رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
السؤال: ما الحكمة في تكرير السجدة؟
الجواب: الحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله ، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد، فلأمور أربعة
أولا : ترغيما للشيطان ، أَي دحرا لَهُ وإغاظة له وإذلالا ورميا لَهُ بالرغام . مأخوذ من الرغام وهو التراب ومنه أرغم الله أنفه ، وَإِنَّمَا يكون إرغاما لِأَنَّهُ يبغض السَّجْدَة لِأَنَّهُ مَا لُعن إِلَّا من إبائه عَن سُجُود آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَثْقَلُ مِنَ السُّجُودِ لِمَا لَحِقَهُ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لِامْتِنَاعِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ
والمعنى أن الشيطان لبَّس عليه صلاته وتعرض لإفسادها ونقصها فجعل الله تعالى للمصلي طريقا إلى جبر صلاته وتدارك ما لبَّسه عليه وإرغام الشيطان ورده خاسئا مبعدا عن مراده وكملت صلاة ابن آدم، بسجدتين فأضل الله سَعْي الشيطان حَيْثُ جعل وسوسته –التي يريد بها إضلال العبد وإبعاده عن ربه – جعل الله تعالى هذه الوسوسة لابن آدم سَببا للتقرب منه جلَّ مذكورا وعزَّ مرادا ، بينما اسْتحق هُوَ بِتَرْكِ سجدة الطرد من رحمة الله تعالى عندما أُمر بسجدة واحدة فلم يفعل، فنحن نسجد سجدتين ترغيما له، للحديث الصحيح عند مسلم من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - ؛ قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلاَثاً أَمْ أَرْبَعاً؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْساً، شَفَعْنَ لَهُ صَلاَتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَاماً لأَرْبَعٍ، كَانَتَا تَرْغِيماً لِلشَّيْطَانِ). صحيح مسلم.. كتاب المساجد ومواضع الصلاة. باب السهو في الصلاة والسجود له
وفي الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: "إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ"
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: "يَا وَيْلِي أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ".صحيح مسلم كتاب الإيمان. باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصَّلاة
وعن ربيعة بن كعب الأسلمي – رضي الله عنه – قال:
كنت أبيت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آتيه بوضوئه وبحاجته فقال: "سلني"
فقلت: مرافقتك في الجنة
قال: "أو غير ذلك"
قلت: هو ذاك
قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود"
صحيح مسلم كتاب الصلاة. باب فضل السجود والحث عليه
إن مرافقة المصطفى صلى اللّه عليه وسلم في الجنة من الدرجات العالية التي لا مطمع في الوصول إليها إلا بحضور الزلفى عند اللّه في الدنيا بكثرة السجود انظر أيها المتأمل في هذه الشريطة وارتباط القرينتين لتقف على سرّ دقيق فإن من أراد مرافقة الرسول صلى اللّه عليه وسلم لا يناله إلا بالقرب من اللّه ومن رام قرب اللّه لم ينله إلا بقرب حبيبه {قل إن كنتم تحبون اللّه فاتبعوني يحببكم اللّه} أوقع متابعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم بين المحبتين وذلك أن محبة العبد منوطة بمتابعته ومحبة اللّه العبد متوقفة على متابعة رسوله صلى اللّه عليه وسلم
وفي نفس التخريج قال ثوبان مَوْلَى رَسُولِ اللّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: سَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي اللهُ بِهِ الْجَنَّةَ أَوْ قَالَ قُلْتُ: بِأَحَبِّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ:"عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ للهِ، فَإِنَّكَ لاَ تَسْجُدُ للهِ سَجْدَةً إِلاَّ رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً"
فالسجود لهذا أفضل أركان الصلاة عند العلماء: (فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا فيه من الدعاء)؛ وذلك لأن الله يقول: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق:19]، فكلما سجد الإنسان زاد قرباً من الله سبحانه وتعالى.
