رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان منح جائزة نوبل للسلام للجنة الرباعية للحوار الوطني التونسي مفاجأة من العيار الثقيل فلم يكن أحد يتوقع للجنة نوبل أن تمنح الجائزة لهذه اللجنة التي تضم أربع منظمات مدنية هي الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والهيئة الوطنية للمحامين التونسيين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، فقد تم ترشيح 273 اسما للحصول على الجائزة، ولم يكن متوقعًا بالمرة أن تعطى لشخص اعتباري عوضا عن شخص طبيعي ولكن تقدير العالم لجهود الرباعية التونسية جعلها تنحو هذا المنحى فتفوز اللجنة الرباعية بالجائزة ويجيء هذا الاختيار بالتأكيد تقديرا من العالم للدور الذي لعبته اللجنة الرباعية في إنقاذ سفينة الوطن التونسي من الغرق في مستنقع الاقتتال والاحتراب المؤدي إلى ضياع الثورة التي حلمت بها الأجيال في تونس وللحدث دلالات مهمة في كتاب الثورات ليس في هذا الوقت، فحسب بل في أوقات سابقة فبعض الثورات أكلت نفسها وتحولت إلى عنف ودماء وانقلبت على نفسها وانتكست كما في الثورة الفرنسية وبعضها تحول إلى حكم ديكتاتوري شمولي نكل بالجماهير عوضا عن أن ينتصر لها وينصفها كما في الثورة البلشفية، أما اليوم فإن نجاح الثورة التونسية وانهيار ثورات الربيع العربي الأخرى يشكل انتصارا للطبقة الوسطى والنخبة التونسية، فالجائزة منحت في واقع الحال لتجمع من عدة منظمات مدنية قوامها عمال ومهنيون ومحامون ومثقفون بذلوا جهدا كبيرا ومضنيا، وإن كان بطيئا لصياغة حوار وطني جاد ومقنع في وقت أوشكت فيه الثورة على الانتكاس بالاندفاع نحو العسكرة أو التشرذم والتشظي فهؤلاء المهنيون والمحامون والمثقفون هم الأبطال الحقيقيون الذين انتشلوا تونس قبل أن تسقط في الهاوية وثبتوها على مسار الديمقراطية التي تعني ضمن ما تعنيه عدم الانفراد بالحكم والتوافق والتعددية وقبول الآخر والأمن الاجتماعي فاستحقوا بلا جدال جائزة نوبل للسلام، لأنهم أنقذوا ثورة من الضياع.
أما في مصر فقد تآمرت الأحزاب الليبرالية واليسارية على أول عملية ديمقراطية حقيقية تشهدها مصر من زمن طويل وتآمرت على أول رئيس مصري مدني منتخب في أول انتخابات نزيهة وحقيقية في التاريخ المصري المعاصر شهد لها القاصي والداني إذ تمكن 35 حزبا سياسيا ليبراليا ويساريا من تشكيل جبهة إنقاذ وطني عملت بالتنسيق مع العسكر لإسقاط الثورة والرئيس المنتخب في مفارقة مدهشة فلم يحدث في التاريخ أن تآمرت الأحزاب المدنية على حكم مدني ديمقراطي، وعلى أول رئيس مدني منتخب لصالح العسكر الذين ظلوا يحكمون البلاد لنحو ستين عاما دون أن يحققوا للشعب ما يحلم به من عيش وحرية وكرامة وشكل تحالفهم مع الدولة العميقة ورجال الأعمال ومجموعات المصالح وفلول الحزب الوطني انتكاسة لثورة 25 يناير الأمر الذي أدى إلى قيام انقلاب 3 يوليو وإجهاض أول تجربة ديمقراطية والإطاحة بأول رئيس منتخب وإهانته وتلفيق التهم له ومعاملته بطريقة بربرية يندى لها الجبين، كما أعاد الانقلاب مصر إلى حكم الجنرالات فقد كشف معهد واشنطن للدراسات في دراسة له أن "25 جنرالا يحكمون مصر منذ 3 يوليو وهم الدائرة المقربة من السيسي"، وهم والسيسي مسؤولون عن دماء الأبرياء التي أريقت وعن آلاف الأبرياء الذين زج بهم في السجون وبعد تولي السيسي زعيم الانقلاب للرئاسة عاد الحكم الفردي الشمولي وانحلت جبهة الإنقاذ نهائيا وعادت الأحزاب كواجهات كرتونية وديكورات للعسكر واعتقل من رفع عقيرته وفرضت القيود على التعبير ووسائل الإعلام ولم يعد للمواطن الحق في التظاهر فلم يرتفع صوت ولم يعارض أحد وابتدع السيسي مكارثية جديدة وفتح أبواب السجون في انتكاسة لم تشهدها مصر حتى في عهد المخلوع حسني مبارك. العالم أدرك قيمة إنجاز تونس في ترسيخ الديمقراطية والتعددية وكان ذلك واضحا في بيان لجنة نوبل الذي أوضح أن منحه الجائزة للرباعية كان بسبب: "مساهمتها المهمة والحاسمة في بناء دولة ديمقراطية تعددية في تونس في أعقاب ثورة الياسمين العام 2011".. وأوضح البيان "أن اللجنة الرباعية للحوار الوطني في تونس تشكلت في صيف عام 2013 عندما كانت العملية الديمقراطية في خطر الانهيار نتيجة للاغتيالات السياسية والاضطرابات الاجتماعية على نطاق واسع حيث أنشأت عملية سياسية سلمية بديلة في وقت كانت البلاد على شفا الانهيار"..
