رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ بدأ الهجوم على صحيفة شارلي أيبدو في الأسبوع الماضي نشرت آلاف المقالات والتقارير والصور عن ذلك الحادث، كما تلقت الرئاسة الفرنسية العديد من الاتصالات التي تستنكر الحادث وتقدم التعازي للدولة الفرنسية ولذوي الضحايا، هذا أمر طبيعي فالحادث كبير وهو يستحق كل ذلك الاهتمام، لكن عددا محدودا من الكتاب - وهم من كبار الكتاب - سبحوا ضد التيار محاولين إيجاد تبرير لما حدث ومن خلال قراءة الحدث نفسه، ولكنهم هوجموا كثيرا على آرائهم وحذفت بعض فقرات من مقالاتهم وتناسى المهاجمون مبدأ حرية الصحافة التي ينادون بها دائما!!
الكاتب الفرنسي الشهير آلان غريتس رئيس تحرير دورية لوموند ديبلوماتيك وهي أشهر دورية سياسية في العالم تحدث عن ذلك الهجوم فقال: إن الإعلام سيسارع إلى اتهام الإسلام بالإرهاب كالعادة!! وأكد أن من أسباب ذلك الهجوم هو إساءة الجريدة للإسلام ورموزه وأيضا تدخل فرنسا ضد الدولة الإسلامية والتدخل العسكري في إفريقيا وهذا أوجد أعداء لفرنسا، ومثله كتب توني باربر مقالا في صحيفة الفايننشيال تايمز البريطانية - وهي معروفة بمهنيتها الكبيرة - قال فيه: إن الصحف التي تنشر صورا مسيئة للرسول مثل الصحف الدنمركية وصحيفة شارلي إيبدو غبية لأنها تستفز مشاعر المسلمين وهي توجه ضربة للحرية، وقال أيضا: إن لصحيفة شارلي إيبدو سجلا حافلا بالسخرية وإغضاب المسلمين واستثارتهم. أما الكاتب الفرنسي جورج فيدو وهو ناشط يساري كتب قائلا: علينا أن نكون عادلين فإذا كنا ضد الإرهاب ولسنا ضد الإسلام فما معنى السخرية والاستهزاء من نبي الله محمد؟ ووجه خطابه لمحرري الصحيفة قائلا: هل كان النبي محمد إرهابيا؟ ثم وجه سؤالا للرئيس الفرنسي: من بدأ؟ ألسنا نحن من بدأناهم إعلاميا وعسكريا؟ نشرنا صورا مسيئة لنبيهم وأرسلنا طائرات لقتل أبنائهم في العراق.
هذه الصحيفة لم تتوقف عند حد السخرية بالإسلام ونبيه على صفحاتها ولكنها أرادت أن تفعل أكثر من ذلك وفي الاتجاه نفسه، حيث أعلنت أنها ستصدر رواية الروائي الفرنسي ميشال ويليبك (استسلام) وهذه الرواية تتحدث عن مستقبل الإسلام في فرنسا، وقد تخيل الكاتب أن المسلمين سيحكمون فرنسا عام ٢٠٢٢ م وأنهم آنذاك سيحولون جامعة السوربون إلى جامعة إسلامية وسوف يجبرون الفرنسيات على لبس الحجاب كما سيبيحون تعدد الزوجات وسيدرسون القرآن في المدارس والجامعات!! وذكر أشياء أخرى هدفها ترويع الفرنسيين والأوروبيين من الإسلام والإساءة للمسلمين في أوروبا كلها!!
بطبيعة الحال هناك آخرون عبروا عن مواقف مشابهة رأوا فيها أن الصحيفة هي التي أعطت مبررات كثيرة لأولئك الذين هجموا عليها وألقوا باللوم على الحكومة الفرنسية التي سكتت عن تلك الإساءات المتكررة لنبي المسلمين، وهذه الإساءات المتكررة هي التي جعلت بعض الكتاب المسلمين وبعض المغردين يطالبون بعدم الاعتذار عن ذلك الهجوم لأنه ردة فعل طبيعي تجاه تلك الإساءات الكبيرة التي لا يمكن تبريرها أو السكوت عنها!! إذن هناك من حاول إيجاد دوافع لذلك الفعل، وهذه المحاولات لا تعني قبوله للحدث وإنما تحاول تفسير الحدث ودوافعه أملا ألا يتكرر إذا زالت أسبابه.
