رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
* أوجاع كثيرين سببها الحيرة بين ما يريدون وما يستطيعون، بين أحلامهم الجميلة، وواقعهم المؤلم، بين كل ما تشتهيه نفوسهم والموجود في جيوبهم!! التضاد بين كل ما تقدم يعمق الحيرة، ويزيد الارتباك، ويدفع لإحباط قد يجهز على صاحبه باعتلال صحته، ويظل المطلوب للسلامة وتسيير الحياة المواءمة بين الممكن والمستحيل لنعيش على الأقل حياة بلا منغصات أو نكد، مهم جداً أن ننتبه ونحن نحلم لمستوى سقف أحلامنا حتى لا تهرسنا الحيرة بين "اللي في نفسنا، واللي في جيوبنا"، مهم ألا نتعارك مع الحياة لأنها لم تعطنا كل ما نريد، وأول الحلول العملية لأزمة كل ما يعلو قامتنا من أمنيات أن نجرب الإحساس بمفردة اسمها الرضا، إذ هي الوحيدة التي ستمنع احتراق دمك وأنت تتمنى أن تشتري سيارة كسيارة جارك، أو تمتلك شقة كشقة صديقك، أو تقتني ما يقتنيه قريبك ولا تمسك في الحقيقة من كل هذه الأحلام إلا الهواء"!
الرضا بالحال دواء لكل المهمومين بالتطلع إلى سقف أعلى من رؤوسهم وإلى كل محال، هذه ليست دعوة لتثبيط الهمم، أو مخاصمة الأمل، أو تكميم الأماني إذ فينا من يعرف حقيقة قدراته أو إمكاناته المحدودة ويرجو القفز فوقها ليصبح فوق مبنى الإمبايرستيت، وإلا فهو غاضب أبداً من الحياة، لائم عليها، لا يرى نعمة على غيره إلا وصرخت نفسه الناقمة (جتنا نيلة في حظنا الهباب) وقد يدخل في شعور تمني زوال النعمة عن غيره غير قاصد فيعاني أشرس أمراض القلب، حقيقي الرضا هو الحل الوحيد الجالب للسكينة، ومصالحة الذات، والحياة، والناس، والتنفس براحة، كبائعة الفجل التي كنت كلما مررت عليها وأنا في طريقي إلى المدرسة وسمعت المارة يسألونها (إزيك يا ام دهب) ردت وهي تبتسم بفم خال من الأسنان رضا والحمد لله.
* لاحظت وربما لاحظتم أن الإعلام يشكل حياتنا بالقوة القهرية من خلال الزن بالإعلانات حتى من خلال المادة السياسية المهمة في النشرات يدخل الإعلان فيقطع الخبر ويقدم نفسه ضاغطا عليك لتستمع (غصب عنك) وتشتري (غصب عنك) ويستمر الزن المستهتر براحتنا أو أذواقنا أو رغباتنا ليرغمك باعلاناته الراقصة لتتذوق ما يختاره لك من طعام، ويستمر الإعلام في الضغط فينتقي لك ملابسك، غترتك، دشداشتك، سفراتك، رحلاتك، موديل سيارتك، مواصفات زوجتك، شقتك، أثاث بيتك، الإعلام لا يترك شيئاً إلا يدس أنفه فيه بقوة، وجرأة وسخافة، وأنا وأنت لا نتمرد، أنا وأنت مستسلمان تماماً لا نملك إلا الانصياع لذوق الإعلام واختياراته، لا نملك إلا الشراء، إلا اللبس، إلا الأكل والبلع، لنصبح دون وعي منزوعي الرأي والاسم!! بجد لم يعد لنا خيار وكيف ذلك والجهاز القاهر أمامك يمسك بتلابيبك، يشدك من شعرك لتتابعه، وتطيعه وتقتني ما يطلب منك اقتناءه، حتى عندما تتعب وتحاول إغماض عينيك يخرج لك صوت أخينا المذيع ليقول لك (مش حتقدر تغمض عنيك) وفوراً يزج لك بصورة راقصة تتلوى في فيلم قديم وانت وشطارتك يا تفتح يا تغمض عينيك!! رحم الله إعلام زمان المحترم.