إذن العالم قدر ما أنجزته تونس عندما شاهد ما يحدث في مصر وليبيا واليمن وسوريا فمنح جائزة نوبل للجنة الحوار الرباعية التونسية وهو حين منحها الجائزة كان يمنحها بحق للشعب التونسي كله وفي قلبه الطبقة الوسطى التي خرج من رحمها أولئك المحامون والمهنيون والمثقفون.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1626
| 04 يناير 2026
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
795
| 31 ديسمبر 2025
لا شكّ أن الجهود المبذولة لإبراز الوجه الحضاري والسياحي هي جهودٌ مقدَّرة ومحلّ اعتزاز، ونأمل أن تبلغ أسمى درجات التميّز والإبداع من خلال التكامل والتنسيق بين مختلف الجهات، وبمشاركة أطياف المجتمع كافة؛ بما يعكس الصورة المشرّفة للبلد، وثقافتها، وقيمها، ورُقيّ أهلها. وبحكم كوني من روّاد كورنيش الدوحة، فقد استوقفتني بعض الممارسات التي -من وجهة نظري- قد تؤثّر سلبًا في المشهد العام وجودة التجربة السياحية التي نطمح جميعًا إلى الارتقاء بها. إذ إن لهذه الممارسات انعكاساتٍ مباشرة على سمعة القطاع السياحي، وعلى جودة الخدمات المرتبطة به. ومن أبرز هذه الملاحظات انتشار مجموعات من الأشخاص الذين يمارسون الإرشاد السياحي دون ترخيص أو تأهيل مهني، يتمركزون في نقاط معيّنة على الكورنيش والمواقع الحيوية، ويعمدون إلى استقطاب السياح بصورة عشوائية تفتقر إلى التنظيم. وأشير هنا -من باب رصد الواقع لا التعميم- إلى بعض العمالة، ولا سيما الآسيوية منها، التي تفتقر إلى أبسط أدوات الإرشاد السياحي السليم، وإلى الوعي والبعد التاريخي والثقافي للمكان. وهنا يبرز تساؤلٌ مشروع: هل يحمل هؤلاء تصاريح رسمية تخوّلهم مزاولة هذه المهنة؟ وهل يمتلكون التأهيل المعرفي اللازم لنقل المعلومة الدقيقة عن التاريخ، والعادات، وقيم المجتمع؟ فالإرشاد السياحي ليس مجرّد مرافقة عابرة، بل هو تمثيلٌ حيّ، وصورة واقعية تُنقل إلى العالم عبر التواصل الإنساني المباشر، وتترك أثرًا دائمًا في ذاكرة الزائر والسائح. وتبرز ملاحظةٌ أخرى تتعلّق بالقوارب الخشبية السياحية التقليدية، حيث تظهر على بعضها علامات التهالك، وتدنّي معايير السلامة والنظافة، فضلًا عن غياب الأسلوب الاحترافي السياحي في التعامل مع الزوّار والسائحين، وهو ما يثير تساؤلًا حول مدى توافق هذه المشاهد مع الصورة العصرية والحضارية التي نحرص على تقديمها في أحد أبرز معالمنا السياحية. إن إعادة تأهيل هذه القوارب السياحية والارتقاء بجاهزيتها، من خلال تحسين معايير الأمان، وتوفير سبل الراحة، والالتزام الصارم بمعايير السلامة والنظافة، واعتماد أسلوب احترافي في الخدمة، من شأنه أن يجعلها أكثر جاذبية للسياح، ويحوّلها من وسيلة نقل عشوائية إلى عنصر سياحي فعّال يسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية على الكورنيش. إن كورنيش الدوحة ليس مجرّد معلمٍ عابر، بل لوحة نابضة تروي قصة وطن؛ فعن يمين الزائر تتجلّى الأبراج الشاهقة رمزًا للحداثة، وعن يساره يستحضر عبق التاريخ المرتبط بالبحر والغوص والبادية. وفي هذا التلاقي الفريد، يلتقي الماضي بالحاضر ليجسّدا رحلة بلدٍ حافظ على هويته وهو يعانق المستقبل. ومن هنا تكمن المفارقة في وجود بنية تحتية عالمية المستوى، يقابلها ضعف في جودة بعض التفاصيل الميدانية التي قد تبدو بسيطة، لكنها عميقة الأثر في جوهر التجربة السياحية. وفي المقابل، تمثّل مهنة الإرشاد السياحي فرصةً حقيقية وواعدة لأبناء الوطن من الجنسين، لما تتطلّبه من مخزون ثقافي ومعرفي واعتزاز بالهوية. وقد أثبت الشباب القطري كفاءته في شتى المجالات، وهو الأقدر على تقديم تجربة سياحية أصيلة تعكس القيم والتاريخ بصورة مشرّفة. إن اختيار الدوحة عاصمةً للسياحة الخليجية لعام 2026 هو إنجازٌ يفخر به الجميع، لكنه في الوقت ذاته يضع الجميع أمام مسؤوليةٍ مضاعفة لترجمة هذا اللقب إلى واقعٍ ملموس، يتجلّى في جودة التنظيم، وسلامة المرافق، ورُقيّ مستوى الخدمة. خلاصة القول.. تظلّ التجربة السياحية ناقصة ما لم يُرافقها محتوى إنساني وثقافي مؤهَّل يعكس روح المكان. إن الاستثمار في تنظيم وضبط معايير الخدمات الميدانية هو استثمارٌ في سمعة القطاع السياحي واستدامته؛ إذ لا يدوم التميّز إلا حين يلمسه الزائر والسائح واقعًا في كل تفاصيلها.
702
| 04 يناير 2026