إساءات الصحيفة للإسلام ليست جديدة وقد تكررت مرارا كما أن المسلمين في فرنسا لم يسكتوا عن تلك الإساءات ولكن كل محاولاتهم لمنعها ذهبت سدى!! وحجة الحكومة الفرنسية أن فرنسا تكفل الحرية للجميع وأن ما قامت به الصحيفة يندرج تحت باب الحرية الذي تقدسه فرنسا!! ولكن واقع فرنسا يشهد بشيء آخر مخالف تماما لما يقال!! فالعالم الفرنسي المشهور روجيه جارودي الحائز على جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام ألف كتاب (الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل) وقد حوكم بسببه لأنه انتقد وبطريقة علمية بعض المعتقدات السياسية اليهودية، كما حوكم على موقفه من المحرقة اليهودية وهو لم ينكرها وإنما شكك في أرقامها، وحوكم أيضا لأنه انتقد إسرائيل على جرائمها في لبنان!! فأين حرية الرأي التي تدعيها فرنسا؟ وكاتب رواية (استسلام) اتهم الإسلام بأنه أغبى ديانة في العالم وعندما رفع المسلمون دعاوى ضده لم تقبل بحجة حرية الرأي التي تكفلها فرنسا لمواطنيها، ولكن هذه الحرية تختفي تماما عندما ينتقد الصهاينة، ولا تبرز إلا عند الإساءة للإسلام!!
إساءة الصحيفة للإسلام عمل إرهابي إجرامي مستفز لكل مشاعر المسلمين في العالم وحكومة فرنسا بسكوتها عنه تعد مشاركة فيه، وكان من واجبها منع تلك الإساءات في وقتها، صحيفة دنمركية ارتكبت نفس الجريمة. سابقا وعندها ثار المسلمون في كثير من أنحاء العالم واتخذوا قرارا بمقاطعة المنتجات الدنمركية، وطالبوا حكوماتهم باتخاذ مواقف جادة تجاه الدنمرك، وكان بودي أنهم فعلوا الشيء نفسه تجاه فرنسا بدلا من استخدام لغة السلاح انتصارا لدينهم ومعتقداتهم ونبيهم ومن واجب حكوماتهم أن تقف معهم لأنها لو فعلت ذلك فستساهم كثيرا في منع أو التقليل من الانتقام العشوائي غير المدروس ٠
إن ما فعلته الصحيفة ليس مبررا لقتل الفاعلين فالقتل العشوائي ليس حلا لأنه قد يتكرر مرة أخرى، كما أن الذين ارتكبوا تلك الفعلة ليسوا مخولين من المسلمين بارتكاب تلك الفعلة نيابة عنهم!! بل إن فعلتهم تلك أساءت للإسلام كما أساءت للمسلمين في الوقت نفسه خاصة أولئك الذين يعيشون في أوروبا، ولا أستبعد أنها قد تسيء للمسلمين في بلادهم العربية والإسلامية هذا إذا وضعنا الجانب الاستخباراتي في العملية برمتها!!
بعد كل ما أشرت إليه سابقا أتساءل: هل الذين قاموا بتلك العملية هم ذات الأشخاص الذين تم الإعلان عن أسمائهم؟ ولو افترضنا جدلا أنهم هم فعلا من قام بتلك العملية فهل قاموا بها انتقاما ممن أساء إلى نبيهم وبدون مؤثرات خارجية سواء أكانوا يعلمون عنها أم يجهلونها؟ ثم لماذا في هذا التوقيت غير المناسب على الإطلاق؟!
