رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كفاءة خدمت التعليم منذ الستينيات وبعدها في الإسكان الحكومي لعقود طويلة
أهل قطر يستحقون مِنّا لمسة وفاء بتوثيق إنجازاتهم التي تُكتب بأحرف من نور
سبحان من له الدوام، فقد شاء القدر أن أكون جالسا مع الفقيد الراحل – بإذن الله تعالى – سعد بن راشد آل حسين الكبيسي، في مساء يوم الإثنين الماضي بمجلس الأخ محمد بن علي آل حسين الكبيسي، وفي صباح اليوم التالي لهذا اللقاء تلقيت النبأ الحزين برحيل الفقيد سعد الكبيسي، حيث انتقل إلى جوار ربه في اليوم التالي (الثلاثاء 10 يوليو 2018 م) عن عمر ناهز السابعة والستين (67) سنة، بعد رحلة طويلة من العطاء لهذا الوطن في مجال التعليم والإسكان الحكومي، رحمه الله رحمة واسعة.
المرحوم سعد بن راشد الكبيسي أحد أبناء قطر الأوفياء الذين خالطتُهم لفترة طويلة، فقد عرفت سجاياه وخصاله الطيبة عن كثب، والتقيت به لأول مرة من خلال رئاسته للإسكان الحكومي التي أدارها لسنوات بكفاءة عالية وحنكة إدارية متميزة، وبعد ذلك تشرفت بلقائه مراراً في جامعة قطر، عندما كان يتردد على زيارتي في مكتبي الخاص لمتابعة دراسة ابنه "راشد"، حيث كان حريصاً على الاهتمام بأداء ابنه وهذه سمة لا يمتاز بها كل أب في هذه الأيام، وكان الفقيد نِعْمَ الشخصية المخلوقة في التعامل مع الغير بأدب رفيع وخلق قويم وسجايا نفخر بها؛ لكونها جزء لا تتجزأ من قبل "أبناء قطر" الذين امتازوا بتلك القيم النبيلة.
ولادته وبيئته:
وُلد سعد بن راشد الكبيسي في مدينة (الجميل) بشمال قطر الساحلي حوالي سنة 1951م، وعاصر حياة أجداده من أسرة "لكبسة" الكريمة، عندما ركب أهلها البحر للغوص على اللؤلؤ وخاضوا غمار البحر بكل شجاعة من أجل لقمة العيش، بحثا عن الرزق الحلال في غياهب البحر ومتاهاته، وقد التحق الفقيد في مجال التعليم بشمال قطر وكان مجتهدا في التدريس الذي برع فيه واكتسب منه تجربة أفادته كثيرا في حياته الإدارية، بعد أن خلد سجلا حافلا بالإنتاج والإبداع في خدمة هذا الوطن العزيز الذي سيظل يتذكره ويتذكر أمثاله، كما سيفخر بمناقبه و إخلاصه له على مدى عقود مضت قضاها في المجال التربوي، أما ذريته فقد رزق (7) من الإناث، و(3) أبناء، وهم: راشد (نال درجة البكالوريوس)، ومحمد (نال درجة الماجستير)، وخليفة (نال درجة البكالوريوس)، وللفقيد سعد (4) إخوة، وهم: محمد وحسين وعبدالله وعلي.
ومن علامات الخير والصلاح يوم رحيل الفقيد أنه كان صائماً لليوم السادس من الأيام الستة من شوال، ندعو الله عز وجل أن يتبقل منه عمله ويجزيه خير الجزاء، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا).
مشواره مع التعليم:
لعل البدايات الأولى لظهور التعليم النظامي في قطر الذي بدأ مع السنوات الأولى في خمسينيات القرن الماضي، حيث تطورت بعد ذلك في فترتي الستينيات والسبعبنبات، فقد كان الفقيد سعد الكبيسي يكافح في تعليمه، فقد درس حتى الصف الرابع الابتدائي في مدينة (الجميل) بالشمال، وأكمل الصفين الخامس والسادس في مدينة (باظلوف) بالشمال أيضا، تم انتقل من شمال قطر ليسكن الدوحة العاصمة ويكمل دراسة المرحلة الابتدائية سنة 1964م، وتخرج من المرحلة الإعدادية سنة 1967م، ثم انتظم بالدراسة في (دار المعلمين) التي تخرج منها سنة 1970 م، وحصل على الشهادة الثانوية بنظام الثلاث سنوات الليلية في سنة 1972م، ونال درجة البكالوريوس من جامعة قطر سنة 1977م، حيث تخرج ضمن طلبة الجامعة في الدفعة الأولى التي شرفها حضور أمير قطر الراحل الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني رحمه الله، وقد عمل الفقيد مديراً لبعض المدارس بوزارة التربية والتعليم، منها: مدرسة الخليج العربي الابتدائية ومدرسة الدوحة الإعدادية سنة 1978م، ثم انتقل للعمل الإداري بالوزارة، حيث كلف بوظيفة رئيس قسم التدريب والتأهيل التربوي سنة 1979م.