* في السنوات الفائتة انتقدت بشدة الذين كانوا يطوفون ببيت الله الحرام، وبدل الاستغراق التام في الخشوع، والدعاء، والبكاء كانوا يردون على الجوال أو ينشغلون بتحديد أماكنهم في الحرم لذويهم، فقد يستمع السائر إلى جوار هؤلاء إلى حوار لا يتصور أحد أن ينشغل به الحاج وهو في الحرم، الآن تطور الأمر فقد انشغل بعض الحجيج هذا العام بالتصوير (سيلفي) أمام الكعبة، وفي الحرم النبوي، وعند رمي الجمرات، وعند مرتفع الصفا والمروة، مع كل شعيرة صورة (سيلفي) وقد يبدو ما تقدم مذهلاً لمن تصور أن مجرد استحضار العبد لذنوبه وما اقترفه من (بلاوي) قادر أن ينسيه من فرط الندم نفسه، بل قد يستشعر من فرط التقصير بمشاعر تدخله في نوبة بكاء طويل تنسيه ما حوله ومن حوله، غير مفكر أبدا أن يمسك بموبايله (لتشيير) صورة (سيلفي) التقطها لنفسه وكأنه يقول لناسه وأصحابه، وجيرانه، ورواد الفيس بوك (شايفني أنا بحج)! ناسياً حج الرياء والسمعة، ثم أين الخشوع، أين الخضوع، أين الأوبة والتوبة، بل أين الحج يا حاج؟!
* سألوا الحكيم يوما ما الفرق بين من يتلفظ بالحب ومن يعيشه؟ قال الحكيم سوف ترون الآن، ودعاهم إلى وليمة وبدأ بالذين لم تتجاوز كلمة المحبة شفاههم، ولم ينزلوها إلى قلوبهم ثم أحضر الحساء وسكبه لهم واحضر لكل واحد منهم ملعقة بطول متر، واشترط عليهم أن يحتسوا الحساء بهذه الملعقة العجيبة، حاولوا جاهدين، لكنهم لم يفلحوا، فكل واحد منهم لم يستطع أن يوصل الحساء إلى فمه دون أن يسكبه على الأرض، وقاموا جائعين في هذا اليوم، ثم قال الحكيم والآن انظروا، ودعا الذين يعرف أنهم يحملون الحب داخل قلوبهم إلى نفس المائدة وقدم إليهم نفس الحساء، والملاعق الطويلة، فأخذ كل واحد ملعقته وملأها بالحساء ثم مدها إلى جاره الذي بجانبه، وبذلك شبعوا جميعا، ثم حمدوا الله، هنا وقف الحكيم ثم قال في الجمع حكمته والتي عايشوها عمليا والتي مفادها من يفكر أن يشبع نفسه فقط على مائدة الحياة فسيبقى جائعاً، ومن يفكر في أن يشبع أخاه فسيشبع الإثنان معاً.
* طبقات فوق الهمس
* قطعوا لساني
قطعوه يوما عندما سمعوه
يصرخ في براءته القديمة
عند اعتاب الكبار
اني احبُ.. ولا أحب
صاحوا جميعا
كيف (لا) دخلت لقاموس الصغار
صلبوا لساني علقوه على الجدار
قطعوه في وضح النهار
من يومها وانا اقول ولا أقول
وأرى لساني جثة خرساء
ينظر في ذهول.