هناك مؤشرات ذات دلالات عميقة ينبغي الالتفات إليها منها: أن صحفية فرنسية ظهرت على القناة الفرنسية الثانية ونقلت عن زميلة لها كانت في موجودة في الصحيفة وقت الحادثة قالت لها: إن أحد المسلحين وضع سلاح الكلاشنكوف على أنفها وطلب منها أن تقرأ القرآن كي لا تموت وأنها بدأت بتلاوته باستمرار!! وقالت إن هذا الشخص عيناه زرقاوان جميلتان!! مقالة الصحفية تنسف رواية الحكومة كلها، فالذين قاموا بالعملية ليس فيهم أحد ذو عينين زرقاوين، وليس من المعقول أن قاتلا وفي ظروف عصيبة يطلب من امرأة قراءة القرآن كي لا يقتلها!! ومنها أيضا: أن الصحيفة تخضع لحراسة الشرطة فكيف استطاع القاتلان دخول المبنى وقتل ذلك العدد الكبير من الصحفيين والإداريين وبهدوء كبير ومن ثم مغادرة المبنى دون أن يشعر بهما أحد؟! ثم كيف استطاع القاتلان معرفة موعد ومكان الاجتماع الأسبوعي لطاقم الصحيفة والتوجه إليه مباشرة لتنفيذ جريمتهما؟!
الصحافة المحلية ذكرت أنها اتصلت بأحد الأخوين هاتفيا وحاورته فذكر لها أنه من القاعدة وأنه أخذ مالا من العولقي لقتل الصحفيين!! كما اتصلت بالأخ الآخر فذكر أنه من أتباع الدولة الإسلامية وأنه أراد الانتقام ممن أساء للرسول!! نعرف أن العولقي مات منذ فترة طويلة فلماذا تأخر القيام بهذه العملية حتى هذا الوقت؟ ثم إذا كان الأخوان ينفذان مهمة واحدة فكيف يكون أحدهما تابعا لجهة والآخر تابع لجهة مغايرة؟! هذا على افتراض أنهما فعلا ينتميان إلى هذه الجهة أو تلك!!
هناك مؤشرات أخرى بحاجة إلى وقفات متأنية، فالقاتلان مع ثالث وزوجته - كما قيل - هاجموا معبدا يهوديا ثم استولوا على بقالة يهودية واحتجزوا عددا من الرهائن وعلل محتجز الرهائن فعلته بأن اليهود وراء الظلم الذي لحق بالمسلمين ومن أجل ذلك قام بدخول بقالتهم!! هذه الحادثة تخدم اليهود كثيرا خاصة أن فرنسا وقفت مع حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم وهذا الموقف أغضب اليهود كثيرا وجعلهم يحتجون لدى الفرنسيين، وقد رأينا كيف استغلها رئيس وزراء إسرائيل ودعا يهود فرنسا للهجرة إلى فلسطين، وأعتقد أن تلك الحادثة ستجعل الفرنسيين يترددون في موقفهم السابق من فلسطين وربما يخضعون لضغوط داخلية من الأحزاب المتطرفة بدعوى كيف تقف فرنسا مع مسلمين متطرفين قتلوا أبناءها؟ فمحصلة هذه العملية غالبا ستكون في صالح إسرائيل وأيضا في صالح الأحزاب التي تطالب بطرد المسلمين من أوروبا أو التضييق عليهم في الحد الأدنى!!
هناك أمر آخر كان لافتا للنظر وبشكل كبير، فالرئيس الفرنسي طالب الفرنسيين بالخروج في مسيرات حاشدة يوم الأحد للتنديد بالإرهاب، ومع أن هذه الدعوة تضخيم للحدث إلا أن الأغرب أن قيادات أوروبية وعربية ومسلمة كثيرة حضرت للمشاركة فيه ودعمه فما السبب في ذلك؟! هل هناك نية مبيتة لغزو بلد عربي تحت ذريعة محاربة الإرهاب؟! وهل دعوة الرئيس الأمريكي لعقد مؤتمر لمكافحة الإرهاب في واشنطن سيكون له علاقة بما حدث في باريس؟! لا أريد أن أكون متشائما ولكن تسارع الأحداث يضع أمامي كثيرا من الأسئلة الحائرة!! فالمشهد الحالي يذكرني بما سمعته مرارا من الأمير نايف - رحمه الله - من أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م لا علاقة للقاعدة فيه على الإطلاق وإنما هو من تدبير الأمريكان!! ومع أن القاعدة اليوم باركت غزوة باريس ومع أن أحد الفاعلين اعترف بتبعيته للقاعدة إلا أنني أشك في هذه الرواية جملة وتفصيلا، ومرة أخرى أتساءل: هل هناك أمر مبيت لهذه المنطقة؟!
