رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عادة ما يصل العسكريون إلى مواقع السلطة في أعقاب الانقلابات وليس في أعقاب الثورات الشعبية، ولكن يحدث في مصر أن البعض يطالبون العسكر بالاستيلاء على السلطة بعد أن قامت الجماهير وليس الجيش بثورة مدنية وسلمية شهد لها العالم أجمع. هذه المراهقة السياسية ليست فقط بمثابة محاولة لإفشال الثورة المصرية والانحطاط بها إلى مستوى الانقلابات العسكرية، ولكنها أيضا دفع بالبلاد إلى حالة استبدادية، تشبه تلك التي تحدث عنها المفكر توماس هوبز في كتابه التنين، مرجع الأنظمة المستبدة في العالم كله.
وهوبز لمن لا يعرفه هو مفكر انجليزي صاغ في القرن السابع عشر مؤلفات سياسية وقانونية، وضع فيها أسس نظريته عن النشأة الافتراضية للدولة الحديثة، وتذهب هذه النظرية إلى أن الناس كانوا في مرحلة ما قبل الدولة يعيشون حياة يملؤها الضنك والخوف، بفعل عدم وجود سلطة سياسية عليا تفرض القانون على الجميع. وتحت وطأة هذه الحالة اجتمع الأفراد وقرروا التنازل عن كافة حرياتهم وحقوقهم لصالح حاكم واحد، لكي يقوم بتوفير الأمن لهم، ولكنه لم يكن ملتزما أمامهم بأي شيء آخر، وذلك لسببين، الأول: لأنه لم يكن طرفا في العقد الذي تنازل بموجبه الناس عن حرياتهم وحقوقهم لصالحه، والثاني، أنه الضامن الوحيد ــ حتى في حال استبداده أو فساده ــ ألا تصبح الدولة في مهب الفوضى من جديد. وهكذا أوجد الناس ديكتاتورا، يتصرف فيهم كيفما يشاء، ولا يلتزم تجاههم بأي شيء، اللهم إلا توفير الأمن، وحتى لو قصر في هذا الأمر، فإنه لا يكون في مقدور الأفراد الثورة أو الانتفاضة عليه لأنهم بذلك يغامرون بعودة حالة الفوضى الأولى.
ما يقوم به الداعون لعودة العسكر لقيادة البلد هذه الأيام يصنع دولة من الطراز الهوبزى، فقياسا على نظرية هوبز، فإن الموكل، وهو في هذه الحالة وزير الدفاع وقائد القوات المسلحة، ليس طرفا في هذا التعاقد أو التفويض، وعليه يكون، حال قبوله لهذه الصفقة، في حل من أي التزامات تجاه من وكلوه، لأن هؤلاء لم يهتموا أصلاً بأن يحتفظوا لأنفسهم بقدر من الحقوق إزاءه، وراهنوا فقط على قدرته على استعادة الأمن ودرأ خطر الفوضى، الأمر الذي يدفع بالبلاد مرة أخرى في اتجاه الاستبداد المطلق الذي لم تكد تستفق منه أصلاً.
ولكن بعيدا عن هذه المقاربة الفلسفية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن فعلياً للجيش أن يمارس الحكم في مصر؟
إن الخبرة السياسية للجيش ليست أمرا مضموناً، فقد مارس المجلس العسكري العمل السياسي على نحو أو آخر خلال الفترة الانتقالية، ولم يكن أداؤه على ما يرام، بل وسجلت عليه العديد من النقاط السلبية، كما أن معادلة الأمن في مقابل السلطة، لا تتضمن حلولاً سحرية للأزمات السياسية التي تأخذ بخناق البلاد، خاصة أن اعتماد الجيش على حكومة من العسكريين لن يمثل حلاً فعالاً في ضوء ضعف الخبرة الفنية للعسكريين في المهام التنفيذية، أما تشكيل حكومة مدنية تعمل في ظل سلطة من العسكريين فسوف يولد بدوره حالة من التضارب في الأهداف وفي برامج العمل.
ويرتبط بالعقبة السابقة عقبة الخطاب السياسي، فالملاحظ أن القيادات العسكرية لا تمتلك القدرة على صياغة الخطاب الذي يستطيع استيعاب طموحات الجماهير، خاصة من بين فئة الشباب، والذين يشكلون الفئة الأكبر في التركيبة العمرية للشعب المصري. هذه الفئة لم يعد يستهويها الخطاب العسكري القائم على الأمر والتوجيه، وتفضل نوعية الخطابات المدنية القائمة على الحجة والإقناع.