وهاهو الشيطان يتميز غيظا وأغيظ ما يكون يوم العج والثج ، يوم تعج الأصوات ملبية وموحدة ، معلنة تفرد المولى تبارك وتعالى بالملك والحمد ويوم الثج يوم تذبح القرابين تقربا إلى الله تعالى في الأثر " ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أغيظ ولا أحقر منه يوم عرفة، وما ذلك إلا مما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر رأى جبريل يزع الملائكة. رواه مالك في الموطأ كتاب الحج باب جامع الحج.. وقال هذا مرسل وقد وصله الحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء - رضي الله عنه -
ولذا كان مشروعا للمسلم إغاظة وإذلال أعداء الله تعالى بالإقدام على ما يحب الله عز وجل ، وإقامة شريعته ، ونصر دينه، ومخالفة أصحاب الجحيم، قال تعالى :"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ"التوبة: {73} + التحريم :9
وقال تعالى :"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ"(التوبة: 123)
واسمع ما يقول المولى تبارك وتعالى فيما رصده لمن يغيظ أعداءه بطاعته له عز وجل "مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ"التوبة: (120)
وكلُّ أمر يقع مخالفا لما يتوقع أحدهم ، مباينا لما يظن ، سُمِّي مراغمة ، في الصحيح ، أَنَّ أَبَا ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- وَهُوَ نَائِمٌ، عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ
فَقَالَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لاَ إِلَهِ إِلاَّ الله ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ"
قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟
قَالَ: "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ"
قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟
قَالَ: "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ" ثَلاثاً
ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: "عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ"
قَالَ: فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرّ" صحيح مسلم كتاب الإيمان باب من مات لا يشرك باللَّه شيئاً دخل الجنَّة، ومن مات مشركاً دخل النار
ثانيا : عندما أمر الله تعالى الملائكة بسجدة آدم ، سجدوا ، فلما رفعوا رؤوسهم رأوا الشيطان لم يسجد، فسجدوا ثانيا شكرا لله تعالى فجرى ذلك في شريعتنا ، وهو المراد من قول بعضهم ، إن السجدة الثانية سجدة شكر.
لقد حكى الله تعالى قصة خلق الإنسان الأول وأمْره تعالى الملائكة بالسجود له في أكثر من سورة من كتابه بترتيب المصحف
أولا : البقرة: قال تعالى "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ" البقرة 34.
ثانيا : الأعراف: قال تعالى " وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ "{الأعراف:11}
ثالثا: الحجر : قال تعالى"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ*فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ* فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ*إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ"{الحجر:28-31}
رابعا: الإسراء : قال تعالى "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً"{الإسراء:61- 62}
خامسا: الكهف: قال تعالى "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً"{الكهف:50}
سادسا: طه : قال تعالى "وإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى"{طه: 116}
سابعا: ص: قال تعالى "إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ* فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ*فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ* قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ *قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ*قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ *وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ *قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ*إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ *قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ"ص:71-83}
