رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يخيفنا أمران في الوقت الراهن، أن تندفع مصر باتجاه استعادة الدولة الأمنية والبوليسية، وأن تحتفي بذلك هيستيريا جماهيرية غير مكترثة بمآلات ذلك المنزلق الخطير.
(1)
في صحيفة الصباح أن 575 ضابطا من عناصر جهاز أمن الدولة الذين حملوا نظام مبارك وتم إقصاؤهم بعد الثورة أعيدوا إلى الخدمة مرة ثانية، في اليوم التالي قرأت أن شابا من سوهاج اسمه علاء الهواري اشترك في مظاهرة احتجاجية على نقص أنابيب البوتاجاز فألقي القبض عليه وأودع أحد معسكرات الأمن المركزي. أنكرت على نفسي أن أعتبره خبرا عاديا. بعدما قرأت في تقرير حقوقي أن 12 ألف مواطن ـ أغلبهم من الشباب الفقراء ـ صدرت ضدهم أحكام بالسجن في محاكمات عسكرية. ولم أصدق عيناي حين قرأت أن أربع فتيات في الإسماعيلية ألقي القبض عليهن لأنهن رفعن في أحد الشوارع «بالونات» حملت إشارة رابعة. واستغربت أن يلقى القبض على 21 فتاة أغلبهن من طالبات الثانوي نظمن مسيرة سلمية احتجاجية على كورنيش الإسكندرية، فألقي القبض عليهن. وبكل فظاظة أصدر وكيل النيابة أمرا بحبسهن مدة 15 يوما، وتم ترحيلهن إلى سجن دمنهور. ولما حدثت غيري بما استهجنته ذكَّرني بأن 76 سيدة وفتاة أخريات تحت الحبس الآن، وأن هناك 120 من القصر تم اعتقالهم أيضا. ضمن الـ13 ألفا من المنسوبين إلى الإخوان الذين تم توزيعهم على مختلف المعتقلات المصرية.
وتزامنا مع إيقاف برنامج باسم يوسف الساخر الذي لم تحتمله أجواء الدولة الأمنية والهيستيريا الجماهيرية، ومع معاقبة بطل الكونغ فو العالمي وحرمانه من تمثيل مصر لأنه رفع إشارة رابعة، والتحقيق مع لاعب النادي الأهلي الذي ارتكب «الجرم المعهود»، لاحظت أن بعض الخطابات التي أتلقاها في الآونة الأخيرة تصلني بغير توقيع. وفي واحد منها اعتذر صاحب الخطاب ـ الذي قدم نفسه باعتباره مهندسا استشاريا ـ قائلا إنه تعمد ذلك خشية أن يقع في أيدي الأجهزة الأمنية. واستوقفني حين استقبلت في منزلي أستاذة جامعية محترمة، أنها لم تتحدث في اللقاء إلا بعد أن أغلقت هاتفها النقال واستخرجت الشريحة منه، واعتبرت ذلك احتياطا مرغوبا في ظل الأجواء الراهنة.
لا أعرف حجم الحقيقة أو المبالغة والوهم في بعض ما ذكرت، لكني أجد فيه أصداء للشعور بالخوف والتوجس. وذلك أمر غير معهود بعد ثورة 25 يناير، التي اعتبرنا أنها أطلقت سراح شعب ظل يعاني القهر المقترن بالفساد لعدة عقود، حتى أننا بعد الثورة مارسنا في التعبير والتظاهر حرية بلا سقف (انطلاق برنامج باسم يوسف رمز لتلك المرحلة).
(2)
لا أخفي أن الخوف تسرب إليّ حين اطلعت أخيرا على مشروع قانون الإرهاب الجديد الذي أعدته وزارة الداخلية. ولم أكن وحدي في ذلك، لأنني وجدت أن 22 منظمة حقوقية أجمعت على رفض المشروع واستهجانه، ولم يكن بينها المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي عينته الحكومة. واتفقت مع البيان الذي أصدرته تلك المنظمات على أن من أبرز عيوب المشروع ما يلي:
< إن مصطلحاته فضفاضة وغير منضبطة، بحيث يمكن أن تنطبق على ما لا حصر له من الأفعال المشروعة. فهو يتحدث في تعريف الإرهاب عن «الإخلال الجسيم بالنظام العام» و«تعريض سلامة المجتمع أو مصالحه أو أمنه للخطر» و«إعاقة السلطات عن ممارسة بعض أوجه نشاطها» و«تعريض حياة المواطنين أو حقوقهم وحرياتهم للخطر» و«منع مؤسسات التعليم من ممارسة عملها». واعتبر المشروع أن العمل الإرهابي هو «كل سلوك من شأنه الإضرار بالاتصالات أو بالنظم المعلوماتية أو النظم المالية أو الاقتصاد الوطني». وهو ما فهم منه أن المقصود به في حقيقة الأمر تقييد حركة الجماعات السياسية والاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني، وليس مكافحة الإرهاب.
