رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هو وبحق وزير خارجية من طراز نادر, وسيذكره التاريخ طويلا كأحد أهم أعلام الدبلوماسية في العالم خصوصا الدبلوماسية التي تسعى بصدق لترسيخ الأمن والسلم العالميين بعيدا عن الأزمات والحروب, وبعيدا عن مغامرات الساسة التي تجر العالم إلى ويلات الحروب.
كقائد دبلوماسي عالمي الرجل كان مؤهلا لذلك فدراسته كانت في واحدة من أفضل الجامعات في العالم كما أنه كان محظوظا حين تعلم أكثر من ذلك من زعيم مسلم وعربي كان علما في السياسة الخارجية لعقود وهو والده الملك الراحل فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله.
درس الاقتصاد في جامعة برنستون في ولاية نيوجيرسي في الولايات المتحدة وبجوار مقر الأمم المتحدة في نيويورك حيث كان ولا يزال رسم الأحداث العالمية وتصارع الدول لتحقيق المصالح, لهذا كان خبيرا في كيفية صناعة القرار العالمي والأمريكي.
ولهذا وعلى سبيل المثال لم تخب رؤيته ذات يوم حين استغرب من رغبة الولايات المتحدة في الحكم المباشر للعراق بعد سقوط نظام صدام حسين العام 2003، حين استغرب في حينه كيف سيستطيع جنرال أمريكي أن يحكم قبائل عريقة كشمر والظفير والدليم وغيرها, وتوقع في ثنايا ذلك الفشل وهو ما حصل بالفعل حيث فشلت الولايات المتحدة عبر جنرالاتها في حكم العراق, وغادرت بعد أن حولت هذا البلد العريق إلى ساحة حرب إقليمية لا يزال الجميع يُلسع بنارها, وهي النار التي لم تكن لتندلع بالأصل لو اتبعت الولايات المتحدة ما نادت به السعودية والأمير سعود الفيصل تحديدا بنصائح بعدم التدخل المباشر في العراق وترك الأمر لتغيير من داخل نظام صدام حسين .
طوال أربعة عقود كان الأمير سعود الفيصل بحق مدرسة متفردة في الدبلوماسية العالمية والعربية، فالرجل رسخ سياسة الوضوح والمباشرة في الطرح من دون تضييع الوقت في الألعاب السياسية التي كانت تسود في الدبلوماسية العالمية بسبب صراع النسر الأمريكي مع الدب الأمريكي. كما واجه بسياسة الأمر الواقع وحقائق الأرض العنتريات والمعارك اللفظية التي كانت سائدة بين الدول العربية في صراعاتها التي لا تنتهي.
لم يكن في أسلوبه مهينا أو جارحا لأحد خلال زياراته المكوكية لدعم قضية معينة أو لمنع اندلاع أزمة متوقعة, لكنه كان واقعيا إلى درجة الصدمة أو الدهشة فهو يعرف متى يتكلم بود ومتى يكون واضحا في عباراته كي لا تحمل ما لا تحتمل.
لهذا كانت السعودية تواجه خلال تاريخها بحملات دبلوماسية وإعلامية قاسية ومتجنية من أجل تغيير هذا النمط الواضح والمنطقي من السياسة الخارجية التي مارسها سعود الفيصل والتي لم تترك فرصة للمزايدين ليخفوا حقيقة نواياهم في المناطق الضبابية.
في غزو الكويت تألق سعود الفيصل كثيرا حين تصدى لألاعيب صدام حسين ووزير خارجيته الثعلب طارق عزيز، ولا عجب فهذه المعركة الدبلوماسية التاريخية أدارها من الجانب السعودي الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله وسعود الفيصل بحنكة ومهارة جعلت من صدام حسين يندم أشد الندم على قيامه بخداع السعودية بحقيقة موقفه حين طمأن الأمير سعود الفيصل خلال زيارة الأخير لبغداد قبيل الغزو بأيام وبين له أن العراق لن يغزو الكويت.
وفي تلك المرحلة كان هناك تنسيق عالي المستوى بين عميد وزراء الخارجية في العالم آنذاك الشيخ صباح الأحمد أمير الكويت الحالي وبين الأمير سعود الفيصل ما جعل هذا الثنائي يقود -كل في مجاله- معركة تحرير الكويت دبلوماسيا عبر محاصرة كل الألاعيب العراقية ووأدها.
من معركة دبلوماسية إلى أخرى كان الأمير سعود الفيصل ينتقل بكل مهارة وغير تنسيق عال مع وزراء دول مجلس التعاون الخليجي الأمر الذي جعل دول الخليج العربي تتجنب أزمات حقيقة تهدد استقرارها.
ومن ذلك ما قامت به السعودية عبر الأمير سعود الفيصل والدبلوماسية السعودية من حملات عدة لتجنيب السعودية الهزات الارتدادية لزلزال الحادي عشر من سبتمبر حين شارك 15 سعوديا في هجمات نيويورك وواشنطن, وحين حاولت إسرائيل واللوبي الصهيوني في واشنطن استغلال ذلك لتحجيم السعودية وتقزيم دورها في المنطقة من أجل مرحلة جديدة من الهيمنة الإسرائيلية, وهو ما لم يتم بالطبع بسبب فطنة الأمير سعود الفيصل ومعه وزراء خارجية عديدون انتبهوا لحجم المؤامرة وتعاملوا معها بصبر وأناة وهدوء ودهاء.
