رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
السؤال: ما الحكمة في تكرير السجدة؟
الجواب: الحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله ، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد، فلأمور أربعة
أولا : ترغيما للشيطان ، أَي دحرا لَهُ وإغاظة له وإذلالا ورميا لَهُ بالرغام . مأخوذ من الرغام وهو التراب ومنه أرغم الله أنفه ، وَإِنَّمَا يكون إرغاما لِأَنَّهُ يبغض السَّجْدَة لِأَنَّهُ مَا لُعن إِلَّا من إبائه عَن سُجُود آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَثْقَلُ مِنَ السُّجُودِ لِمَا لَحِقَهُ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لِامْتِنَاعِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ
والمعنى أن الشيطان لبَّس عليه صلاته وتعرض لإفسادها ونقصها فجعل الله تعالى للمصلي طريقا إلى جبر صلاته وتدارك ما لبَّسه عليه وإرغام الشيطان ورده خاسئا مبعدا عن مراده وكملت صلاة ابن آدم، بسجدتين فأضل الله سَعْي الشيطان حَيْثُ جعل وسوسته –التي يريد بها إضلال العبد وإبعاده عن ربه – جعل الله تعالى هذه الوسوسة لابن آدم سَببا للتقرب منه جلَّ مذكورا وعزَّ مرادا ، بينما اسْتحق هُوَ بِتَرْكِ سجدة الطرد من رحمة الله تعالى عندما أُمر بسجدة واحدة فلم يفعل، فنحن نسجد سجدتين ترغيما له، للحديث الصحيح عند مسلم من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - ؛ قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلاَثاً أَمْ أَرْبَعاً؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْساً، شَفَعْنَ لَهُ صَلاَتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَاماً لأَرْبَعٍ، كَانَتَا تَرْغِيماً لِلشَّيْطَانِ). صحيح مسلم.. كتاب المساجد ومواضع الصلاة. باب السهو في الصلاة والسجود له
وفي الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: "إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ"
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: "يَا وَيْلِي أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ".صحيح مسلم كتاب الإيمان. باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصَّلاة
وعن ربيعة بن كعب الأسلمي – رضي الله عنه – قال:
كنت أبيت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آتيه بوضوئه وبحاجته فقال: "سلني"
فقلت: مرافقتك في الجنة
قال: "أو غير ذلك"
قلت: هو ذاك
قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود"
صحيح مسلم كتاب الصلاة. باب فضل السجود والحث عليه
إن مرافقة المصطفى صلى اللّه عليه وسلم في الجنة من الدرجات العالية التي لا مطمع في الوصول إليها إلا بحضور الزلفى عند اللّه في الدنيا بكثرة السجود انظر أيها المتأمل في هذه الشريطة وارتباط القرينتين لتقف على سرّ دقيق فإن من أراد مرافقة الرسول صلى اللّه عليه وسلم لا يناله إلا بالقرب من اللّه ومن رام قرب اللّه لم ينله إلا بقرب حبيبه {قل إن كنتم تحبون اللّه فاتبعوني يحببكم اللّه} أوقع متابعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم بين المحبتين وذلك أن محبة العبد منوطة بمتابعته ومحبة اللّه العبد متوقفة على متابعة رسوله صلى اللّه عليه وسلم
وفي نفس التخريج قال ثوبان مَوْلَى رَسُولِ اللّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: سَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي اللهُ بِهِ الْجَنَّةَ أَوْ قَالَ قُلْتُ: بِأَحَبِّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ:"عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ للهِ، فَإِنَّكَ لاَ تَسْجُدُ للهِ سَجْدَةً إِلاَّ رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً"
فالسجود لهذا أفضل أركان الصلاة عند العلماء: (فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا فيه من الدعاء)؛ وذلك لأن الله يقول: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق:19]، فكلما سجد الإنسان زاد قرباً من الله سبحانه وتعالى.
