رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يؤسس خطاب صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله ورعاه، أمام القمة العربية الاسلامية الطارئة التي عقدت أمس بمدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية الشقيقة مرحلة جديدة لـ «الفعل» العربي الإسلامي المطلوب فورا لوقف العدوان الإسرائيلي الغاشم على أهلنا في غزة.
حمل خطاب سمو الأمير رسائل واضحة ومحددة في التعامل مع العربدة الاسرائيلية والمجازر التي ترتكبها بحق أهل غزة، مطالبا بـ «اتخاذ موقف حازم من الجريمة المتواصلة في غزة، ولا يجوز الاكتفاء ببيانات الشجب والاستنكار، بل علينا اتخاذ خطوات رادعة لوقف جريمة الحرب المتواصلة، بحيث تظهر ايضا ثقل ووزن الدول الاسلامية، فمواصلة اسرائيل عدوانها وارتكاب جرائم الابادة بهذا الاستهتار لا يلحق الضرر بالامن القومي العربي والاسلامي فحسب، بل ايضا بالأمن الوطني لدولنا».
هذه الرسالة هي التي يجب أن تصل الى الكيان الاسرائيلي، الذي لم يعد يعير أي اهتمام للبيانات او المطالبات العربية، لأنه بات على يقين أنها «مجرّد» بيانات فارغة من اي فعل حقيقي على الأرض، أو خطوات ملموسة يمكن أن تؤثر عليه.
هذه المواقف العربية الاسلامية هي التي دفعت ايضا الاطراف الدولية لعدم الانصات الى الصوت العربي الاسلامي، أو ما يصدر من القمم والاجتماعات التي تعقد على جميع المستويات للاسف الشديد، فلو أن هناك «فعلا» عربيا لازم كل قرار صدر من عشرات القمم والاجتماعات طوال السنوات الماضية، لما رأينا هذا الاستهتار بالعالم العربي والاسلامي، الذي يبلغ عدد دوله 57 دولة، وعدد سكانه قرابة 2 مليار مسلم، يتوزعون في قارات العالم الخمس، مع مواقع استراتيجية بالغة الأهمية والدقة، وممرات مائية تربط قارات العالم، ويمتلكون من الثروات تحت الأرض وفوقها ما لا يعد، وبالرغم من ذلك لا وزن حقيقيا لهذه الكتلة الجغرافية والسكانية والاقتصادية المسماه بـ «العالم الاسلامي»، وقبله «العالم العربي».
كان خطاب سمو الأمير المفدى خطاب الزعيم والقائد الذي يستشعر حجم المسؤولية، في هذه المرحلة التاريخية، وهو يرى ما يعانيه شعب من أمته يتعرض لحرب ابادة علنية، على مرأى ومسمع من العالم أجمع، الذي لم يحرك ساكنا، بل وصل الأمر الى «تبلد المشاعر»، وتحول الأمر الى ظواهر غير مألوفة، فقد «ارتفعت بشكل ملحوظ معدلات المناعة لدى بعض الدول التي تدعي حماية القانون الدولي والنظام العالمي، حيث رأينا مناعتهم تجاه مناظر القتل العشوائي للمدنيين الفلسطينيين سواء كانوا اطفالا او نساء، وكذلك قصف المستشفيات والملاجئ اصبح لا يؤثر فيهم، ووصلت معدلات المناعة لديهم الى رؤية جثث الابرياء وهي تنهشها الكلاب لا تحرك لتلك الدول ساكنا، - سبحان الله - قوة المناعة فقط على أشقائنا الفلسطينيين».
وفي الوقت نفسه فقد لامس الخطاب مشاعر الشعوب العربية والاسلامية التي تتطلع الى موقف حازم وصارم ينتصر لأهل غزة، ويوقف هذه المجازر الوحشية التي يتعرض لها اخوتهم في فلسطين، وتحدث بلسان هذه الشعوب العربية المسلمة التي سموه واحد منها، فأشار الى أن «قلوبنا تنفطر ألما لمشاهدة قتل الأطفال والنساء والشيوخ بالجملة».