(فاروق جويدة)
* الناس أحرار في أن يبوحوا بأفراحهم أو يكتموها، المهم ألا تكون متطفلاً يدس أنفه في شؤونهم الخاصة دون دعوة أو عزومة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1383
| 26 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى المحاكم، والقضاة، والسجون، ونصوص القوانين. غير أن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير؛ فليست كل جريمة يُعاقب عليها القانون، وليست كل براءة تصدرها المحكمة تعني براءة الضمير. فهناك جرائم لا تعرفها مواد قانون العقوبات، لكنها تترك في النفوس من الألم ما لا تتركه كثير من الجرائم الجنائية، لأنها تستهدف الإنسان في كرامته، ومشاعره، وثقته، وأمله بالحياة. إن القانون، مهما بلغ من الدقة، يبقى أداة لتنظيم المجتمع، لا لصناعة الفضيلة. فهو يعاقب من يسرق المال، لكنه قد يعجز عن محاسبة من يسرق فرحة إنسان، أو يهدم مستقبله بكلمة، أو يكسر قلبًا كان مفعمًا بالأمل. وقد يخرج شخص من المحكمة بريئًا، بينما يبقى مدانًا في محكمة الضمير، لأن العدالة القانونية شيء، والعدالة الأخلاقية شيء آخر. ولعل أولى هذه الجرائم هي كسر الخواطر، فكم من كلمة قاسية أطفأت نورًا في قلب إنسان، وكم من سخرية حطمت موهبة، وكم من احتقار قتل الثقة بالنفس. إن الجروح التي تصيب الجسد قد تلتئم، أما الجروح التي تصيب الروح فقد تبقى عمرًا كاملًا. لذلك جاء الإسلام ليجعل الكلمة الطيبة عبادة، والابتسامة صدقة، لأن بناء الإنسان يبدأ من احترام إنسانيته. ومن هذه الجرائم أيضًا جحود المعروف، فما أقسى أن يقف إنسان إلى جانبك في ساعة عسر، ثم تنكره عندما تتبدل الأحوال. إن نكران الجميل لا يعاقب عليه القانون، لكنه يهدم قيمة الوفاء، ويجعل الإحسان مغامرة لا يجرؤ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. وهناك جريمة أخرى لا تقل خطرًا، هي الظلم المعنوي؛ حين يُحرم إنسان من حقه في التقدير، أو تُسرق أفكاره، أو يُنسب جهده إلى غيره، أو يُقصى لأنه قال كلمة حق. وقد لا يجد القاضي نصًا يدين به هذا السلوك، لكنه يبقى عدوانًا على الكرامة الإنسانية، وهي أعظم ما يملكه الإنسان. ثم تأتي جريمة اللامبالاة، وهي من أخطر أمراض المجتمعات. أن ترى محتاجًا فلا تمد يدك إليه، أو تسمع أنين مظلوم فتدير وجهك عنه، أو تشاهد باطلًا يقع أمامك ثم تقنع نفسك بأن الأمر لا يعنيك. فالحياد أمام الظلم ليس دائمًا فضيلة، بل قد يكون مشاركة صامتة في استمراره. ومن أبشع الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون أن يكون الإنسان قادرًا على رفع الظلم عن مظلوم، أو إنقاذ بريء، أو قول شهادة تعيد حقًا إلى صاحبه، ثم يختار الصمت خوفًا أو مصلحة أو مجاملة. فالظلم لا يعيش بقوة الظالم وحده، وإنما يعيش أيضًا بصمت القادرين على منعه. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، فجعل الإثم في القلب قبل اللسان، لأن كتمان الحق خيانة للعدل قبل أن يكون مخالفة للأمانة. ولا تقل عن ذلك خطرًا جريمة يبررها بعض الناس باسم الوفاء للصداقة. فقد يعلم الإنسان أن صديقًا له اعتاد الكذب، أو الظلم، أو أكل حقوق الناس، ومع ذلك يستمر في الدفاع عنه، أو تلميع صورته، أو التغاضي عن أفعاله بحجة أنه صديق قديم. لكن الصداقة ليست رخصة لمساندة الباطل، ولا سنوات المعرفة تمنح أحدًا حصانة أخلاقية. إن الوفاء الحقيقي لا يكون للأشخاص إذا تعارضوا مع الحق، وإنما يكون للمبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان وعدالة المجتمع. ومن يجامل الظالم وهو يعلم ظلمه، فإنه