رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما يحاك ضد منطقة الخليج العربي من مؤامرات ومخططات تستهدف أمن وسلامة أراضيها وكل مافوقها من مدن وقرى ومنشآت وأبراج ومصانع وقواعد عسكرية وتجمعات سكنية تستهدف زعزعة الأمن والأمان الذي منحه الله لهذه الجزيرة العربية ببركة وجود بيت الله الحرام فيها الذي جعله الله حرماً آمناً، وما يحاك كذلك ضد شعوبها من مؤامرات ومخططات تستهدف انسلاخ الناس من دينهم وإفساد عقيدتهم في هذه المنطقة التي شهدت مهبط الوحي ونشر الرسالة المحمدية الخاتمة..رسالة الإسلام.. ما يحاك ضد هذه المنطقة منذ عقود من الزمن وما زال يحاك ضدّها وبالأخص في السنوات الأخيرة ليجعلنا نتفكر كثيراً في أهمية العمل بجديّة من أجل درء تلك المخاطر المحتملة عن منطقة الخليج العربي وإفشال كل تلك المخططات والمؤامرات ضدها.
ولن أتحدث هنا عن ضبط كميات ضخمة من المخدرات قادمة من إيران أو غيرها من الدول أو ضبط كميات كبيرة من الأسلحة والمتفجرات أو كشف خلايا إرهابية وشبكات تجسس وغيرها من تلك المخاطر التي تهدد كل دول الخليج "مجتمعة أو متفرقة".. فالأمر مهم وخطير جداً ولكنه لا يعدو كونه مجرد أدوات ووسائل ضمن خطة كبرى تستهدف الهجوم على هذه المنطقة من قبل أعدائها "مجتمعين أو متفرّقين" أو غاية كبرى قد نجهل حقيقتها اليوم وقد نتلمس بعض خيوطها ونفك جزءاً من طلاسمها في المستقبل.
فبعد أن انشكفت تلك الوثائق التي فضحت تلك المخططات التي تحيكها الولايات المتحدة الأمريكية من أجل تغيير خريطة الشرق الأوسط الحالي والإتيان بملامح شرق أوسط جديد ترضاه أمريكا وإسرائيل..أصبحت الحكومات والشعوب في منطقة الخليج ترغب بمعرفة المزيد عما يدور في معسكرات الخصوم وفي رؤوس الأعداء، لقد كشفت تلك الوثائق مدى الخيانة الكبرى التي فعلتها أمريكا مع "حلفائها" في الخليج الذين باعوا لها نفطهم ومواردهم الطبيعية وعقدوا معها المواثيق والعهود من أجل أن تدافع عنهم أمريكا وتحميهم من كل خطرٍ خارجي محتمل أو أي مخاوف ومخاطر قد تستهدف آبار البترول وحقول الغاز..كل ذلك من المفترض أنه قد تبخّر في عقلية من يحكمون منطقة الخليج من صنّاع القرار السياسي فهذا الحليف الاستراتيجي قد تبين بأنه يخطط لأمر ما يستهدف التحكم أكثر فأكثر في المنطقة من خلال استمرارية بقائه فيها واستمرارية استغلاله لمواردها و "شفطه" لجيوب حكوماتها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة سواء كان ذلك عبر اتفاقيات تعاون أو دفاع مشترك أو شراء أسلحة أمريكية أو أنظمة دفاعية وغيرها من "البضاعة" الفاسدة التي تروّج لها أمريكا منذ عقود.. وما زلنا نشتري منها رغم مرور السنين وتقادم الزمن.. والأسوأ أنه رغم انكشاف مخططاتها ضد هذه المنطقة وتعاونها مع إيران لتغيير شكل المنطقة وفق مصلحة أمريكية إيرانية مشتركة.. إلا أننا مازلنا مخلصين لها ولإيران ولا نعلم ما هي أسباب ذلك الصمت القاتل أو الشلل التام تجاه سياسة أمريكا وإيران في المنطقة.