هذا الخطاب جمع بين الزعامة لقائد تحرك منذ اللحظات الاولى للعدوان الاسرائيلي على غزة، ولم يدخر جهدا في سبيل وقف هذا العدوان الوحشي، سواء عبر التواصل مع زعماء العالم، او عبر اللقاءات واستقبال الوفود على جميع المستويات من اطراف عدة، وتحولت الدوحة طوال الأيام الماضية شعلة نشاط سياسي ودبلوماسي ومركزا لوقف العدوان على غزة، او القيام بجولات مكوكية متنقلا من عاصمة لأخرى، حاملا هم فلسطين وأهل غزة، أو مساعي الوساطة التي تقودها قطر بجهود كبرى، سواء لفتح الممرات الانسانية وادخال المساعدات الاغاثية، لتوفير ما يمكن توفيره لأهل غزة من مساعدات غذائية وطبية وايواء وغيرها من المساعدات، سواء التي ارسلتها دولة قطر الى قطاع غزة عبر مدينة العريش المصرية، او جهود ومساعي فتح الممرات الآمنة بصورة دائمة.
وفي نفس الوقت عبّر الخطاب عن مشاعر ووجدان الانسان العربي والاسلامي تجاه ما يحدث من انتهاكات وجرائم بحق الشعب الفلسطيني، وتحديدا ما يحدث اليوم بحق اشقائنا في قطاع غزة.
الحرب على غزة فضحت الغرب الذي طالما تغنى بشعارات حقوق الانسان والحريات وحماية الاطفال والنساء، واذا بهذه القيم التي ادعى أنه يحملها، ما هي الا شعارات جوفاء، انهارت واختفت مع أول قنبلة وصاروخ نزلا على رؤوس الابرياء في غزة، وسقطت كل الاقنعة التي طالما توارت خلفها انظمة غربية، فبانت حقيقة ما يدعون أنها مجرد ادعاءات اذا ما كان المتضرر هو الانسان العربي والمسلم.
اليوم حتى الجوانب الانسانية لم يعد الغرب يعيرها اهتماما، فالحصار الظالم المضروب على اهل غزة ليس فقط منذ 37 يوما مع بدء هذه الحملة الشعواء من العدوان والمجازر، بل منذ 17 عاما وأهل غزة يعانون من الحصار الظالم، لكن اليوم باتت غزة وأهلها محرومين حتى من الغذاء والماء والدواء والوقود، وبات الاستهداف الممنهج للمستشفيات والمدارس وسيارات الاسعاف والمساجد والملاجئ، يمر مرور الكرام على حضارة الغرب «اللاإنسانية»، وهي تتعامل مع أهل غزة.
هذه الحضارة الغربية وهذا النظام الدولي يرى بأم عينيه قصف المستشفيات بمن فيها، ويرى عائلات وأحياء سكنية تباد بالكامل وشعبا يجبر على النزوح والتهجير قسريا، لكنه صامت بل مشارك في هذه الجرائم، هذه هي حضارة القرن الواحد والعشرين.
لقد طرح سمو الأمير المفدى قضية الشعب الفلسطيني، التي تشكل عنوانا بارزا وتتصدر الأولويات في قطر، قيادة وشعبا، ومتجذرة في الوجدان القطري، وتحدث عن معاناة أهلنا في غزة وهم يتصدون للعدوان الاسرائيلي المتواصل عليهم منذ 37 يوما، وشخّص الواقع الدولي، وقدم الحلول على الصعيد العربي والاسلامي، وشدد على أن الحل الوحيد والمستدام لقضية الشعب الفلسطيني هو اقامة دولته المستقلة، والاعتراف بحقوقه كاملة.
فلسطين قضيتنا، والدفاع عنها والوقوف الى جانب أهلها واجب ديني ووطني واخلاقي، والتصدي للمشروع الصهيوني مسؤولية عربية اسلامية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5871
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2772
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2472
| 02 يونيو 2026