< تعمد المشروع التوسع في الجرائم والأفعال المدرجة باعتبارها أعمالا إرهابية، بما أعطى انطباعا بأنه استهدف التنكيل بالمعارضة السياسية السلمية وأغلب المنظمات الحقوقية، فالمادة 13 من المشروع تعاقب بالسجن المشدد «كل من أنشأ أو أسس أو نظم أو أدار جمعية أو هيئة أو منظمة أو تولى موقعا قياديا فيها، يكون الغرض منها الدعوة بأي وسيلة إلى تعطيل أحكام الدستور أو القوانين أو الإضرار بالوحدة الوطنية». وهو ما يخضع دعاة الإصلاح الدستوري أو القانوني لاحتمال الاتهام بالإرهاب. كما أنه يسمح بتوجيه الاتهام ذاته إلى الرافضين للتمييز الديني والمدافعين السلميين عن حقوق الأقليات.
< من الغرائب أن المشروع في مادته الخامسة ساوى بين الشروع في الجريمة الإرهابية وبين تنفيذها بالفعل، حتى إذا لم يتم التنفيذ وأخضع الاثنين إلى عقوبة واحدة. الأمر الذي يثير سؤالا عبثيا يتمثل في حالة الشخص الذي يتفق مع آخر على ارتكاب جريمة إرهابية ويعد العدة لذلك ثم يعدل عن الاتفاق. وبمقتضى القانون الجديد فإن مجرد الاتفاق يعني أن الجريمة تمت، الأمر الذي يثير سؤالا حول ما إذا يتعين في هذه الحالة أن توقع عقوبة الفعل على الشخص رغم عدوله عن الجريمة!
< من قبيل الإخلال الفادح بمعايير المساواة أمام القانون فإن المشروع استحدث في المادة 40 نيابة مخصصة لمكافحة الإرهاب، مع تخصيص دوائر بعينها للنظر في قضايا الإرهاب. وهو ما من شأنه تدخل السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة العدل في تسيير شؤون العدالة ويزيد من الشك في حياد القضاة والمحققين. ذلك أنه إزاء العبارات الفضفاضة التي حددت الأفعال والجرائم الإرهابية، فإن التضارب يصبح واردا في تقديرات سلطات التحقيق والقضاة، الأمر الذي يخل بضمانات المحاكمة العادلة والمنصفة.
(3)
لو أننا بصدد قانون معيب لابتلعناه على مضض ولناضلنا من أجل سحبه وتعديله. وربما صبرنا عليه لبعض الوقت وقلنا إنها حكومة وغلطت، إلا أن الأمر أكبر من ذلك بكثير. ذلك أننا بإزاء حزمة قوانين استقوت بها السلطة علينا، وداهمتنا بها خلال الأشهر الأربعة الماضية، الأمر الذي يدعونا إلى استبعاد الخطأ في التقدير من جانب الحكومة، ويدفعنا إلى إساءة الظن بها. بحيث يقنعنا بأننا بإزاء سياسة وحقبة جديدتين. وذلك مصدر الخوف الأول الذي يتعين علينا أن نستشعره. وإذا أردنا أن نكون أكثر صراحة ودقة فلعلنا نقول إنه يبعث على الخوف على ثورة يناير ذاتها التي دفع الشعب المصري ثمنا باهظا لها. وكتب شهادة ميلادها ووثيقة إشهارها بدماء أبنائه.
هذا الكلام ليس من عندي، ولكنه خلاصة لما انتهت إليه الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان. وهي التي أصدرت في 27 أكتوبر الماضي تقريرا تفصيليا تحت عنوان: العدالة في 100 يوم من حكم الرئيس القاضي ـ قوانين جائرة وكيل بمكيالين. ومما ذكره التقرير أن تلك الفترة شهدت العديد من مشاريع القوانين التي تهدر الحريات، والعديد من القرارات التي تعصف بأسس المحاكمات العادلة، كما شهدت ممارسات بوليسية شبه يومية تذكر بماضٍ بغيض.
في شأن التشريعات الجائرة والقرارات المعادية للحريات خص التقرير بالذكر ما يلي:
< تمديد فترة الحبس الاحتياطي، بحيث عدل نص قانون الإجراءات الجنائية الذي كان يقضي بألا تتجاوز مدة الحبس الاحتياطي في مرحلة النقض للمحكوم عليهم بالإعدام أو بالسجن المؤيد مدة سنتين (وهو النص الذي استفاد منه الرئيس الأسبق حسني مبارك)، وقد أجاز التعديل للقضاء أن يأمر بحبس أي متهم احتياطيا لمدة 45 يوما قابلة للتجديد.. ومقتضى ذلك أن يتحول الحبس الاحتياطي إلى سلاح يعرض أي متهم للسجن لفترات طويلة دون أن تثبت إدانته أو تورطه في الجرم الذي يحاسب بسببه.