فشعوب المنطقة قد أيقنت تماماً منذ عقود من الزمن بأن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى للسيطرة على المنطقة وبعد اندلاع الثورات العربية أيقنت أكثر بأن إيران تشاركها بل وتنازعها تلك الرغبة في السيطرة على هذه المنطقة.. "الأولى" تقودها مصالحها المادية البشعة و "الثانية" تقودها طائفيتها الحاقدة البغيضة، ولكن السؤال الأهم ماذا عن الحكومات؟ هل تدرك نفس ما تدركه تلك الشعوب أو أنها تعرف المزيد والمزيد من تلك المخططات والمؤامرات الأمريكية والإيرانية ضد المنطقة؟ فإن كانت معرفتها متطابقة مع ما أيقنته وشعرت به الشعوب ولمسته في أحداث البحرين وبعض دول الخليج العربي فإن عليها مسؤولية تطمين الشعوب والأجيال القادمة حول مستقبل المنطقة وما هي الاحتياطات والاحترازات والإجراءات التي سيتخذونها لضمان استمرار أمن هذه المنطقة ومستقبل أبنائها وأجيالها، أما إذا كانت الحكومات تدرك وتعرف المزيد من تلك المخططات والمؤامرات – وهو المرجو والمأمول – فإنها مطالبة بأن تعمل جاهدة على كشفها للرأي العام أولاً بأول لعدم ترك المجال لوسائل الإعلام الأخرى كي تأخذ شعوب المنطقة إلى عالم الإشاعات والكذب، بالإضافة إلى العمل بشكل جماعي موحّد من أجل صدّ هذه المخططات الأمريكية والإيرانية في المنطقة فلا مجال للتهاون أو التساهل في رد أو صد تلك الهجمات.
إن شعوب المنطقة ومن واقع تجربة سيئة وخلفية تاريخية غير مطمئنة قد ترسّخت عندها الكثير من المخاوف والقناعات من عدم قدرة حكومات دول الخليج "مجتمعة أو متفرقة" على مواجهة إيران أو أمريكا، نظراً لتلك الإحباطات الكثيرة التي أحسّ بها الناس على امتداد عقود خلت وهم يسمعون عن مشاريع مشتركة مثل العملة الخليجية الموحّدة أو خطوط السكك الحديدية التي تربط بين دول الخليج أو مشاريع الجسور الثنائية أو مشكلات الحدود بينها ومدى المعاناة التي يعانيها مواطنو هذه الدول عند تنقلاتهم وأسفارهم بخلاف ما يشاهدونه في دول أوروبا التي يزورونها سنوياً ويقارنون دولهم بها في كل مرّة متحسّرين ومتألمين، أو حتى على مستوى القرارات الجماعية تجاه خصومهم كما في موقفهم تجاه إيران أو أحداث البحرين أو الثورة السورية التي أثبتت أن هناك اختلافاً في وجهات النظر وتفرقّاً في ردود الفعل تجاه إيران والنظام السوري المجرم، فالشعوب أصبحت ناضجة وتعرف موقف كل دولة من دول الخليج من إيران والنظام السوري، وأصبحت تدرك أكثر أن هناك دولاً تشجع الطغاة ضد شعوبهم ودولاً أخرى تشجع الشعوب ضد أنظمتها المجرمة وتدرك من يساهم فعلاً في دعم الجيش السوري الحرّ ومن يقف موقف المتفرج الصامت، فعلى حكومات المنطقة أن تتوحّد في مواقفها تجاه أعدائها وأن تبرهن على قدرتها على الدفاع عن شعوبها قبل مصالحها، فهم - أي الشعوب - القوة العظمى التي ستقف خلفهم ضد أعدائهم إذا ما حمى الوطيس وهم حماة حدود أوطانهم إذا ما اعتدى الغزاة، فبهم يكون النصر بعد التوكّل والاعتماد على الله سبحانه وتعالى، ولكن هل ستفهم تلك الحكومات ما تريده الشعوب منها وهل ستفعل ما ينبغي عليها فعله تجاه أعدائها لتحظى بتأييد شعوبها ودعمها أم أنها ستتخلى عن شعوبها في المستقبل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1674