هذه أخبار الملأ الأعلى عند واقعة خلق الإنسان الأول وتكريم الله تعالى له ورفع شأنه بالعلم ، وتوجيه الأمر الإلهي للملائكة بالسجود له عليه السلام فلعل السجدة الأولى منهم امتثالا للأمر الإلهي ، وكانت الثانية : شكرا لله تعالى على توفيقه لهم وخذلان عدو الله تعالى إبليس لتكبُّره واستعلائه ، وقياسه الفاسد الذي سوَّغ له الامتناع عن السجود ، ولا غرو أن تكون السجدة الثانية من الملائكة شكرا لله تعالى فهم الذين طبعهم الله تعالى على طاعته فهم يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ، لا يعصون الله ما أمرهم ، يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، وقد كان من هدي المصطفي صلى الله عليه وآله وسلم
فيما رواه أبو بكرة - رضي الله عنه - ؛ أنه - صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمْ كان إذا أتاه أمر يَسرُّه أو يُسَرُّ به، خر ساجداً، شكراً لله تبارك وتعالى. سنن ابن ماجه كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. باب ما جاء في الصلاة والسجدة عند الشكر. ومعنى – أمر- في قول أبي بكرة – رضي الله عنه - أنه صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمْ كان إذا أتاه أمر يسره أو يسر به - أي عظيم، جليل القدر، رفيع المنزلة، من هجوم نعمة منتظرة أو غير منتظرة مما يندر وقوعها].ومنه يُشرع سجود الشكر عند حصول نعمة واندفاع نقمة إذ السجود أقصى حالة العبد في التواضع لربه وهو أن يضع مكارم وجهه بالأرض ويُنَكِّس جوارحه وهكذا يليق بالمؤمن كلما زاده ربه محبوباً ازداد له تذللاً وافتقاراً فبه ترتبط النعمة ويجتلب المزيد
ومن عجيب ما ورد عن أبي حنيفة – رحمه الله تعالى - في عدم ندب سجود الشكر - قوله لو ألزم العبد بالسجود لكل نعمة متجددة كان عليه أن لا يغفل عن السجود طرفة عين فإن أعظم النعم نعمة الحياة وهي متجدّدة بتجديد الأنفاس والرد عليه بأن المراد سرور يحصل عند هجوم نعمة يُنتظر أن يفاجأ بها مما يندر وقوعه ومن ثم قيدها في الحديث بالمجييء على الاستعارة ومن ثم نكَّر أمر للتفخيم والتعظيم كما مر
قال الحاكم في مستدركه تعقيبا على الحديث الآنف الذكر أنه صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمْ كان إذا أتاه أمر يسره أو يسر به، خر ساجداً، شكراً لله تبارك وتعالى " قال هذا حديث صحيح
ولهذا الحديث شواهد يكثر ذكرها:
منها: أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى القرد فخر ساجدا
منها: أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا به زمانة فخر ساجدا
ومنها: أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَأَى نغاشيًّا ، فَخر سَاجِدا- شُكْرًا لِلَّهِ -
ومنها: أنه - صلى الله عليه وسلم - أتاه جعفر بن أبي طالب – رضي الله عنه - عند فتح خيبر، فخر ساجدا.فى المستدرك على الصحيحين كتاب الصلاة باب التأمين
نغاشا : أي قصيراً جداً ضعيف الحركة ناقص الخلق فخر ساجداً ثم قال أسأل اللّه العافية أخرجه الدارقطني والبيهقي
نقول إذا رأي المسلم مبتلى في دينه - ومصيبة الدين جلل – عاصيا خلع ربقة الإسلام من عنقه بينما هو موفق لطاعته ومهتد بهدي المصطفي صلى الله عليه وآله وسلم - يسن له السجود لذلك شكراً للّه على سلامته في دينه وفي أذكار النووي : إذا رأي المسلم مبتلى بنحو مرض أو نقص خلقة قال العلماء: ينبغي أن يقول هذا الذكر سراً – يقصد – قوله صلى الله عليه وآله وسلم - الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي عافاني مِمَّا ابْتلاكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي على كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلاً، " فمن فضل ذلك أن من قال هذا الدعاء " لَمْ يُصِبْهُ ذلكَ البَلاءُ" يقوله سرا بحيث يسمع نفسه –فقط - ولا يسمعه المبتلى في بدنه أو دنياه - لئلا يتألَّمَ قلبُه بذلك - إلا أن يكون المبتلى بليته في دينه كمعصية لله تعالى فيسمعه إن لم يخف مفسدة أو مضرة
