رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بكلمات قليلة عبرت عن الخوف وربما الإحباط أكثر مما عبرت عن التفاؤل المفترض في مناسبة مثل الإعلان عن تشكيل وزاري جديد؛ قال رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك أن "التشكيل الوزاري الجديد، قام على توافق سياسي، عبر نقاشات لمدة 3 أشهر، بغرض المحافظة على السودان من الانهيار". فالانهيار لم يقل به معارضو حمدوك، وإنما جاء على لسان رأس أعلى سلطة تنفيذية في البلاد.
ورغم أن حمدوك قد وصف حكومته بأنها تضم أكبر تحالف سياسي مر على البلاد، إلا أنها لا يبدو معنية بأولوية وضرورة علاج مشكلات البلاد الملحة، والتي تتمثل في تردي الأوضاع الاقتصادية وغلاء المعيشة. إذ أنها مثلت المحاصصة الحزبية في أبشع صورها، فلم يكن هناك مجال لإفساح المجال أمام الكفاءات والخبرات التي تزخر بها البلاد، زمن ثم تتضاءل الآمال في قدرة هذه الحكومة على التصدي للتحديات الخطيرة التي تواجهها، والعبور بفترة الانتقال السياسي الهشة أصلا.
الأمر المحبط للسودانيين أن التشكيل الجديد ليس جديدا بالكامل، لا من حيث الشخوص، لاسيما رئيس الحكومة، ولا من حيث البرامج والسياسات التي هي مرتبطة بالضرورة بخبرة وعقلية رئيس الوزراء الذي لم يتغير. لقد تضمن التشكيل بقاء 5 وزراء فضلاً عن رئيس الوزراء نفسه. ولو لا الفشل الكبير الذي غاصت فيه حكومة حمدوك السابقة لما تمنى الناس تغييراً كاملاً للطاقم القديم بما في ذلك رئيس الوزراء.
لقد قاد حمدوك وزارته السابقة بدون برامج وسياسات واضحة تحكمها فترة زمنية محددة، واتسم أداء الرجل بالتردد وبطء اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب والتعاطي السريع مع المشكلات والأزمات المتجددة، وبقيت حكومته السابقة عرجاء لأكثر من 6 أشهر بعد أن طلب من 7 من وزراء، يشغلون وزارات أساسية، تقديم استقالاتهم في يوليو الماضي وهم وزراء الخارجية، والمالية، والطاقة، والزراعة، والنقل، والثروة الحيوانية، والصحة، بالاستقالة ولم يكن يمضي على تعيينهم أكثر من 10 أشهر. وبينما قدم 6 وزراء استقالاتهم رفض وزير الصحة تقديم استقالته ودخل في مشادة كلامية مع حمدوك الذي اضطر لإصدار قرار بإقالته.
وربما كان ذلك الوزير أكثر شجاعة في التعبير عن أن الفشل لا يجب أن يتحمله البعض، بينما يسقط عن الباقين بما في ذلك رئيس الحكومة. فإن ثبت فشل سياسات الحكومة، لاسيما تلك المتعلقة مباشرة بمعاش الناس وهذا ما حدث بالفعل، فإن رئيس الوزراء يتحمل بالضرورة وزر هذا الفشل وبالتالي كان عليه أن يتقدم أولا باستقالته التي تعني بالضرورة ذهاب الحكومة بأكملها مفسحة المجال لحكومة جديدة وليس حكومة عرجاء أعادت إنتاج الفشل، حيث تباطأ حمدوك في تعيين بدلاء للوزراء المقالين، وعمد إلى تكليف بعض الشخصيات بالوكالة حتى وقت حل الحكومة الأسبوع الماضي. وجاءت قرارات الإقالة كمحاولة لامتصاص تظاهرات 30 يونيو الماضي التي رفعت شعار تصحيح مسار الثورة.
ويظل الوضع الاقتصادي المتردي بسبب فشل الحكومة السابقة على رأس التحديات والمخاطر السياسية التي تهدد الحكومة الجديدة، التي تتسلم هذه الحكومة مهامها ومخزون البلاد الاستراتيجي من القمح عبارة عن (صفر). وبلغ معدل التضخم أكثر من 250% في ديسمبر الماضي وهو من أعلى المعدلات في العالم، وانخفض الجنيه السوداني بسرعة في السوق الموازية ليبلغ 400 جنيه الدولار، وبينما سعر الصرف الرسمي هو 55 جنيهاً للدولار. ولعل ما أدى إلى تدهور الجنيه السوداني الإدارة السيئة للحكومة السابقة لملف قضية المدمرة الأمريكية كول، حيث وعد حمدوك إبان زيارته للولايات المتحدة، أسر ضحايا المدمرة بدفع حكومة السودان تعويضات لهم وعمدت الحكومة لشراء الدولار من السوق السوداء لجمع أموال التعويضات. وتحدثت تقارير كذلك عن دفع هذه التعويضات من مال مؤسسة الضمان الاجتماعي وهي المؤسسة المعنية بمعاشات واستحقاقات الموظفين.