| 14 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري أمام السنغال، جاءت ليلة نصف النهائي لتؤكد أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعطاء والقتال على أرض الملعب. قدمت مصر أداءً مشرفًا وأظهرت روحًا قتالية عالية، بينما كتب المغرب فصولًا جديدة من مسيرته القارية، مؤكدًا تأهله إلى النهائي بعد مواجهة ماراثونية مع نيجيريا امتدت إلى الأشواط الإضافية وحسمت بركلات الترجيح. المباراة حملت طابعًا تكتيكيًا معقدًا، اتسم بسرعة الإيقاع والالتحامات القوية، حيث فرض الطرفان ضغطًا متواصلًا طوال 120 دقيقة. المنتخب المغربي تعامل مع هذا الإيقاع بذكاء، فحافظ على تماسكه وتحكم في فترات الضغط العالي دون ارتباك. لم يكن التفوق المغربي قائمًا على الاستحواذ وحده، بل على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في المباريات الكبرى. تجلّى هذا التوازن في الجمع بين التنظيم الدفاعي والقدرة على الهجوم المنظم. لم يغامر المغرب دون حساب، ولم يتراجع بما يفقده زمام المبادرة. أغلق اللاعبون المساحات وحدّوا من خطورة نيجيريا، وفي المقابل استثمروا فترات امتلاك الكرة لبناء الهجمات بهدوء وصناعة الفرص، ما منحهم أفضلية ذهنية امتدت حتى ركلات الجزاء. في لحظة الحسم، تألق ياسين بونو، الذي تصدى لركلتي جزاء حاسمتين بتركيز وثقة، وهو ما منح المغرب بطاقة العبور إلى النهائي وأثبت حضوره في اللحظات المصيرية. على الصعيد الفني، يواصل وليد الركراكي تقديم نموذج المدرب القارئ للمباريات بإدارة متقنة، ما يعكس مشروعًا قائمًا على الانضباط والواقعية الإيجابية. هذا الأسلوب أسهم في تناغم الفريق، حيث أضاف إبراهيم دياز لمسات فنية ومهارات فردية ساعدت على تنويع الهجمات وصناعة الفرص، بينما برز أشرف حكيمي كقائد ميداني يجمع بين الصلابة والانضباط، مانحًا الفريق القدرة على مواجهة أصعب اللحظات بثقة وهدوء، وخلق الانسجام التكتيكي الذي ساعد المغرب على التقدم نحو ركلات الجزاء بأفضلية ذهنية واضحة. ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن الجمهور المغربي، الذي شكّل سندًا نفسيًا هائلًا، محولًا المدرجات إلى مصدر طاقة ودافع مستمر. كلمة أخيرة: الآن يستعد المغرب لمواجهة السنغال في النهائي، اختبار أخير لنضج هذا المنتخب وقدرته على تحويل الأداء المتزن والطموح المشروع إلى تتويج يليق بطموحات أمة كروية كاملة.
1398
| 16 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة القدم أن نرى العدسات تتجه إلى مواقع المشاهدين في المدرجات، تسلط الضوء على الوافدين من كل حدب وصوب بكل تقاليدهم في الملبس والهيئة والسلوك. لكن أتت النسخة الحالية من كأس أمم أفريقيا والمقامة في المغرب، لتكشف عن حالة جديدة فريدة خطفت الأضواء، وأصبحت محط أنظار وسائل الإعلام العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي. ففي جميع المباريات التي كان أحد طرفيها فريق الكونغو، كان أحد مشجعي هذا الفريق يقف طيلة وقت المباريات كتمثال جامد بلا حراك، بجسد مشدود ويد يرفعها أمامه كمن يلقي التحية، دون أن يهتف، ودون أن يتكلم، ودون أن يصفق، فقط هي تلك الهيئة الجامدة. لم يكن هذا التمثال البشري يثير الدهشة والانتباه فقط بهيئته، بل بالشخص الذي اتخذ هيئته، فقد كان يجسد بهذه الوضعية تمثالا للزعيم الكونغولي باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية عقب