وأخيرا ومع أنني قلت في بداية المقال: إن ما فعلته الجريدة جريمة بحق كل مسلم وأنه عمل إرهابي كان يجب على حكومة فرنسا إيقافه وأن تعللها بالحريات أمر كاذب إلا أن قتل الصحفيين جريمة ما كان ينبغي أن تحدث، والذي أفهمه أن ديننا يحرم ذلك لأن نتيجة الفعل إضرار كبير بالمسلمين وهو ضرر أكبر بكثير من أي مصلحة قد تتحقق.
وشيء آخر وهو أن الحكومات العربية والإسلامية وكذلك المنظمات الإسلامية الناطقة باسم المسلمين والجامعة العربية كل هؤلاء لم يقوموا بواجبهم مع أن الأمر يستدعي ذلك وبقوة!! إن إهانة رسولنا والاستهزاء به وبديننا ما كان له أن يستمر سنوات لو أن تلك الجريدة البائسة والتي كانت تبحث عن الشهرة من خلال ذلك العمل وجدت من يوقفها عند حدها في الوقت المناسب، وهذا الموقف السلبي هو الذي يمكن لمن يريد الإساءة للإسلام بحسن نية أو بسوئها أن يفعل ما يريد وباسم الدفاع عن الإسلام!!.
إرهاب العوامية متى يتوقف ؟؟
والعوامية - لمن لا يعرفها - بلدة صغيرة في محافظة القطيف، والإرهاب الذي أتحدث عنه لا يطال كل... اقرأ المزيد
1612
| 23 ديسمبر 2014
الإسلام السياسي بين الغرب وأذنابهم
إن الذي يفهم أبسط قواعد الإسلام يدرك أن مصطلح (الإسلام السياسي) دخيل على ديننا وإسلامنا، فالإسلام كل لا... اقرأ المزيد
2942
| 16 ديسمبر 2014
قطر في عرسها الوطني
اليوم الثامن عشر من ديسمبر من كل عام يحتفل القطريون بيومهم الوطني، وكان أمير قطر السابق قد أصدر... اقرأ المزيد
1438
| 09 ديسمبر 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4266
| 29 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1131
| 28 سبتمبر 2026
أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم واحد، يكفي أن تختار ما تقيسه، ومتى تبدأ القياس، وبماذا تقارن النتيجة، وما تضعه في الصفحة الأولى، وما تدفنه في الملاحق. عندها تكون الأرقام صحيحة، لكن الصورة التي تصنعها قد تكون بعيدة عن الحقيقة. تدخل الأرقام إلى اجتماعات الإدارة العليا ومجالس الإدارة محاطة بهالة من الحياد. وحين تختلف الآراء، يقال: دعونا نحتكم إلى الأرقام. غير أن الرقم لا يتحدث بنفسه؛ فهناك من اختاره، وعرّفه، وحدد طريقة احتسابه، ثم وضعه في سياق يقود إلى استنتاج معين. قد تعلن إدارة أنها أنجزت 95 في المائة من خطتها السنوية. يبدو ذلك نجاحاً استثنائياً، لكن التقرير قد لا يقول إن بعض المشروعات المتعثرة حُذفت من الخطة، وإن مستهدفات أخرى خُفّضت، وإن معظم ما أُنجز كان من الأعمال السهلة، بينما تأجلت المشروعات التي تصنع الفرق. الرقم صحيح، لكن المسطرة تغيرت. وهنا تكمن الحيلة: لا تتغير النتيجة، بل يتغير تعريف النجاح نفسه. ولا يحتاج الأمر إلى تغيير الأرقام؛ فقد يكفي اختيار المقارنة المناسبة. فإذا كانت النتائج ضعيفة، قورنت بعام كان أشد ضعفاً، فيظهر التراجع كأنه نجاح. وإذا تحسن مؤشر واحد وتراجعت بقية المؤشرات، تصدّر