وهاهو الشيطان يتميز غيظا وأغيظ ما يكون يوم العج والثج ، يوم تعج الأصوات ملبية وموحدة ، معلنة تفرد المولى تبارك وتعالى بالملك والحمد ويوم الثج يوم تذبح القرابين تقربا إلى الله تعالى في الأثر " ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أغيظ ولا أحقر منه يوم عرفة، وما ذلك إلا مما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر رأى جبريل يزع الملائكة. رواه مالك في الموطأ كتاب الحج باب جامع الحج.. وقال هذا مرسل وقد وصله الحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء - رضي الله عنه -
ولذا كان مشروعا للمسلم إغاظة وإذلال أعداء الله تعالى بالإقدام على ما يحب الله عز وجل ، وإقامة شريعته ، ونصر دينه، ومخالفة أصحاب الجحيم، قال تعالى :"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ"التوبة: {73} + التحريم :9
وقال تعالى :"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ"(التوبة: 123)
واسمع ما يقول المولى تبارك وتعالى فيما رصده لمن يغيظ أعداءه بطاعته له عز وجل "مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ"التوبة: (120)
وكلُّ أمر يقع مخالفا لما يتوقع أحدهم ، مباينا لما يظن ، سُمِّي مراغمة ، في الصحيح ، أَنَّ أَبَا ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- وَهُوَ نَائِمٌ، عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ
فَقَالَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لاَ إِلَهِ إِلاَّ الله ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ"
قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟
قَالَ: "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ"
قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟
قَالَ: "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ" ثَلاثاً
ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: "عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ"
قَالَ: فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرّ" صحيح مسلم كتاب الإيمان باب من مات لا يشرك باللَّه شيئاً دخل الجنَّة، ومن مات مشركاً دخل النار
ثانيا : عندما أمر الله تعالى الملائكة بسجدة آدم ، سجدوا ، فلما رفعوا رؤوسهم رأوا الشيطان لم يسجد، فسجدوا ثانيا شكرا لله تعالى فجرى ذلك في شريعتنا ، وهو المراد من قول بعضهم ، إن السجدة الثانية سجدة شكر.
لقد حكى الله تعالى قصة خلق الإنسان الأول وأمْره تعالى الملائكة بالسجود له في أكثر من سورة من كتابه بترتيب المصحف
أولا : البقرة: قال تعالى "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ" البقرة 34.
ثانيا : الأعراف: قال تعالى " وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ "{الأعراف:11}
ثالثا: الحجر : قال تعالى"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ*فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ* فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ*إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ"{الحجر:28-31}
رابعا: الإسراء : قال تعالى "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً"{الإسراء:61- 62}
خامسا: الكهف: قال تعالى "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً"{الكهف:50}
سادسا: طه : قال تعالى "وإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى"{طه: 116}
سابعا: ص: قال تعالى "إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ* فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ*فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ* قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ *قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ*قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ *وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ *قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ*إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ *قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ"ص:71-83}