قيادات قطرية خدمت التعليم:
ومن الأسماء القطرية التي عاصرت المربي الفاضل سعد بن راشد الكبيسي في فترة الدراسة والتخرج بعد ذلك من "دار المعلمين" منذ أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، نذكر منها:
الدكتور عبدالرحمن حسن الإبراهيم (الأول على الطلبة)، وعلي فرج الأنصاري، وغلوم عبدالله، وعيسى نجم الهتمي، وعيسى مرحب البن علي، وعبدالله علي الإبراهيم، وسلمان حسن جاسم، ومحمد جبر النعيمي، وحمد برقش النعيمي، وإبراهيم النعيمي، وسعد الشروقي، ومحمد حسن الصديقي، وبطي صالح الهتمي، وعبدالله عبدالحسين، وغازي حسين، وعيسى الهزاع، ويوسف أحمد، وسعد بن محمد بوجابر الكبيسي، وجاسم زينل، وعبدالواحد جاسم، وعبدالله محمود، وإسماعيل السيد، وعيسى سلمان المحري المهندي، وسلمان علي السليطي، ومحمد علي حسين الكبيسي، ورستم باقر، وعلي حسن الدرهم، وعمير بن ناصر النعيمي، وحمد علي المري، وعبدالله إسماعيل رجب، وعبدالله المطوع، وعبدالله إبراهيم البن علي، والدكتور عبدالعزيز المغيصيب، وإبراهيم صقر المريخي، ومحمد يوسف المالكي، والدكتور علي أحمد الكبيسي، والباحثة في التراث الشعبي أم خلف .. وغيرهم كثير.
عمله بوزارة المالية والبترول:
حيث عمل الفقيد بوزارة المالية والبترول في عهد الشيخ عبدالعزيز بن خليفة آل ثاني وزير المالية والبترول، في تلك الفترة بعهدها الزاهر، والتحق بالوزارة حوالي سنة 1981م تقريبا، وذلك في مكتب الوزير بوظيفة باحث، ثم بوظيفة رئيس الإسكان الحكومي بترشيح وتزكية من الوزير، وكان حينها يدير الإسكان بمهارة عالية وقدم خدمات جليلة لكل أهل قطر دون استثناء بشهادة الكثير من الذين عاصروه.
عودته للتربية:
ثم انتقل من وزارة المالية والبترول للعمل من جديد في وزارة التربية والتعليم سنة 1990م، حيث عاصر أكثر من وزير، منهم عبدالعزيز عبدالله تركي السبيعي، والدكتور محمد عبدالرحيم كافود، وحينها تقلد الفقيد وظيفة مدير إدارة التخطيط التربوي والمتابعة بمكتب الوزير بن تركي، وظل يعمل بإخلاص في هذه الوظيفة لفترة من الزمن، ثم عُيِّنَ في وظيفة موجه في التعليم الأهلي، واستمر عطاؤه في وزارة التعليم حتى تقاعد عن العمل في الدولة بتاريخ الأول من شهر يناير 2013م.
تكريم بُناة الوطن:
كنّا وما زلنا نطالب دائما وعبر هذا المنبر بالاهتمام بسيرة ومسيرة أعلام قطر الذين خدموا بلدهم على أكمل وجه، حيث يجب أن تفرد سيرهم الذاتية في صفحات الكتب لتخليدها لأجيال اليوم والأجيال القادمة، وهذا بلا شك يتطلب من الجهات المسؤولة في الدولة، سواء كانت الثقافية أو التربوية أو الاجتماعية أن تبادر لتحقيق مثل هذه المبادرة الخلاقة لتدوين تاريخنا الاجتماعي والثقافي والتربوي وسير أعلامه الذين أبلوا بلاء حسنا لأجل قطر الخير والمحبة ونشر الوعي في ربوع الوطن.
كلمة أخيرة :
يرحل الرجال والنساء من أعلام هذا الوطن الذين قدموا حياتهم لأجله لتبقى قطر خالدة إلى الأبد، ولهذا فإن أمثال هذه الشخصيات وغيرها تستحق منّا لمسة وفاء في يوم وداعها ورحيلها عن الدنيا؛ لأنها زرعت وبذرت البذرة الصحيحة، ومن ثم نلنا نحن حصاد ما زرعوا، وصدق المثل الشعبي القائل: "تفنى الجسوم وتبقى الرسوم"، رحم الله سعد بن راشد الكبيسي (الوالد والصديق الذي تشرفت بمعرفته ومجالسته لسنوات) ... وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4617
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1284
| 28 سبتمبر 2026