الرقم الجيد العرض، بينما انتقلت الأرقام المقلقة إلى الصفحات الأخيرة. وحتى المتوسطات قد تخفي إدارات تعاني بيئة عمل طاردة، أو معاملات معقدة تظل عالقة لأشهر. وتتضح الخطورة في تقارير الأمن والسلامة. قد تعرض المؤسسة مئات الجولات التفتيشية والدورات واجتماعات التوعية، فتبدو منظومة السلامة نشطة. لكن كثرة النشاط لا تثبت أن المخاطر عولجت؛ فقد تتكرر الملاحظات نفسها، ثم تُغلق في النظام بإجراء مؤقت من دون إزالة أسبابها. وقد ينخفض عدد الحوادث المسجلة لأن طريقة تصنيفها تغيرت، أو لأن بعض الإصابات اعتُبرت بسيطة، أو سُجلت لدى المقاول بدلاً من المؤسسة. بل إن انخفاض البلاغات عن الحوادث الوشيكة قد يُعرض بوصفه نجاحاً، بينما يكون سببه خوف الموظفين من الإبلاغ أو عدم اقتناعهم بجدواه. فالمؤسسة الآمنة ليست التي تخلو تقاريرها من الملاحظات، بل التي تكشف مشكلاتها مبكراً وتعالجها قبل أن تتحول إلى حوادث. والقاعدة واضحة: عندما يتحول المؤشر إلى هدف، يبدأ بعض الناس في تحسين المؤشر بدلاً من تحسين العمل. ينطبق ذلك أيضاً على نسبة زيادة توظيف المواطنين. فقد تعلن مؤسسة ارتفاع النسبة السنوية، لكن الرقم لا يخبرنا عن صافي الزيادة بعد الاستقالات، ولا عن جودة الاختيار وملاءمة من عُيّنوا للوظائف، ولا عن قدرتهم على الاستمرار والتطور. فقد يرتفع عدد المواطنين في المؤسسة من دون أن ترتفع قدرتها. فالمواطن ليس مجرد عدد يضاف إلى التقرير لاستكمال النسبة، والتوطين لا يحقق غايته بمجرد إصدار قرارات التعيين. السؤال الأهم ليس: كم مواطناً عيّنت المؤسسة؟ بل: من اختارت؟ وعلى أي أساس؟ وفي أي مواقع وضعتهم؟ وهل وفرت لهم التدريب والمسار المهني الذي يجعلهم إضافة حقيقية؟. عندما يقوم الاختيار على الكفاءة والاستعداد، ويصاحبه تدريب جاد وتمكين تدريجي، يصبح الموظف الوطني عوناً للمؤسسة واستثماراً في مستقبلها. أما عندما تتحول النسبة إلى غاية في ذاتها، أو إلى مدخل لتعيين المعارف والأصدقاء، فقد تنجح المؤسسة في زيادة العدد، لكنها لا تنجح بالضرورة في بناء الكفاءة. وقد يقع الاختيار على أشخاص لا تتناسب مؤهلاتهم أو استعداداتهم مع الوظائف، ثم يُتركون بلا تدريب أو متابعة أو محاسبة، فيصبح التعيين عبئاً على المؤسسة وعليهم هم أيضاً. فالخطأ لا يقع على الموظف وحده، بل يبدأ من إدارة جعلت استكمال العدد أهم من حسن الاختيار. وقد تزداد الصورة بريقاً بفوز المؤسسة بجائزة هنا أو تكريم هناك عن أدائها في أحد هذه المجالات، فتكتسب الأرقام حصانة إضافية، ويبدو طرح الأسئلة وكأنه تشكيك في إنجاز معترف به. غير أن الجوائز، مثل المؤشرات، تقيس ما عُرض عليها وفق معايير محددة، ولا تكشف بالضرورة كل ما يجري داخل المؤسسة. فقد تكون النسبة صحيحة والجائزة مستحقة، ومع ذلك تبقى فجوة بين النجاح في المؤشر والنجاح في الواقع. ولا تُصنع الرواية التي تصل إلى مجلس الإدارة بالأرقام وحدها. فعندما