رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شكّل العام 2023 أكثر الأعوام سخونةً على كوكب الأرض، فقد حطّم جميع الأرقام القياسية السابقة منذ بداية تسجيل درجات الحرارة في منتصف خمسينات القرن التاسع عشر، ما يؤكد لنا أهمية اتخاذ خطوات عاجلة على صعيد العمل المناخي، لا سيّما مع احتمالية تخطّي درجات الحرارة خلال عام 2024 نظيراتها في العام السابق وسط ما يشهده العالم حاليًا من زيادة موجات الحرّ الشديد واستمرارها لفترات طويلة.
وتُعدّ منطقة الشرق الأوسط إحدى أكثر المناطق سخونةً على مستوى العالم حيث ارتفعت درجات الحرارة بسرعة مُضاعفة عن المتوسط العالمي بسبب البيئة القاحلة في هذه المنطقة وما تفرضه من تحديات واحتياجات خاصة بها، وهو ما يتطلب وضع إطار عمل مُغاير لتطوير سياسات الاستدامة وابتكار الحلول. لكنّ هذا التحدي لا يقتصر على سكّان الشرق الأوسط فحسب، بل يعيش أكثر من ثلث سكان العالم في بيئات حارة وجافة تمتد إلى مناطق مترامية الأطراف وتشمل على سبيل المثال مناطق غرب آسيا، والأجزاء الشمالية الغربية من شبه القارة الهندية، وأمريكا الجنوبية.
عند التفكير في مُدننا ومستقبلها ومتطلباتها وكيفية تحقيق الازدهار عن طريق الاستدامة، فمن المهم أن نتذكر الحضارات التي عاشت في بيئات حارة وجافة لآلاف السنين، وتبّنت سلوكيات اجتماعية وثقافية فريدة من نوعها مكّنتها من التكيّف مع البيئة التي تعيش فيها.
من هذا المنطلق، تُعدّ المعارف الموروثة عن الأجداد مصدرًا غنيًا لفهم الطبيعة، ويجب الاستفادة منها في المقاربات الحديثة لتعزيز الاستدامة في عصرنا الحاضر.
لهذا، يعمل مطوّرو السياسات في الدوحة- أكثر المُدن القطرية استهلاكاً للطاقة – على تطوير مبادئ التصميم المُستدام التي تجمع بين الممارسات المعمارية القديمة ونظيراتها الحديثة للحدّ من الحرارة وتقليل البصمة الكربونية للمدينة.
وتُعدّ مشيرب قلب الدوحة مثالًا على ذلك، فهذه المدينة التاريخية الذي استغرق إعادة إحيائها أكثر من 12 عامًا، تعكس الكثير من عناصر العمارة التقليدية، ومنها الملقف: وهو حاجز مرتفع كان يستخدم للتهوية والتبريد، إلى جانب المشربية (الشبكات الخشبية المزخرفة) التي توفر الظلّ والخصوصية.
وهذا ما أدى إلى خفض استهلاك الطاقة بنسبة 30%، فضلاً عن استخدام هذه المدينة لنظام متطور في جمع النفايات وتدويرها أو إعادة استخدامها، ناهيك عن أنظمة الريّ التي تقلل من استخدام المياه. وقد أصبح المُطورون ينظرون لهذه المدينة باعتبارها «الطبعة الزرقاء» لتحديث المناطق الحضرية المستدامة.
من الواضح، أنّ المناطق الحارة والجافة تواجه تحديات تختلف كثيرًا عن تلك التي تواجهها المناطق ذات البيئات المعتدلة.
ومع ذلك، نجحت هذه المناطق عبر التاريخ في التأقلم، وفي ابتكار أساليب جديدة للإزدهار بالرغم من ظروفها المناخية القاسية.
وبناء على ذلك، نحرص في «إرثنا: مركز لمستقبل مستدام» على إعداد أُطر عمل تُراعي خصائص هذه البيئات الجافة ودرجات الحرارة الشديدة بها وتأخذ في الحسبان الجمع بين الحلول القديمة والحديثة بما يحقق الاستفادة لمُدننا. على الرغم من هذه التحديات، يوجد العديد من الوسائل التي تُمكّننا من تعزيز الاستدامة في المناطق الحارة والجافة، خصوصًا إذا تم ذلك بالشراكة مع مجموعة من الأطراف المعنية الرئيسية التي تشمل الخبراء، الأكاديميين، الحكومات، المنظمات غير الحكومية، قطاع الأعمال، والمجتمع المدني. وفي هذا الصدد، يسعى «إرثنا: مركز لمستقبل مستدام» إلى بناء شبكة للمدن الجافة تجمع خبراء من المناطق الحارة والجافة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1650
| 04 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
870
| 07 يناير 2026
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
843
| 31 ديسمبر 2025