وفي مغنى المحتاج من كتب فقه الشافعية تسن سجدة الشكر .. بعدما عدد بعضا من المواطن التي تشرع فيها قال : ومنها رؤية عاص يجهر بمعصيته ، ويظهر الساجد هذه السجدة للعاصي.مستدلين بحديث أبي بكرة - رضي الله عنه - الذي ذكرناه آنفا
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رضي الله عنه - قَالَ: (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَتَوَجَّهَ نَحْوَ صَدَقَتِهِ (فَاتَّبَعْتُهُ) (فَدَخَلَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَخَرَّ سَاجِدًا، فَأَطَالَ السُّجُودَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ اللَّهَ - عز وجل - قَدْ قَبَضَ نَفْسَهُ فِيهَا "، فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَجَلَسْتُ، " فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ "، قُلْتُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: " مَا شَأْنُكَ؟ "، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَجَدْتَ سَجْدَةً خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ - عز وجل - قَدْ قَبَضَ نَفْسَكَ فِيهَا، فَقَالَ: " إِنَّ جِبْرِيلَ - عليه السلام - أَتَانِي فَبَشَّرَنِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ - عز وجل - يَقُولُ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَسَجَدْتُ لِلَّهِ - عز وجل – شُكْرًا رَواهُ أَحْمَدُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ
وفي نظم المتناثر من الحديث المتواتر للشيخ محمد بن جعفر الكتاني كتاب الصلاة ، نقلا عن مرقاة الوصول لنوادر الأصول ما نصه "فسجدة الشكر معلوم رسمها في أفعال الرسول فتواترت عنه صلى اللّه عليه وسلم قد فعلها غير مرة ثم بعده أصحابه رضوان اللّه عليهم" ، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم – ليصوم شكرا لله تعالى على ما أنزله بعدو الله فرعون من الغرق ، وأنجى أخاه موسى من بطشه وكيده،كما في صيام عاشوراء ، صحيح البخاري،. كتاب الصوم. باب: صيام يوم عاشوراء. كما أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلى حتى تتورم قدماه شكرا له عز وجل على مغفرته لذنوبه ما تقدم منها وما تأخر صحيح البخاري، أبواب التهجد. باب: قيام النبي صلى الله عليه وسلم حتى ترم قدماه. صحيح مسلم كتاب صفة القيامة والجنّة والنّار. باب إكثار الأعمال، والاجتهاد في العبادة
ثالثا:لما صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلف جبريل ، عندما أرسله الله تعالى إليه ليعلمه الصلاة، لما سجد جبريل سجد صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما رفع رأسه ، وجد جبريل لا زال ساجدا وهو الإمام عاد فسجد، فكأنه سجد سجدتين ، فوجب في شريعته ما فعله صلى الله عليه وسلم
لما كان الأصل في العبادات كلها الاتباع ، وقال صلوات ربي وسلامه عليه :"صلوا كما رأيتموني أصلى " وقد صلى هو صلى الله عليه وآله وسلم ، كما رأي أمين الوحي جبريل عليه السلام يُصلى به كما في سنن أبي داود من حديث ابنِ عَبّاسٍ – رضي الله عنهما - قال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَمّنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلاَمُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرّتَيْنِ فَصَلّى بِيَ الظّهْرَ حِيْنَ زَالَتِ الشمس وكانَتْ قَدْرِ الشّرَاكِ، وَصَلّى بِيَ العَصْرَ حِينَ كَانَ ظلّهُ مِثْلَهُ، وَصَلّى بِي ـ يَعني الْمَغْرِبَ ـ حِينَ أَفْطَرَ الصّائّمُ، وَصَلّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشفَقُ، وَصَلّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطّعَامُ وَالشّرَابُ عَلَى الصّائّمِ، فَلمّا كَانَ الْغَدُ صَلّى