وفي مرحلة الربيع العربي الذي انطلق من قلوب محطمة بسبب الظلم والقهر والذي وللأسف استغل لاحقا لأهداف جاوزت طبيعته، كان للأمير سعود الفيصل دور مهم ضمن السياسة الخارجية السعودية للتصدي للتدخلات الإيرانية في المنطقة, وهي التدخلات التي أرادت منها إيران استغلال ظروف المنطقة وآلام شعوبها لتحقيق مصالحها الخاصة وأهمها تحقيق مكانة إقليمية مؤثرة لإيران تفيدها لاحقا في مفاوضات الملف النووي والذي كان آخذا في التصاعد وكان مرشحا ليكون سببا لتدخل دولي ضد إيران.
في سوريا تم فضح الدور الإيراني المدمر والذي كان السبب الرئيسي في تحول المظاهرات الشعبية في سورية من مطالبات سلمية إلى حرب أهلية حين رد النظام السوري الذي يحظى برعاية إيرانية على تلك المظاهرات بسيل لم يتوقف من المذابح .
وكم كان مؤثرا وصادما للعالم رفض السعودية لعضوية مجلس الأمن الدولي حين ذكر الأمير سعود الفيصل أن هذا المجلس فشل في ممارسة دوره المقرر في منع المذابح في سورية وفي وقف ما يتعرض له الشعب السوري من مآس.
واستمر الأمير سعود الفيصل في مواجهة الأطماع الإيرانية التوسعية حتى وهو يعاني المرض ولا يكاد يمشي إلا بعربة خاصة يستند عليها بذراعيه, ولا يكاد حتى يستطيع الحديث, ففي ملف سورية تصدى على الفور لكلمة للرئيس الروسي فلاديمير قرأها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي شفهيا خلال القمة العربية في شرم الشيخ، فعقب الأمير سعود الفيصل على كلمة بوتين فبدأ بنقل تحيات خادم الحرمين الشريفين ليبين أنه يتكلم باسم الملك وأنه يرد على المستوى نفسه الذي تحدث فيه بوتين، ثم فند الأطروحات الروسية ورد عليها ولم يترك لكلمة بوتين أي أثر في أوساط المؤتمر.
هذا التدخل غير المعد له من الأمير سعود الفيصل أحبط المناورة الروسية التي كانت تهدف للتسويق للرئيس السوري بشار الأسد مرة أخرى عربيا وعالميا.
على المستوى الإنساني عُرف الأمير سعود الفيصل بعفة اللسان فلم يسبق أن صدرت عنه طوال أربعين سنة من الدبلوماسية أي إساءة لشخص أو مسؤول في دولة أخرى رغم ما كانت تتعرض له السعودية وما يتعرض له شخصيا من حفلات شتائم في الإعلام العربي الثورجي .
كما عرف بالتعامل الراقي مع الجميع حتى مع خصومه السياسيين ما جعله ذا شخصية تحظى بالتقدير دوما وهو أمر يصعب في ظل حدة الصراعات الدولية.
واشتهر الأمير سعود الفيصل بالعبارات الطريفة ذات المغزى خلال المؤتمرات الصحفية والمؤتمرات ومن ذلك حين حاصره الصحفيون في أحد المؤتمرات في الكويت من أجل تصريح صحفي وكان ذلك في شهر رمضان فرد عليهم وهو يغادر المؤتمر بالآية القرآنية "إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا"، ( الآية 26 سورة مريم ) فاختلطت حينها صدمة الصحفيين بضحكاتهم بسبب قدرة الأمير سعود الفيصل ولباقته وطريقته في الاعتذار عن التصريح .
وحصل خلال مؤتمر صحفي جمعه بوزير الخارجية الأمريكي جون كيري وكان ظهوره الأول في عربه يستند عليها للمشي أن مازح الصحفيين بالقول "من يسابقني بهذه العربة.... هل من مبارز"؟
والأمير سعود الفيصل اشتهر عنه في وزارة الخارجية السعودية أنه كان يزور المرضى من موظفي الوزارة بشكل شخصي ومن دون تحضيرات أو مرافقين أمنيين ومن دون نشر خبر عن الزيارة.
الحديث عن الأمير سعود الفيصل لا ينتهي فللرجل مواقف ومقولات وقصص لا تنتهي سواء على مستوى العمل الدبلوماسي الذي امتهنه، أو على مستوى العمل البيئي حيث كان عضوا فعالا في هيئة الحياة الفطرية حيث ترجم خلال ذلك حبه الشديد للحياة الفطرية.
رحم الله الأمير سعود الفيصل فقد ترك للأجيال المقبلة مثالا يحتذى في مجالات عدة، وستتذكر الدبلوماسية في العالم طويلا أحد أهم رموزها وفرسانها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3342
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1197
| 01 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
1023
| 06 أكتوبر 2026