ويرتبط بهذه النقطة إشكالية تراجع الأفكار الكبرى ذات الطابع الشعبوي، والتي كانت الأنظمة العسكرية في الخمسينيات والستينيات تعول عليها من أجل حشد الجماهير. الآن لم يعد بمقدور القيادات العسكرية استعادة مثل هذا النوع من الخطابات السياسية، التي كانت في سياق معين قادرة على توفير غطاء من الشرعية لنمط حكمها الاستبدادي.
أما من ناحية الأداء الاقتصادي للجيش، فمن المعلوم أن المؤسسات العسكرية لا تفضل سياسات التنافس السوقي، وتعتمد في أدائها الاقتصادي إما على سياسات التأميم، أو على المساعدات المقدمة لها من الأنظمة الدولية الحليفة، وكلا البديلين تعترضه صعوبات جمة في المرحلة الراهنة، فالدول الكبرى التي كانت مستعدة في الماضي لمساعدة الأنظمة العسكرية تبدو الآن أقل حماسا للعب نفس الدور، كما أن بديل التأميم على المستوى الداخلي من شأنه أن يضعف من الأداء الاقتصادي ويؤدي إلى هروب رؤوس الأموال.
أما عن مؤهلات القيادة عند رجال الجيش في هذه المرحلة فليست في أفضل أحوالها أيضا، خاصة أن المؤسسة العسكرية، مثلها مثل بقية مؤسسات الدولة، شهدت حالة من التجريف وإبعاد المواهب على مدار فترة حكم النظام السابق، الأمر الذي يجعل من فكرة تولي أحد العسكريين للحكم في هذه المرحلة أمرا محفوفا بالصعوبات، إذ تعاني المؤسسة العسكرية شحا في القيادات الكاريزمية، القادرة على إلهام الجماهير، أو إلهاب حماستها.
وحتى الوظيفة الأمنية والتي يفترض معظم مؤيدي العسكر أن الجيش قادر على القيام بها، أحاطت بها العديد من الشكوك في الفترة التي تولى فيها المجلس العسكري تسيير شؤون البلاد، فطبيعة تدريبات الجيش وطبيعة تسليحه لا تؤهله لحفظ الأمن الداخلي، فالجيش في التحليل الأخير لا يمكنه أن يحل محل قوات الشرطة، ويتذكر معظم المصريين ما حدث خلال أحداث ماسبيرو عندما ترتب على حالة الكر والفر بين قوات الجيش والمواطنين، أن تعرض عشرات المتظاهرين للدهس تحت جنازير المركبات الساحقة.
وأخيرا وليس آخرا فإن الأوضاع الدولية ليست في صف العسكريين، فقد انتهت أجواء القطبية الثنائية، التي كانت بمثابة الداعم السياسي والاقتصادي للأنظمة العسكرية في العالم، وأصبح النظام الدولي الحالي يرفع شعارات الديمقراطية الرأسمالية وحقوق الإنسان، وعليه فإنه لن يستطيع، على الأقل على المستوى المعلن، أن يجاهر بتأييده لحكومة عسكرية تتولى الحكم عن طريق الانقلاب على سلطة مدنية منتخبة.
يبقى القول إن انصراف الجيش للعمل السياسي يبعده عن مجالات تميزه الحقيقية، ويقلل بالضرورة من كفاءته القتالية واستعداده للحروب، وعلى الجانب الآخر فإن عسكرة الدولة تقضي على الجانب المدني وتخلخل الجوانب الاجتماعية فيها. وقد صار من حقائق التاريخ أن الأنظمة العسكرية تخلف رصيدا من الانتصارات وربما أيضا الهزائم العسكرية، ولكنها لا تخلف تراثا ثقافيا أو اجتماعيا، والمثال الذي يطرحه المؤرخون في هذا الصدد يرتبط بالميراث الذي خلفته كل من أثينا واسبرطة، فالقوة العسكرية المتميزة وفنون القتال هي كل ما خلفته الأخيرة، أما أثينا، والتي كانت دوما رمزا لحكم الشعب الحر، فقد خلفت التراث الأساسي الذي بنت عليه أوروبا نهضتها الثقافية والاجتماعية.
الجماعات المسلحة من غير الدول
في الوقت الذي يسلط فيه الإعلام العالمي الضوء على تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف إعلاميًا باسم داعش)، وغيره من... اقرأ المزيد
2311
| 13 يناير 2016
العنف مؤذِّن بضياع الاستقرار
من الشائع أن تعوِّل أنظمة الاستبداد على العنف كأداة للحفاظ على استقرارها ومكاسبها السياسية، وذلك لما تعتقده هذه... اقرأ المزيد
927
| 06 يناير 2016
العلمنة الشاملة وعنف الدولة
يثير العنف الأهوج الذي تمارسه أنظمة الاستبداد بحق مواطنيها العديد من الأسئلة، فضلاً عما يثيره من استنكار وتقزز... اقرأ المزيد
828
| 30 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
4872
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2619
| 08 سبتمبر 2026