رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تلوح في الأفق بقوة إشارات انتفاضة فلسطينية ثالثة. رغم حرص كل من السلطة الوطنية. بقيادة الرئيس محمود عباس أبو مازن وسلطة الاحتلال الصهيوني على تجنبها. بيد أن عدوانية السلطة الأخيرة واستمرائها القتل الممنهج. ضد الفلسطينيين على نحو ينطوي على كافة ألوان الاستهانة بهم كبشر وكمواطنين. فضلا عن استمرارها في تدنيس مقدساتهم وفي مقدمتها قدس الأقداس - المسجد الأقصى -الذي لم تفتر همة قطعان المستوطنين مدعومين بقوات الأمن والجيش. عن اقتحامه بصورة يومية في تحد سافر للمشاعر الدينية تدفع الأمور دفعا. إلى تبني خيار الانتفاضة والتي ستكون هذه المرة أكثر اندفاعا. وربما تتجه إلى تعميق فعل العسكرة. بحسبان أن منهجية الخيارات السلمية التي اتبعت على مدى العقد والنصف الفائتين. لم تفض إلا إلى المزيد من عدوانية الكيان وقطعان مستوطنيه. والتهام المزيد من الأراضي ضمن مشروعه الاستيطاني الاستعماري الذي تطبقه حكوماته المتعاقبة. والذي اتسع نطاقه في زمن بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الأشد تطرفا من فرط تشكلها من عتاة المستوطنين. الذين باتوا يفرضون معادلتهم التلمودية على المشهد الصهيوني الداخلي برمته. خشية انفراط عقد التحالف الذي يربطهم بالإرهابي الأكبر نتنياهو.
واللافت أن موجات الغضب الفلسطيني باتت تنطلق من كل أنحاء فلسطين. سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة أو داخل الأراضي التي احتلت في العام 1948. فتوحد الفلسطينيون ربما للمرة الأولى منذ عقود في مواجهة النزوع العدواني الصهيوني. الذي لا يترك المقدس أو البشر أو الحجر. دون أن يطاله بشراسته التي تؤكد أنه ما زال سادرا في غيه وماضيا في مشروعه. لإنهاء كل ما هو فلسطيني وتكريس وجوده الغاصب. بصرف النظر عن كل ما يتردد عبثا من حلول ومبادرات وخيارات سلام. لأنها لم تعد قادرة على ردع المعتدي. وإنما تكتفي فقط بتوجيه فوهاتها إلى الطرف المعتدى الضحية المحتل. والذي قدم على مدى ثلاثة عقود كل ما يمكن اعتباره محفزا للطرف الآخر. لكي يقبل بمعادلة سلام تقوم على انسحابه من الأراضي المحتلة في يونيو من العام 1967. مقابل القبول بإقامة علاقات طبيعية معه. بل إن ثمة دولتين عربيتين هما مصر والأردن وقعتا معه بالفعل على اتفاقيتي سلام معه ورغم ذلك لم يتخل مطلقا عن منظوره العدواني للدولتين وشعبهما.
ووفق قناعتي أنه لم يعد خيار أمام الفلسطينيين سوى الانخراط في انتفاضة ثالثة. على الرغم مما يبدو من كلفة عالية قد تصل إلى حد قيام جيش الاحتلال الصهيوني. بعملية اجتياح واسعة لمدن الضفة الغربية وربما قطاع غزة. بعد مشاركة شبابه بقوة في موجة الغضب الراهنة. والأثمان الباهظة التي تدفعها الشعوب من أجل نيل حريتها واستقلالها هي واحدة من حقائق التاريخ والذي حفل بتضحيات الشعوب خلال مقاومتها للمحتل والغاصب وبعضها تجاوز مداه الزمني أكثر من 130 عاما مثل الشعب الجزائري الذي قدم مليون شهيد من شعبه لكنه في الأخير استعادة هويته التي كادت فرنسا الاستعمارية أن تمحوها من الحضور، ورفل في أثواب استقلاله. ومن ثم فإنه ينبغي أن يتوقف المرجفون والرافضون للانخراط في المقاومة بكل أشكالها ضد العدو الصهيوني الشديد الشعور بغطرسة القوة التي يمتلك بالفعل مقوماتها من جراء الإسناد الأمريكي والذي بلغ منذ سنوات مستوى التحالف الإستراتيجي معه وتبنى عقيدة تقوم على ضمان أمنه وضمان تفوقه العسكري على كافة جيرانه من العرب وغير العرب.
إن عبارة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر التي قالها في أعقاب هزيمة يونيو 1967 والتي أكد فيها أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بالقوة ما زالت صالحة وقابلة للتطبيق في فلسطين على الرغم مما يبدو من ميل ميزان القوة لصالح العدو الصهيوني على نحو يتجاوز بكثير إمكانات الشعب الفلسطيني. غير أن الروح القتالية والنضالية لهذا الشعب بمقدورها أن تتغلب على هذا العامل. وقد تحقق ذلك في أمثلة تفوق الكيان المدعوم بالأساس من قوى خارجية فالشعب الفيتنامي أنجز انتصاراته على الولايات المتحدة الأمريكية - القوة العالمية الأولى - في سبعينيات القرن الفائت والشعب الأفغاني أجبر الاتحاد السوفييتي – القوة العالمية الثانية- على الانسحاب من أراضيه ثمانينات القرن نفسه.