لا يظلم الآخرين فحسب، بل يظلم الصداقة نفسها، لأنها تتحول من رابطة فضيلة إلى ستار يحجب الحقيقة. ثم تأتي جريمة الكلمة؛ فكم من أسرة تفككت بسبب إشاعة، وكم من سمعة اغتيلت بكذبة، وكم من إنسان عاش سنوات يدفع ثمن اتهام لم يرتكبه. إن الرصاصة قد تقتل إنسانًا واحدًا، أما الكلمة الكاذبة فقد تقتل حياة كاملة، وتترك آثارها في أسرته ومجتمعه. لقد أدرك الفلاسفة أن القانون يحفظ النظام، لكنه لا يصنع الأخلاق، وأن المجتمع لا يستقيم بالقوانين وحدها، بل بالضمائر الحية. فكلما ارتفع منسوب الأخلاق، قلت الحاجة إلى العقوبات، وكلما مات الضمير، ازدادت القوانين وعجزت عن تحقيق العدالة الحقيقية. إننا بحاجة إلى محكمة لا تُبنى بالحجارة، ولا يجلس فيها قاضٍ، بل يسكنها الضمير الإنساني. في تلك المحكمة تُحاكم قسوة القلوب، وكسر الخواطر، ونكران الجميل، وخيانة الأمانة، والصمت عن الظلم، ومجاملة الظالمين، والكلمة الجارحة، وكل ما يهدم الإنسان دون أن تلتفت إليه مواد القانون. وفي النهاية، قد ينجو الإنسان من حكم الأرض، لكنه لن ينجو من حكم السماء، ولن يفلت من محكمة الضمير التي لا تسقط أحكامها بالتقادم. فالجرائم التي لا يعاقب عليها القانون هي، في حقيقتها، أخطر الجرائم؛ لأنها لا تسرق مالًا أو تنتهك جسدًا فحسب، بل تقتل القيم، وتُميت الرحمة، وتكسر الإنسان من داخله. وإذا مات الضمير، فلن يبقى للقانون إلا أن يُحصي الضحايا، بعد أن يكون قد فات أوان إنقاذهم. باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
753
| 23 يوليو 2026
كل حضارة عظيمة بدأت بفكرة لم يكن لها نموذج سابق. لكن ماذا يحدث عندما يعيش الإنسان في زمن يرى فيه آلاف النماذج قبل أن يمنح فكرته فرصة لتولد؟ قد يبدو السؤال غريبًا، فالمعرفة كانت دائمًا طريقًا للتقدم، والتعلم من الآخرين هو أحد أسرار تطور الحضارات. لكن ما تغيّر في عصرنا ليس المعرفة، بل حجم ما نتعرض له من أفكار جاهزة كل يوم. لم يعد الإنسان يبحث عن فكرة، بل أصبحت الأفكار تبحث عنه أينما ذهب. وهنا يراودني سؤال لا يفارقني: هل يمكن أن يصبح فيض الإلهام نفسه عائقًا أمام الإبداع؟ كلما أصبحنا نرى آلاف الأفكار كل يوم، أصبح من الصعب أن نسمع فكرتنا نحن. الفكرة الجديدة لا تولد مكتملة، بل تبدأ هادئة، مترددة، وتحتاج إلى وقت حتى تنضج. لكنها اليوم تدخل في مقارنة غير عادلة منذ لحظتها الأولى، فتقيس نفسها بأعمال مكتملة استغرقت سنوات حتى وصلت إلى صورتها النهائية، فتتراجع قبل أن تمنح نفسها فرصة للحياة. أتساءل أحيانًا: لو أن بناة الأهرامات كانوا يستيقظون كل صباح أمام آلاف النماذج المعمارية الجاهزة، هل كانوا سيملكون الجرأة نفسها ليبتكروا ما لم يكن موجودًا؟ ليس المقصود إعادة قراءة التاريخ، بل إعادة قراءة حاضرنا. فكم فكرة لم تولد، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها خافت أن تكون أقل من أفكار الآخرين؟ ربما لم يبنِ الإنسان أعظم منجزاته لأنه رأى كل ما بناه الآخرون، بل لأنه وقف أمام مساحة لم يملأها أحد قبله، فقرر أن يملأها بفكرته. الإبداع لا يبدأ بما نراه... بل بما لا نجده. لا أدعو إلى أن نغلق نوافذنا على العالم، فالحضارات لم تتقدم يومًا في عزلة، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن يكون إبداع الآخرين مصدر إلهام، وبين أن يصبح المعيار الذي نحاكم به أفكارنا قبل أن تولد. وربما يكون التحدي الحقيقي في عصر المعرفة ليس أن نصل إلى مزيد من الأفكار، بل أن نحافظ، وسط هذا الضجيج، على شجاعة أن نفكر بأصواتنا نحن.
654
| 23 يوليو 2026