رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
على الرغم مما أثارته من مشكلات خلال فترة وجودها فى منصب وزيرة الخارجية الأمريكية، تبدو هيلاري كلينتون المرشح الأقرب للفوز بتزكية الحزب الديموقراطي لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة (نوفمبر 2015).
هذا وكانت هيلاري قد لفتت اهتمام المتابعين لقدراتها السياسية فى العام 2008، حينما دخلت في منافسة مع الرئيس الحالي باراك أوباما على ترشيح الحزب الديموقراطي، ورغم فشلها في التغلب عليه، إلا أنها تم اختيارها لاحقا لشغل منصب وزيرة الخارجية استغلالا لشعبيتها التي ظهرت بوضوح خلال هذه المنافسة، ورغم استقالتها من منصبها في العام 2013، إلا أنها عادت إلى الأضواء معلنة ترشحها للرئاسة لتحصل على دعم الرئيس الأمريكي، الذي وصفها بأنها ستكون صاحبة رؤية واضحة بخصوص مستقبل الولايات المتحدة.
صحيح أن منافسة قوية سيتعين على هيلاري أن تخوضها مع بقية المترشحين من داخل الحزب الديموقراطي لتمثيله في الاستحقاق الرئاسي، إلا أن الكثير من المحللين يرون أن فرصة هيلاري تبدو كبيرة في الفوز بثقة الحزب، وفقا لاستطلاعات الرأي التي أظهرت نجاحها في التقرب من المواطنين العاديين، وحجم الدعم الذي تحظى به من مؤسسات عديدة في البلاد، فضلاً عن كونها حال نجاحها ستكون أول امرأة تتولى منصب الرئاسة في الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي يشعر معه الأمريكيون أنهم تأخروا فيه عن دول كثيرة، وتنتظره الكثير من الأمريكيات المتحمسات لفكرة تولى امرأة للمنصب الأهم في العالم.
ولن تكون المنافسة الحزبية الداخلية هي الصعوبة الوحيدة أمام المرشحة الديموقراطية، فالديموقراطيون بشكل عام أمامهم خصوم أقوياء من الجمهوريين الذين يمثلون أغلبية في الكونجرس وفي مجلس الشيوخ، كما أن مرشحا من بيت رئاسي مثلها (جيب بوش) يمكن أن يكون منافسها النهائي في الانتخابات الرئاسية.
هذا وقد أثارت هيلاري كلينتون أزمتين على الأقل خلال فترة انضمامها للفريق الرئاسي لباراك أوباما، الأولى متعلقة بهجوم بني غازي الشهير، والثانية متعلقة بأزمة الرسائل الإلكترونية. فوقت أن كانت تشغل منصب وزيرة الخارجية وقع هجوم كبير على مقر القنصلية الأمريكية ببني غازي، أسفر عن مقتل أربعة أمريكيين من بينهم السفير كريس ستيفنز، واثنان من عناصر وكالة الاستخبارات المركزية. حينها غمرها الجمهوريون بعاصفة من الاتهامات بعدم اتخاذ إجراءات كافية لضمان سلامة المواطنين الأمريكيين، ما اضطرها إلى إعلان مسؤوليتها عن عواقب الهجوم وتحملها مسؤوليته السياسية، ثم لم تلبث أن تقدمت باستقالتها لاحقاً.
أما الأزمة الثانية فقد ثارت هي الأخرى في أعقاب هجوم بني غازي، حين كشفت صحيفة التايمز أنه خلال تولي هيلاري كلينتون لمنصب وزيرة الخارجية، استخدمت حساب بريد إلكتروني خاص بدلاً من الحساب التابع للحكومة الأمريكية في إجراء جميع اتصالاتها سواء الخاصة بها أو المتعلقة بوزارة الخارجية. وقد أثارت هذه الأزمة الكثير من الجدل حول المخاطر الأمنية التي قد تكون هيلاري كلينتون قد أثرت بها على الأمن القومي الأمريكي. كما امتدت آثار هذه الأزمة لتصل إلى الرئيس أوباما نفسه، وذلك بعد أن تأكد أنه كان على علم بأن هيلاري استخدمت بريدا إلكترونيا خاصا لأغراض العمل الحكومي.
وقد أربكت قضية البريد الإلكتروني حسابات كلينتون بشأن الترشح في انتخابات الرئاسة المقبلة، حيث استغلها الجمهوريون لإثارة مزاعم بأنها كانت تحاول تجنب الشفافية، وكانت لجنة تابعة للكونجرس تحقق في الهجمات على القنصلية الأمريكية في بنغازي قد أصدرت مذكرة للكشف عن رسائل البريد الشخصي الخاص بهيلاري كلينتون، ما اضطر الأخيرة إلى تسليم كافة رسائلها الخاصة لفحص محتواها، ولكن هذا لم ينه الأزمة فقد اتهمها الجمهوريون لاحقا بمحو رسائل مهمة، مطالبين إياها بتسليم الخادم الخاص ببريدها الشخصي (Server) لفحصه واسترجاع أي رسائل قد تكون قد محيت من عليه بتاريخ سابق، الأمر الذي رفضته كلينتون بشدة، فما كان من رئيس اللجنة المكلفة بالتحقيق في الهجوم "تري جودي" إلا أن أكد أنها ستستدعى للمثول أمام اللجنة لتوضيح هذه المسألة.
وقد تراجعت كلينتون عن الاستمرار في مواجهة الكونجرس والجمهوريين عندما اعترفت بأنه كان من الأفضل لو أنها استخدمت حسابا بريديا خاصا بالتراسل الرسمي، ولو أنها حملت هاتفا نقالا آخر خاصا بالاستخدام الرسمي، ولكنها على الجانب الآخر أكدت إن تحقيقات الكونجرس بشأن الأزمتين (هجوم بني غازي، وأزمة الرسائل) لن تردعها عن السعي إلى الرئاسة. مؤكدة أنها وإن كانت "مسؤولة عن سلامة موظفيها" إلا إن المسائل المتعلقة بالإجراءات الأمنية لم تكن في نطاق اختصاصها.
من جانبهم يسعى الجمهوريون بكل ما لديهم من قوة لاستغلال مضمون هذه الرسائل لإدانة هيلاري تمهيدا لاستبعادها من سباق الرئاسة أمام مرشحهم المزمع، كما تعتزم اللجنة التابعة للكونجرس ذي الأغلبية الجمهورية إجراء جلسة استماع حول نفس هذه القضية لوزيرة الخارجية السابقة، ومن المتوقع أن يتوقف على نتائج هذه الجلسة المستقبل السياسي لهيلاري كلينتون، وبيان حظوظها في استكمال مشوار الترشح من عدمه.
وإذا قدر لكلينتون أن تنجو من مقصلة الجمهوريين في الثامن عشر من الشهر الجاري - تاريخ عقد لجنة الاستماع لشهادتها- فإن هذا سيستدعي إلقاء الضوء على مواقفها الخاصة بالمنطقة، وفق ما أفصحت عنه في مذاكراتها الشخصية التي أصدرتها تحت اسم "خيارات صعبة" والتي سنستعرض بالتحليل أجزاء منها لاستشراف المسار الذي يمكن أن تسير فيه العلاقات الأمريكية الشرق أوسطية في الفترة المقبلة، إن استمرت الإدارة الأمريكية ديموقراطية التوجه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8697
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2502
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1473
| 25 أكتوبر 2026