بِيَ الظّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلّهُ مِثْلَهُ، وَصَلّى بِيَ الْعَصرَ حِينَ كَانَ ظِلّهُ مِثْلَيْهِ، وَصَلّى بِيَ المَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصّائّمُ، وَصَلّى بِيَ الْعَشَاءَ إِلَى ثُلُثِ الّليْلِ، وَصَلّى بِيَ الفَجْرَ فأَسْفَرَ، ثُمّ الْتَفَتَ إِلَيّ فقال: يَا مُحمّدُ وَقْتُ الأَنْبياءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْن هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ". سنن أبي داود، كتاب الصلاة. باب في المواقيت
وعن مشروعية عودة المأموم إلى السجود إذا رفع رأسه من السجود فوجد الإمام لا زال ساجدا في الصحيح قال صلوات الله وسلامه عليه "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْد.." صحيح البخاري كِتَاب الصَّلَاةِ. باب الصَّلَاةِ فِي السُّطُوحِ وَالْمِنْبَرِ وَالْخَشَبِ.صحيح مسلم كتاب الصلاة. باب ائتمام المأموم بالإِمام
والمراد بهذا الحديث أن الائتمام يقتضي متابعة المأموم لإمامه في أحوال الصلاة، فتنتفي المقارنة والمسابقة والمخالفة إلا ما دل الدليل الشرعي عليه
وعند الشافعي معنى "ليؤتمّ به" ليُقتدَى به في الأفعال الظاهرة، ولهذا يجوز أن يصلِّي المفترض خلف المتنفل، وبالعكس وعند غير الشافعي أن الإقتداء يكون في الأفعال الباطنة والظاهرة
وفي رواية " وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا " وهو يتناول الرفع من الركوع والرفع من السجود
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ – رضي الله عنه - "إِذَا رَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ يَعُودُ فَيَمْكُثُ بِقَدْرِ مَا رَفَعَ ثُمَّ يَتْبَعُ الْإِمَامَ" أخرجه البخاري في صحيحه معلقا في كِتَاب الْأَذَانِ. باب إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ.ووصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح وسياقه أتم ولفظه " لا تبادروا أئمتكم بالركوع ولا بالسجود، وإذا رفع أحدكم رأسه والإمام ساجد فليسجد، ثم ليمكث قدر ما سبقه به الإمام ". مصنف ابن أبي شيبة – باب الرجل يرفع رأسه قبل الإمام من قال يعود فيسجد (ج 1 / 402) رقم 4620 -
وكأنه أخذه من قوله صلى الله عليه وسلم "إنما جعل الإمام ليؤتم به " ومن قوله " وما فاتكم فأتموا".
وعند عبد الرزاق عن عمر نحو قول ابن مسعود ولفظه " أيما رجل رفع رأسه قبل الإمام في ركوع أو سجود فليضع رأسه بقدر رفعه إياه " مصنف عبد الرزاق باب الذي يخالف الإمام 2/ 373 رقم / 3759 وإسناده صحيح، قال الزين بن المنير: إذا كان الرافع المذكور يؤمر عنده بقضاء القدر الذي خرج فيه عن الإمام فأولى أن يتبعه في جملة السجود فلا يسجد حتى يسجد وقد روي هذا الحديث جمع من الصحابة منهم أبو هريرة وأنس وجابر وأبو موسى الأشعري وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم أجمعين –
من هذا كله كانت الحكمة هنا من مشروعية السجدتين ما كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أول يوم عمله جبريل عليه السلام الصلاة، ولما كان هو الإمام للأمة وأسوتها وقدوتها، فأوجب الله تعالى على أمته الاقتداء به صلوات ربي وسلامه عليه.
رابعا: السجدة الأولى : إشارة إنه خلق من الأرض ، والثانية : إلى أنه يعاد إليها ، والجلسة الخفيفة بين السجدتين إشارة إلى مقدار الدنيا الدنية قال تعالى عن هذه النشأة والنهاية ". مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى"{طه 55}
وعن قصر مدة الحياة على ظهر الأرض قال تعالى :"فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ" {الأحقاف: 35}
وقال عز من قائل " وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ"يونس : 45}
وقال:"وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ "الروم {55}
وثمة ملمح آخر في الصلاة عن قصر عمر الإنسان ، عند الموت من حق المسلم على المسلمين صلاة الجنازة ، وهي صلاة بلا أذان ولا إقامة، فمتى الأذان والإقامة؟