< قانون مكافحة الإرهاب الذي سبقت الإشارة إليه، وقد اعتبره التقرير «ردة غير مسبوقة على مكتسبات الثورة المصرية»، توضح نية الدولة الجديدة تكميم الأفواه، واستخدام «الإرهاب» كغطاء ومبرر لإعادة الدولة البوليسية.
< قانون منع التظاهر الذي نص على كفالة حق التظاهر السلمي، «إلا أنه وضع العديد من القيود والضوابط التي تفرض ذلك الحق، خلافا للمعايير الدولية المستقرة التي تحميه». ذلك أنه منح قوات الأمن حق فض التظاهرات السلمية والقبض على المتظاهرين، وأتاح لها استخدام الشدة في عملية الفض، وأعطى للداخلية حق رفض التظاهرات السلمية، وفي حالة القبول فلها تحديد مواعيد زمنية لبدء وانتهاء المظاهرة، الأمر الذي ينذر بمنع جميع المظاهرات.. إلخ.
< قانون الطوارئ الذي جرى تمديده لمدة شهرين بعد محاولة اغتيال وزير الداخلية الحالي. وهذا المد تنتهي مدته هذا الأسبوع (في 14/11)، وكان ولا يزال ضمن أدوات الحل الأمني للأزمات السياسية، التي لم تفلح في القضاء على الإرهاب مدة أكثر من ثلاثين عاما.
< قرار الضبطية القضائية لعدد من العاملين بالمؤسسات الحكومية، وهو سلاح خطير يهدف إلى تكميم أفواه العاملين والتضييق على حقهم في المشاركة السياسية، فضلا عن أنه يفتح الباب للالتفاف على قرار القضاء بمنع تواجد الشرطة داخل الجامعات.
< قرار عقد المحاكمات وإجراء التحقيقات داخل السجون، الذي يعد اعتداء صارخا على استقلال القضاء وعلى حقوق المتهمين، لأن من شأن ذلك اتخاذ تلك الإجراءات داخل أحد مقرات وزارة الداخلية التي هي الطرف الأساسي في القضايا السياسية المنظورة.
< قانون حماية الرموز الوطنية، الذي فهم أن المقصود به اتخاذ موقف إزاء الرافضين لتحية العلم، إلا أن البعض أراد به تحصين كبار المسؤولين في مواجهة النقد.
< مشروع قانون تجريم الكتابة على الجدران لوقف الحملات الاحتجاجية عن طريق الرسم أو العبارات المكتوبة، بحيث يعاقب الفاعل بالحبس 4 سنوات أو الغرامة التي تصل إلى 100 ألف جنيه. ولكن الضجة التي أثيرت حوله دعت وزير التنمية الإدارية إلى التراجع عن فكرة استصدار قانون خاص لهذا الغرض واتجاهه إلى تضمين العقوبة وتغليظها في قانون البيئة.
(4)
الملاحظة الأساسية على كل تلك القوانين والقرارات أنها تصب في وعاء استقواء السلطة، من خلال تقييد الحريات العامة وتمكينها من تشديد قبضتها على المجتمع ومن حصار الناشطين وقمعهم. الأمر الذي ينبهنا إلى أننا نجد فيها أصداء لنظام مبارك ووزير داخليته وحبيب العادلي بأكثر مما فيها من استحقاقات ثورة 25 يناير. حتى أكاد ألمح فيها إرهاصات زحف الثورة المضادة التي أصبح بعض رموزها يطلون علينا من منابر عدة هذه الأيام. وهو ظن أتمنى أن تثبت الأيام خطأه. وما لم يحدث ذلك، فإن خوفنا على الحاضر والمستقبل سيظل مشروعا واستنفارنا لأجل الدفاع عن حلمنا المهدد سيظل مطلوبا، حتى أزعم أنه واجب الوقت بامتياز.
هذا عن كابوس الدولة الأمنية الذي بات يلوح في فضائنا. ولعلك تذكر أنني قلت في الأسطر الأولى إنه أحد همَّين يدعواننا إلى الخوف والقلق. بقي الهم الثاني المتمثل في الهيستيريا الجماهيرية التي تهلل للحاصل وتحتفي به. وهو ما يستحق منا وقفة خاصة في الأسبوع المقبل بإذن الله.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2627
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1003
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
657
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8847
| 20 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7188
| 15 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
3918
| 22 سبتمبر 2026