وبينما كانت توصف حكومة نظام الرئيس السابق عمر البشير بالفاسدة لكنها كانت تدعم المحروقات والسلع الاستهلاكية الأساسية وغادرت الحكم وسعر الدولار مقابل العملة المحلية يساوي نحو 70 جنيها، بينما حكومة حمدوك توصف بأنها حكومة الثورة -غير الفاسدة- لكنها رفعت الدعم عن المحروقات والسلع الاستهلاكية الأساسية فسحقت الطبقة المسحوقة التي جاءت بها إلى سدة الحكم. ويأتي التدهور الحالي في العملة الوطنية رغم رفع دعم الوقود والسلع الأساسية والذي كان يكلف الدولة عدة مليارات من الدولارات سنوياً. في حين بلغت الديون الخارجية نحو 60 مليار دولار.
المدهش أنه رغم سوء الأوضاع الاقتصادية فقد جاء التشكيل الجديد بحمولة مالية إضافية على موازنة الدولة إذ ارتفع عدد الوزارات من 18 إلى 26 وزارة، وذلك ليس لضرورات هيكلية، وإنما بسبب التوسع في المحاصصات والإرضاءات الحزبية.
دوليا، لا يبدو هناك حرص على دعم اقتصاد البلاد بقدر ما هناك حرص على دعم وإرساء التوجهات العلمانية، وجر السودان إلى نادي التطبيع مع إسرائيل، ولذا كان هناك ضغط دولي للإبقاء على حمدوك ووزراء العدل والشؤون الدينية والتعليم العالي، وكان من المفترض الإبقاء كذلك على وزير التعليم العام، لكنه لم يكن متمتعا بالمرونة والمراوغة اللازمة لمواجهة الممانعة الشعبية للعلمانية فاضطر حمدوك لاستبعاده، ولم يتم تسمية وزير التعليم العام حتى ساعة إعلان الحكومة الجديدة.
بالإضافة للوضع الاقتصادي فإن الحكومة الجديدة أمام تحدي تطبيق اتفاق السلام مع الحركات المسلحة، والذي على أساسه جاء التشكيل الجديد إذ تبلغ كلفته نحو أكثر من 7 مليارات دولار، وربما كان منح وزارة المالية في التشكيل الجديد للحركات المسلحة نوعا من الهروب من الاستحقاق وتحميلها فشل توفير المبلغ المطلوب، فضلاً عن أن الوزارة تم تجريدها من ملف التعاون الدولي. كذلك أمام الحكومة الجديدة تحدي تشكيل المجلس التشريعي وهو برلمان معين وفشلت الحكومة السابقة مع حلفائها العسكريين في إنجاز هذه المهمة. ومن التحديات التي لا يتم ذكرها الشروع في الإعداد لانتخابات عامة تنهي الفترة الانتقالية ليصار إلى وضع سياسي جديد يضمن قيام دولة القانون والمؤسسات.
الميديا الغربية تحت ضغط الحقائق
رغم ارتباط الميديا في الغرب بالنظم السياسية في عموم أدائها لوظائفها لاسيما عندما يرتبط الموضوع بالشؤون المتعلقة بالآخر،... اقرأ المزيد
1002
| 08 سبتمبر 2024
صراع البحر الأحمر.. مرحلة كسر العظم
كثير من المؤشرات تؤكد أن أفريقيا هي الميدان الأكثر سخونة للصراع الدولي على الموارد، والممرات البحرية الدولية. والمتصارعون... اقرأ المزيد
816
| 01 سبتمبر 2024
تحديات ما بعد الحرب والأزمة السياسية
فيما تسابق الحكومة الأمريكية ممثلة في الحزب الديمقراطي الحاكم الزمن لاهثة لإضافة أي إنجاز خارجي تدعم به حملتها... اقرأ المزيد
1212
| 25 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11568
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
7659
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3708
| 22 أكتوبر 2026