الاستقلال عام 1960م. «كوكا مبولادينغا»، هو اسم ذلك المشجع الكونغولي الذي تقمص هيئة الزعيم الاستقلالي لومومبا، وخطف أنظار الجماهير وعدسات التصوير، ليتحول إلى أيقونة وطنية تعبر عن رموز بلده وربط تاريخها بحاضرها، واستدعى رمزية الاستقلال ممثلًا في شخصية ذلك الزعيم الذي قاد الحركة الوطنية الكونغولية ولعب دورًا محوريًا في استقلال الكونغو بعد أن كانت مستعمرة بلجيكية، وعُرف بخطبه ومقالاته النارية التي شرح خلالها للأوساط المحلية والإقليمية والدولية جرائم البلجيك ضد الشعب الكونغولي وتورطهم في تهريب ثروات البلاد، وخاض مظاهرات شعبية ومواجهات ضد الاحتلال، وتعرض للسجن، إلى أن استقلت بلاده وشغل منصب رئيس الوزراء، إلى أن قام الانقلاب العسكري الذي أدى إلى اعتقاله وتعذيبه وإعدامه بعد عام واحد من الاستقلال. لم يختر المشجع مبولادينغا رفع العلم أو دهن وجهه بألوانه، أو أداء رقصة شعبية كونغولية، أو أي من هذه المظاهر المعتادة لتمثيل بلاده، بل اختار ذلك السكون والجمود على مدى 438 دقيقة، هي زمن المباريات التي خاضها فريقه. كان مشهدًا مؤثرًا لكل من طالعه، ولم يتوقف هذا التأثير عند حد الإعجاب بالرجل، ولكن تعداه إلى ما هو أبعد بكثير من ذلك، إذ إنه أقام جسرًا ممتدًا للتعريف ببلاده ورموزها، فقد تدفق اللجوء إلى محركات البحث عن الكونغو واستقلالها وزعيمها، فنقل رجل واحد – بذلك السلوك- وطنه إلى حيز الاهتمام العالمي، وعرّف ببلاده بشكل أقوى وأسرع وأكثر كثافة من كل ما يكتب عن الكونغو وتاريخها وحاضرها ورموزها. لقد اتضح لي من البحث أن هذا الرجل يسير على نفس النهج من التشجيع بهذه الهيئة، منذ قرابة اثني عشر عاما، بما يعني أن الرجل صاحب قضية، وصاحب رسالة وحس وطني، ويحمل بين جنباته حب وطنه وقضاياه، يرغب في أن يتعرف العالم على تاريخ بلاده المنسية ورموزها، بما ينفي عنه تهمة السعي وراء (التريندات). لقد صار الرجل أبرز رموز كأس الأمم بالمغرب، وأصبح أيقونة وطنية معبرة عن الكونغو، ما جعله محل اهتمام رسمي قوي، فقد التقط رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي صورة تذكارية معه خلال مباراة الجزائر والكونغو، وقام وزير الرياضة الكونغولي بتكريمه لتشريفه بلاده وتمثيلها خير تمثيل، وأهداه عربة دفع رباعي «جيب»، وأهداه الاتحاد الجزائري لكرة القدم قمصان المنتخب الجزائري بعدما أبكاه خروج منتخب بلاده أمام الجزائر، ووجهت اللجنة المنظمة للبطولة دعوة رسمية له لحضور المباراة النهائية، إضافة إلى أنه كان لا يستطيع أن يخرج من غرفة فندقه بسبب تدافع الناس لالتقاط الصور معه والتحدث إليه. المشجع الكونغولي الذي أحيا قصة الاستقلال، كان بصمته وجموده يؤدي طقسًا وطنيًا ويجسد شكلا من أشكال الانتماء للوطن، وغدا كجندي يحرس ذاكرة بلاده وشاهد على تاريخ يجمع بين الألم والأمل. أمثال هذا الرجل هم القوة الناعمة الحقيقية لأي دولة، أولئك هم السفراء الذين يجسدون معاني الوطنية والاعتزاز بالوطن والدعاية له والتعريف به وشرح قضاياه. إننا مطالبون كذلك كلما تخطينا حدود بلادنا أن نكون سفراء لها، ندرك أننا في أسفارنا نرسم الصورة الذهنية للآخرين عن بلادنا، فالفرد هو جزء من مجتمعه، من وطنه، سوف ينقل ثقافته وقضاياه إلى الشعوب لا بالشعارات والأغاني، إنما بالسلوك والقيم.
861
| 11 يناير 2026