هذه أخبار الملأ الأعلى عند واقعة خلق الإنسان الأول وتكريم الله تعالى له ورفع شأنه بالعلم ، وتوجيه الأمر الإلهي للملائكة بالسجود له عليه السلام فلعل السجدة الأولى منهم امتثالا للأمر الإلهي ، وكانت الثانية : شكرا لله تعالى على توفيقه لهم وخذلان عدو الله تعالى إبليس لتكبُّره واستعلائه ، وقياسه الفاسد الذي سوَّغ له الامتناع عن السجود ، ولا غرو أن تكون السجدة الثانية من الملائكة شكرا لله تعالى فهم الذين طبعهم الله تعالى على طاعته فهم يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ، لا يعصون الله ما أمرهم ، يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، وقد كان من هدي المصطفي صلى الله عليه وآله وسلم
فيما رواه أبو بكرة - رضي الله عنه - ؛ أنه - صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمْ كان إذا أتاه أمر يَسرُّه أو يُسَرُّ به، خر ساجداً، شكراً لله تبارك وتعالى. سنن ابن ماجه كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. باب ما جاء في الصلاة والسجدة عند الشكر. ومعنى – أمر- في قول أبي بكرة – رضي الله عنه - أنه صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمْ كان إذا أتاه أمر يسره أو يسر به - أي عظيم، جليل القدر، رفيع المنزلة، من هجوم نعمة منتظرة أو غير منتظرة مما يندر وقوعها].ومنه يُشرع سجود الشكر عند حصول نعمة واندفاع نقمة إذ السجود أقصى حالة العبد في التواضع لربه وهو أن يضع مكارم وجهه بالأرض ويُنَكِّس جوارحه وهكذا يليق بالمؤمن كلما زاده ربه محبوباً ازداد له تذللاً وافتقاراً فبه ترتبط النعمة ويجتلب المزيد
ومن عجيب ما ورد عن أبي حنيفة – رحمه الله تعالى - في عدم ندب سجود الشكر - قوله لو ألزم العبد بالسجود لكل نعمة متجددة كان عليه أن لا يغفل عن السجود طرفة عين فإن أعظم النعم نعمة الحياة وهي متجدّدة بتجديد الأنفاس والرد عليه بأن المراد سرور يحصل عند هجوم نعمة يُنتظر أن يفاجأ بها مما يندر وقوعه ومن ثم قيدها في الحديث بالمجييء على الاستعارة ومن ثم نكَّر أمر للتفخيم والتعظيم كما مر
قال الحاكم في مستدركه تعقيبا على الحديث الآنف الذكر أنه صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمْ كان إذا أتاه أمر يسره أو يسر به، خر ساجداً، شكراً لله تبارك وتعالى " قال هذا حديث صحيح
ولهذا الحديث شواهد يكثر ذكرها:
منها: أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى القرد فخر ساجدا
منها: أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا به زمانة فخر ساجدا
ومنها: أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَأَى نغاشيًّا ، فَخر سَاجِدا- شُكْرًا لِلَّهِ -
ومنها: أنه - صلى الله عليه وسلم - أتاه جعفر بن أبي طالب – رضي الله عنه - عند فتح خيبر، فخر ساجدا.فى المستدرك على الصحيحين كتاب الصلاة باب التأمين
نغاشا : أي قصيراً جداً ضعيف الحركة ناقص الخلق فخر ساجداً ثم قال أسأل اللّه العافية أخرجه الدارقطني والبيهقي
نقول إذا رأي المسلم مبتلى في دينه - ومصيبة الدين جلل – عاصيا خلع ربقة الإسلام من عنقه بينما هو موفق لطاعته ومهتد بهدي المصطفي صلى الله عليه وآله وسلم - يسن له السجود لذلك شكراً للّه على سلامته في دينه وفي أذكار النووي : إذا رأي المسلم مبتلى بنحو مرض أو نقص خلقة قال العلماء: ينبغي أن يقول هذا الذكر سراً – يقصد – قوله صلى الله عليه وآله وسلم - الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي عافاني مِمَّا ابْتلاكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي على كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلاً، " فمن فضل ذلك أن من قال هذا الدعاء " لَمْ يُصِبْهُ ذلكَ البَلاءُ" يقوله سرا بحيث يسمع نفسه –فقط - ولا يسمعه المبتلى في بدنه أو دنياه - لئلا يتألَّمَ قلبُه بذلك - إلا أن يكون المبتلى بليته في دينه كمعصية لله تعالى فيسمعه إن لم يخف مفسدة أو مضرة