والجواب : عند الولادة مشروع الأذان للصلاة في أذن المولود اليمنى، والإقامة للصلاة في الأذن اليسرى ، فعند الولادة أذان وإقامة بلا صلاة ، وعند الوفاة صلاة بلا أذان ولا إقامة ، وذلك إشعارا بقصر مدة حياة الإنسان على ظهر هذه الأرض، كقصر ما بين الأذان والإقامة والنهوض للصلاة
ألا ما أقصر عمر الإنسان على ظهر هذه الأرض، بل عمر الدنيا كلها، فما هي إلا ساعة أو قريبا منها ، فلا بقاء ولا دوام هنا ، إننا هنا أشبه ما نكون بمسافر، توقف في مطار من المطارات، حينا من الوقت ، ثم ما يلبث أن يستأنف رحلته إلى قراره ومستقره الذي يقصده، مع هذا الاجتهاد في محاولة فهم حكمة التشريع الرباني، ليزداد المؤمن يقينا وتمسكا بشرع الله تعالى ويؤديه ، عن فهم عميق وحكمة بالغة ، فما أدركنا حكمته شكرنا الله تعالى عليه وحمدناه فهو مصدر كل نعمة، وما لم ندركه لخفائه سلمنا الأمر لله تعالى فله الحجة البالغة والحكمة السامية ، وربما تقاصرت العقول عن فهم مراد الشارع مما أمر ، وله عز وجل الأمر من قبل ومن بعد كما له الخلق
بعد ذكر هذه الحكم الأربع من وراء مشروعية تكرار السجود ، نقول ثمة حكم أخري وكم في الصلاة من أسرار وفي الحديث " صَلَّى عمار بن يَاسر صَلَاة فأخفَّها فَقيل لَهُ: خففت يَا أَبَا الْيَقظَان فَقَالَ: هَل رَأَيْتُمُونِي نقصت من حُدُودهَا شَيْئا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: إِنِّي بادرت سَهْو الشَّيْطَان، إِن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: “إِن العَبْد ليُصَلِّي الصَّلَاة لَا يكْتب لَهُ نصفهَا. وَلَا ثلثهَا وَلَا ربعهَا وَلَا خمسها وَلَا سدسها وَلَا عشرهَا” وَكَانَ يَقُول: “إِنَّمَا يكْتب للْعَبد من صلَاته مَا عقل مِنْهَا” المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، في تخريج ما في الإحياء من الأخبار وقال : أخرجه أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح وَهُوَ عِنْد أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. "مَا عقل مِنْهَا " أي ما تدبر وتأمل وأعمل فكره وقدح ذهنه ،هذا والله تعالى أعلى وأعلم.
هوامش:
كشف المشكل من حديث الصحيحين (3/ 162)
عمدة القاري شرح صحيح البخاري (7/ 313)
"المستدرك": (1/276)
النُّغاشي - بِضَم النُّون وَفتح الْغَيْن الْمُعْجَمَة المخففة ثمَّ ألف ثمَّ شين مُعْجمَة - وَهُوَ الرجل الْقصير، وَكَذَا فسره بِهِ ابْن فَارس وَابْن الْجَوْزِيّ فِي “تَحْقِيقه” (وَزَاد فِي “غَرِيبه” : الضَّعِيف الْحَرَكَة، وَكَذَا هُوَ فِي “المعرب” للمطرزي فَقَالَ: هُوَ الْقصير فِي [الْقَامَة] الضَّعِيف الْحَرَكَة (وَقَالَ فِي (زنيم) “رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام رَأَى رجلا نغاشيًّا يُقَال لَهُ: (زنيم) فَخر سَاجِدا” قَالَ: فَهَذَا عَلَى هَذَا اسْم علم الرجل بِعَيْنِه وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن: النغاشي: النَّاقِص الْخلقَة. وَقيل: هُوَ مختلط الْعقل. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَالرُّويَانِيّ: هُوَ النَّاقِص الْخلق. وَقيل: الْمُبْتَلَى. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي “خلاصته” : النغاشي [بتَشْديد الْيَاء] والنغاش - بحذفها - هُوَ: الْقصير جدًّا الضَّعِيف الْحَرَكَة (النَّاقِص الْخلق. وَكَذَا ذكره ابْن الْأَثِير، وَهَذِه الْأَقْوَال مُتَقَارِبَة)
هي أرضٌ جعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - صدقة لابن السبيل (حم) 1664، (ك) 2019، وحسنه الألباني في المشكاة: 937، وصَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: 1658، وفضل الصلاة على النبي بتحقيق الألباني ح7
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5292
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2733
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2370
| 02 يونيو 2026