويصعب كثيرا اختزاله في مقال، فنحن نذكر ملامح بسيطة من سيرته العطرة ومسيرته الحافلة بكل معاني العطاء، ما كتبناه هو القليل القليل وسيبقى أمامنا الكثير الكثير لنكتبه ونوثقه عن قائد سكن القلوب وأحبه شعبه مثلما أحبته الشعوب العربية والإسلامية. رحم الله فقيدنا الكبير ووالدنا.
عزاؤنا الوحيد أن من خلف رجالا لم يمت وقد ترك لنا الأمير الوالد رجالا وقادة وكان لنا في حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله ورعاه، خير خلف لخير سلف حمل الراية بجدارة واقتدار ويكمل مسيرة الوطن بكل تفان وإخلاص.
إننا نعاهد فقيد الوطن ونعاهد حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى أن نحفظ الوصية بالثبات على الحق مهما تبدلت الأيام والأحوال.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10668
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3669
| 10 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
3225
| 13 سبتمبر 2026