وفي مغنى المحتاج من كتب فقه الشافعية تسن سجدة الشكر .. بعدما عدد بعضا من المواطن التي تشرع فيها قال : ومنها رؤية عاص يجهر بمعصيته ، ويظهر الساجد هذه السجدة للعاصي.مستدلين بحديث أبي بكرة - رضي الله عنه - الذي ذكرناه آنفا
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رضي الله عنه - قَالَ: (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَتَوَجَّهَ نَحْوَ صَدَقَتِهِ (فَاتَّبَعْتُهُ) (فَدَخَلَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَخَرَّ سَاجِدًا، فَأَطَالَ السُّجُودَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ اللَّهَ - عز وجل - قَدْ قَبَضَ نَفْسَهُ فِيهَا "، فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَجَلَسْتُ، " فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ "، قُلْتُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: " مَا شَأْنُكَ؟ "، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَجَدْتَ سَجْدَةً خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ - عز وجل - قَدْ قَبَضَ نَفْسَكَ فِيهَا، فَقَالَ: " إِنَّ جِبْرِيلَ - عليه السلام - أَتَانِي فَبَشَّرَنِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ - عز وجل - يَقُولُ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَسَجَدْتُ لِلَّهِ - عز وجل – شُكْرًا رَواهُ أَحْمَدُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ
وفي نظم المتناثر من الحديث المتواتر للشيخ محمد بن جعفر الكتاني كتاب الصلاة ، نقلا عن مرقاة الوصول لنوادر الأصول ما نصه "فسجدة الشكر معلوم رسمها في أفعال الرسول فتواترت عنه صلى اللّه عليه وسلم قد فعلها غير مرة ثم بعده أصحابه رضوان اللّه عليهم" ، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم – ليصوم شكرا لله تعالى على ما أنزله بعدو الله فرعون من الغرق ، وأنجى أخاه موسى من بطشه وكيده،كما في صيام عاشوراء ، صحيح البخاري،. كتاب الصوم. باب: صيام يوم عاشوراء. كما أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلى حتى تتورم قدماه شكرا له عز وجل على مغفرته لذنوبه ما تقدم منها وما تأخر صحيح البخاري، أبواب التهجد. باب: قيام النبي صلى الله عليه وسلم حتى ترم قدماه. صحيح مسلم كتاب صفة القيامة والجنّة والنّار. باب إكثار الأعمال، والاجتهاد في العبادة
ثالثا:لما صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلف جبريل ، عندما أرسله الله تعالى إليه ليعلمه الصلاة، لما سجد جبريل سجد صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما رفع رأسه ، وجد جبريل لا زال ساجدا وهو الإمام عاد فسجد، فكأنه سجد سجدتين ، فوجب في شريعته ما فعله صلى الله عليه وسلم
لما كان الأصل في العبادات كلها الاتباع ، وقال صلوات ربي وسلامه عليه :"صلوا كما رأيتموني أصلى " وقد صلى هو صلى الله عليه وآله وسلم ، كما رأي أمين الوحي جبريل عليه السلام يُصلى به كما في سنن أبي داود من حديث ابنِ عَبّاسٍ – رضي الله عنهما - قال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَمّنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلاَمُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرّتَيْنِ فَصَلّى بِيَ الظّهْرَ حِيْنَ زَالَتِ الشمس وكانَتْ قَدْرِ الشّرَاكِ، وَصَلّى بِيَ العَصْرَ حِينَ كَانَ ظلّهُ مِثْلَهُ، وَصَلّى بِي ـ يَعني الْمَغْرِبَ ـ حِينَ أَفْطَرَ الصّائّمُ، وَصَلّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشفَقُ، وَصَلّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطّعَامُ وَالشّرَابُ عَلَى الصّائّمِ، فَلمّا كَانَ الْغَدُ صَلّى