ولكن تجسيد هذه الحقيقة على الأرض. ولضمان انتفاضة قوية على الأرض يمكنها أن تسفر عن تغيير المعادلة السائدة في الأراضي المحتلة. لصالح حقوق الشعب الفلسطيني يتعين تحقيق جملة من المطالب:
أولا: الإسراع بتوحيد جهود كل الفصائل الفلسطينية والسعي إلى تجاوز كل خلافاتها لاسيَّما فتح وحماس. واللتان تمتلكان المساحة الشعبية الأوسع والقدرات التنظيمية الأكثر رسوخا. فمعادلة الخلاف التي ظلت سائدة منذ يونيو 2007 يجب أن تنتهي فورا وأن تتم إزالة كل مخلفاتها التي أضرمت نيران الكراهية والتناقض بين مشروعين. هما في الأساس موجهان للتحرير وليس لإشعال فتيل الحرب بينهما. إن القدس والأقصى والشهداء الذين رحلوا خلال الأيام القليلة الماضية ومن قبل ومن بعد. وكل الحقوق المغتصبة والأسرى الذين ما زالوا قابعين في سجون الاحتلال. والأطفال والأسر الذين قتلوا حرقا وبالرصاص الحي والمطاطي. يستحقون أن تتوحد من أجلهم كل الإمكانات النضالية للقوى الحية الفلسطينية.
ففي ظل استمرار الخلافات والتناقضات والانتهاكات المتبادلة فرض العدو معادلاته الاستيطانية والاستعمارية. وتمدد إلى القدس لتهويدها وأقصاها لتقسيمه زمانيا ومكانيا. تكفي كل هذه السنوات من غياب المصالحة.
ثانيا: إن النظام الإقليمي العربي مطالب بالتخلي عن دبلوماسيته الهادئة والناعمة. في التعاطي مع الكيان المحتل والعدو الذي ما زال يحتل الأرض.
إن لغة خطاب جديدة مطلوبة في المرحلة الراهنة. فلم تعد عبارة "السلام خيارنا الإستراتيجي" ملائمة للتعامل مع عدوانية قطعان بني صهيون. بالطبع لا أدعو إلى إعلان حالة الحرب من قبل الدول العربية. فذلك أدرك مدى صعوبته إلى حد الاستحالة في المرحلة الراهنة على الأقل. بفعل سيطرة حالة اضطراب غير مسبوقة على الأمة ودولها. والتي دفعتها دفعا إلى إزاحة القضية الفلسطينية من مرتبة القضية المركزية الأولى. إلى خانة القضية العادية النمطية اليومية التي لم تعد تلهم حماسا أو تحظى بتأييد مثلما كان الحال عليه قبل ثورات الربيع العربي. وفي الوقت نفسه فإن انتفاضة الشعب الفلسطيني المرتقبة. في حاجة إلى شبكة أمان مالية عربية وثمة قرارات صدرت في هذا الاتجاه منذ قمة بغداد في 2012. قضت بتوفير مائة مليون دولار للسلطة الوطنية شهريا مازالت بمنأى عن التزام أغلبية الدول العربية - ما عدا قلة قليلة - وبالتالي فإن تفعيل هذا الالتزام. فضلا عن دفع الدول العربية لمستحقاتها في صندوقي الأقصى والانتفاضة. والمقررة منذ قمة سرت في العام 2010 ضروري في هذه المرحلة بإلحاح. حتى يكون ذلك رافدا للمرحلة الجديدة لنضال الشعب الفسطيني. الذي يتساءل رجاله وشبابه ونساؤه دوما عن العرب.
ثالثا: إن تحركا فلسطينيا وعربيا على المستويين الإقليمي والدولي. متزامنا مع انطلاق الانتفاضة الجديدة أو حتى موجات الغضب الراهنة. من شأنه أن يشكل عنصر إسناد فاعلا لاسيَّما لدى النخب الثقافية بالذات داخل الجامعات والنخب السياسية والقوى الحزبية والبرلمانية. وذلك حتى يمكن تغيير توجهاتها لصالح نضال الشعب الفلسطيني. والذي تحركت قوى عديدة في أوروبا وأمريكا اللاتينية وحتى داخل الولايات المتحدة باتجاه تأييد حقوقه. بعد ما ترسخت لديها عدوانية الكيان وشراسة حكامه. المهم الاستمرار في هذا المنحى. ما يتطلب بالتأكيد تمويلا يمكن لبعض المؤسسات ورجال المال العرب أن يلعبوا دورا إيجابيا في توفيره.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
4632
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2655
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2295
| 02 يونيو 2026