تكون المؤسسة أمام قرار رئيسي أو توجه إستراتيجي جديد، قد تستعين بشركة استشارية للحصول على رأي مستقل يساعد الإدارة العليا أو مجلس الإدارة على الاختيار. لكن الاستقلال لا يتحقق بمجرد وضع شعار شركة عالمية على غلاف التقرير. فالشركة الاستشارية لا تدخل المؤسسة من فراغ. هناك من اختارها، وكتب نطاق عملها، وحدد الأشخاص الذين ستقابلهم، وزودها بالبيانات. وهذا الطرف نفسه قد يتابع عملها وفواتيرها، ويملك تأثيراً في منحها مشروعات أخرى مستقبلاً. وهنا يستطيع بعض المسؤولين، من دون أن يطلبوا صراحةً نتيجة محددة، توجيه المسار الذي تسلكه الدراسة؛ فيصوغون الأسئلة، ويختارون المعلومات، ويوجهون لقاءاتها نحو أشخاص يؤيدون توجهاً بعينه، بينما تبقى آراء وتجارب أخرى خارج نطاق الدراسة. وقد لا تتعمد الشركة الاستشارية تبني وجهة نظرهم، لكنها تعمل داخل الإطار الذي أُعد لها، وتعتمد على المعلومات التي يوفرونها، وتدرك أن العلاقة معهم قد تستمر. وعندها قد تصل وجهة نظر داخلية إلى مجلس الإدارة مرتدية ثوب الرأي الخارجي المستقل، فتكتسب من اسم المستشار قوة لم تكن لتحصل عليها لو عُرضت باسم أصحابها. ولا يعني ذلك أن الشركات الاستشارية تفتقر إلى المهنية؛ فكثير منها يقدم خبرة حقيقية ورؤية لا تتوافر داخل المؤسسة. لكن جودة رأيها تعتمد أيضاً على اتساع نطاق المعلومات التي تصل إليها، وتعدد الأصوات التي تستمع إليها، ووضوح الجهة التي ترفع إليها تقريرها. وفي القرارات الكبرى، من الأفضل أن تكون لمجلس الإدارة أو لجنته المختصة صلة مباشرة بالمستشار، وأن تُعقد معه جلسة مستقلة، للتأكد من أنه استمع إلى الرأي المؤيد والمخالف قبل تقديم توصيته. مجلس الإدارة الواعي لا يرفض الأرقام، ولا يقلل من قيمة الجوائز أو الخبرات الاستشارية، لكنه لا يسمح لها بأن تفكر نيابة عنه. فعندما يرى نسبة مرتفعة، يسأل كيف احتُسبت. وعندما يقرأ تقييماً مستقلاً، يسأل من وضع نطاقه واختار مصادره. وعندما يجد تقريراً مثالياً، يبحث عن الرقم الغائب والصوت الذي لم يُسمع. والإدارة العليا الواعية تفعل الشيء نفسه؛ فمسؤوليتها لا تنتهي عند استلام التقرير، بل تبدأ من مساءلة ما ورد فيه. فالرواية الإدارية لا تصنعها الأرقام وحدها؛ قد يشارك في صنعها تعريف المؤشر، وطريقة عرض الجائزة، ونطاق الدراسة الاستشارية، والأصوات التي سُمح لها بالوصول إلى صاحب القرار. وكل أداة من هذه الأدوات قد تكون صحيحة ومهنية في ذاتها، لكن اجتماعها داخل إطار واحد قد يصنع صورة لا تمثل الحقيقة كاملة. لذلك، لا يكفي أن نسأل: هل الأرقام صحيحة؟ بل يجب أن نسأل: من اختارها؟ وكيف عرّفها؟ وما الذي تركه خارجها؟ فالأرقام لا تكذب، لكنها لا تروي القصة كاملة من تلقاء نفسها. ومن يختارها، ويحدد سياقها، ويرسم حدود التقرير، يستطيع أن يجعل نصف الحقيقة يبدو حقيقة كاملة. وفي الإدارة، قد يكون ذلك أخطر من الكذب الصريح.
1098
| 27 سبتمبر 2026