بِيَ الظّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلّهُ مِثْلَهُ، وَصَلّى بِيَ الْعَصرَ حِينَ كَانَ ظِلّهُ مِثْلَيْهِ، وَصَلّى بِيَ المَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصّائّمُ، وَصَلّى بِيَ الْعَشَاءَ إِلَى ثُلُثِ الّليْلِ، وَصَلّى بِيَ الفَجْرَ فأَسْفَرَ، ثُمّ الْتَفَتَ إِلَيّ فقال: يَا مُحمّدُ وَقْتُ الأَنْبياءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْن هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ". سنن أبي داود، كتاب الصلاة. باب في المواقيت
وعن مشروعية عودة المأموم إلى السجود إذا رفع رأسه من السجود فوجد الإمام لا زال ساجدا في الصحيح قال صلوات الله وسلامه عليه "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْد.." صحيح البخاري كِتَاب الصَّلَاةِ. باب الصَّلَاةِ فِي السُّطُوحِ وَالْمِنْبَرِ وَالْخَشَبِ.صحيح مسلم كتاب الصلاة. باب ائتمام المأموم بالإِمام
والمراد بهذا الحديث أن الائتمام يقتضي متابعة المأموم لإمامه في أحوال الصلاة، فتنتفي المقارنة والمسابقة والمخالفة إلا ما دل الدليل الشرعي عليه
وعند الشافعي معنى "ليؤتمّ به" ليُقتدَى به في الأفعال الظاهرة، ولهذا يجوز أن يصلِّي المفترض خلف المتنفل، وبالعكس وعند غير الشافعي أن الإقتداء يكون في الأفعال الباطنة والظاهرة
وفي رواية " وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا " وهو يتناول الرفع من الركوع والرفع من السجود
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ – رضي الله عنه - "إِذَا رَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ يَعُودُ فَيَمْكُثُ بِقَدْرِ مَا رَفَعَ ثُمَّ يَتْبَعُ الْإِمَامَ" أخرجه البخاري في صحيحه معلقا في كِتَاب الْأَذَانِ. باب إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ.ووصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح وسياقه أتم ولفظه " لا تبادروا أئمتكم بالركوع ولا بالسجود، وإذا رفع أحدكم رأسه والإمام ساجد فليسجد، ثم ليمكث قدر ما سبقه به الإمام ". مصنف ابن أبي شيبة – باب الرجل يرفع رأسه قبل الإمام من قال يعود فيسجد (ج 1 / 402) رقم 4620 -
وكأنه أخذه من قوله صلى الله عليه وسلم "إنما جعل الإمام ليؤتم به " ومن قوله " وما فاتكم فأتموا".
وعند عبد الرزاق عن عمر نحو قول ابن مسعود ولفظه " أيما رجل رفع رأسه قبل الإمام في ركوع أو سجود فليضع رأسه بقدر رفعه إياه " مصنف عبد الرزاق باب الذي يخالف الإمام 2/ 373 رقم / 3759 وإسناده صحيح، قال الزين بن المنير: إذا كان الرافع المذكور يؤمر عنده بقضاء القدر الذي خرج فيه عن الإمام فأولى أن يتبعه في جملة السجود فلا يسجد حتى يسجد وقد روي هذا الحديث جمع من الصحابة منهم أبو هريرة وأنس وجابر وأبو موسى الأشعري وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم أجمعين –
من هذا كله كانت الحكمة هنا من مشروعية السجدتين ما كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أول يوم عمله جبريل عليه السلام الصلاة، ولما كان هو الإمام للأمة وأسوتها وقدوتها، فأوجب الله تعالى على أمته الاقتداء به صلوات ربي وسلامه عليه.
رابعا: السجدة الأولى : إشارة إنه خلق من الأرض ، والثانية : إلى أنه يعاد إليها ، والجلسة الخفيفة بين السجدتين إشارة إلى مقدار الدنيا الدنية قال تعالى عن هذه النشأة والنهاية ". مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى"{طه 55}
وعن قصر مدة الحياة على ظهر الأرض قال تعالى :"فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ" {الأحقاف: 35}
وقال عز من قائل " وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ"يونس : 45}
وقال:"وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ "الروم {55}
وثمة ملمح آخر في الصلاة عن قصر عمر الإنسان ، عند الموت من حق المسلم على المسلمين صلاة الجنازة ، وهي صلاة بلا أذان ولا إقامة، فمتى الأذان والإقامة؟
والجواب : عند الولادة مشروع الأذان للصلاة في أذن المولود اليمنى، والإقامة للصلاة في الأذن اليسرى ، فعند الولادة أذان وإقامة بلا صلاة ، وعند الوفاة صلاة بلا أذان ولا إقامة ، وذلك إشعارا بقصر مدة حياة الإنسان على ظهر هذه الأرض، كقصر ما بين الأذان والإقامة والنهوض للصلاة
ألا ما أقصر عمر الإنسان على ظهر هذه الأرض، بل عمر الدنيا كلها، فما هي إلا ساعة أو قريبا منها ، فلا بقاء ولا دوام هنا ، إننا هنا أشبه ما نكون بمسافر، توقف في مطار من المطارات، حينا من الوقت ، ثم ما يلبث أن يستأنف رحلته إلى قراره ومستقره الذي يقصده، مع هذا الاجتهاد في محاولة فهم حكمة التشريع الرباني، ليزداد المؤمن يقينا وتمسكا بشرع الله تعالى ويؤديه ، عن فهم عميق وحكمة بالغة ، فما أدركنا حكمته شكرنا الله تعالى عليه وحمدناه فهو مصدر كل نعمة، وما لم ندركه لخفائه سلمنا الأمر لله تعالى فله الحجة البالغة والحكمة السامية ، وربما تقاصرت العقول عن فهم مراد الشارع مما أمر ، وله عز وجل الأمر من قبل ومن بعد كما له الخلق
بعد ذكر هذه الحكم الأربع من وراء مشروعية تكرار السجود ، نقول ثمة حكم أخري وكم في الصلاة من أسرار وفي الحديث " صَلَّى عمار بن يَاسر صَلَاة فأخفَّها فَقيل لَهُ: خففت يَا أَبَا الْيَقظَان فَقَالَ: هَل رَأَيْتُمُونِي نقصت من حُدُودهَا شَيْئا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: إِنِّي بادرت سَهْو الشَّيْطَان، إِن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: “إِن العَبْد ليُصَلِّي الصَّلَاة لَا يكْتب لَهُ نصفهَا. وَلَا ثلثهَا وَلَا ربعهَا وَلَا خمسها وَلَا سدسها وَلَا عشرهَا” وَكَانَ يَقُول: “إِنَّمَا يكْتب للْعَبد من صلَاته مَا عقل مِنْهَا” المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، في تخريج ما في الإحياء من الأخبار وقال : أخرجه أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح وَهُوَ عِنْد أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. "مَا عقل مِنْهَا " أي ما تدبر وتأمل وأعمل فكره وقدح ذهنه ،هذا والله تعالى أعلى وأعلم.
هوامش:
كشف المشكل من حديث الصحيحين (3/ 162)
عمدة القاري شرح صحيح البخاري (7/ 313)
"المستدرك": (1/276)
النُّغاشي - بِضَم النُّون وَفتح الْغَيْن الْمُعْجَمَة المخففة ثمَّ ألف ثمَّ شين مُعْجمَة - وَهُوَ الرجل الْقصير، وَكَذَا فسره بِهِ ابْن فَارس وَابْن الْجَوْزِيّ فِي “تَحْقِيقه” (وَزَاد فِي “غَرِيبه” : الضَّعِيف الْحَرَكَة، وَكَذَا هُوَ فِي “المعرب” للمطرزي فَقَالَ: هُوَ الْقصير فِي [الْقَامَة] الضَّعِيف الْحَرَكَة (وَقَالَ فِي (زنيم) “رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام رَأَى رجلا نغاشيًّا يُقَال لَهُ: (زنيم) فَخر سَاجِدا” قَالَ: فَهَذَا عَلَى هَذَا اسْم علم الرجل بِعَيْنِه وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن: النغاشي: النَّاقِص الْخلقَة. وَقيل: هُوَ مختلط الْعقل. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَالرُّويَانِيّ: هُوَ النَّاقِص الْخلق. وَقيل: الْمُبْتَلَى. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي “خلاصته” : النغاشي [بتَشْديد الْيَاء] والنغاش - بحذفها - هُوَ: الْقصير جدًّا الضَّعِيف الْحَرَكَة (النَّاقِص الْخلق. وَكَذَا ذكره ابْن الْأَثِير، وَهَذِه الْأَقْوَال مُتَقَارِبَة)
هي أرضٌ جعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - صدقة لابن السبيل (حم) 1664، (ك) 2019، وحسنه الألباني في المشكاة: 937، وصَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: 1658، وفضل الصلاة على النبي بتحقيق الألباني ح7
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2241
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1482
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1134
| 11 أكتوبر 2026