رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

يسرى ناصر مهنا

يسرى ناصر مهنا

مساحة إعلانية

مقالات

1384

يسرى ناصر مهنا

بين الصبا والبوارح

12 يوليو 2012 , 12:00ص

تهب علينا أحياناً رياح لطيفة تثير من حولنا مشاعر الإرتياح والبهجة، وتنعش نفوسنا المتعبة بنسماتها العذبة التي تداعب الوجنات وتدغدغ العواطف، بينما تعصف بنا أحياناً أخرى رياح تجتاح أنفاسنا بما تحمل من غبار وأتربة وتستفز أعصابنا وتوتّر حواسنا كلها.

والرياح البوارح التي تغزونا هذه الأيام ويتذمر من هبوبها الغادون والرائحون، ويعزى لها السبب للكثير من الأمراض والحوادث، إنما تحمل معها بوادر خير عظيم إذ يسيل مع هبّاتها الساخنة دبس التمر الذي نضج فوق هامات النخيل وتحول بفضلها الخلال (البسر) الأخضر الذي لا تأكله حتى الطيور الى رطب جني يزين موائدنا.

فالرياح التي طالما كانت للإنسان منذ أن وجد على وجه البسيطة رفيقة وعدوة في نفس الوقت، فبفضل الرياح اقتحم أجدادنا لجة البحر بسفن خشبية تدفع الرياح أشرعتها وتحركها وتغير اتجاهاتها، وبفضلها عرفوا وقت العودة والقفول، وذلك عندما تبدأ بالهبوب رياح السابعة التي تحمل البرودة لمياه البحر، وبفضل الرياح أدرك المزارعون قبل أن يعرفوا التقاويم والشهور موعد ذر البذور وموعد الحصاد. كما تحمل الرياح بشائر الحياة عندما تكون لواقح تخبئ بين جنباتها المطر الذي يحيي الأرض بعد موتها ويعيد الحياة للبشر والشجر والدواب.

لكن للرياح وجهها الآخر الذي تبدو البوارح ورياح الكوس واللاهوب والطوز والخماسين وغيرها من رياح حارة متربة نسمات بريئة وعذبة، فالدالوب مثلاً وهو عاصفة هوجاء كانت تعصف بين فترات متباعدة بدول الخليج، وإحداها العاصفة الشديدة التي أغرقت المئات من سفن الغوص التي كانت تستعد للقفال أي للعودة للديار وأهلكت الآلاف من البحارة واقتلعت بساتين النخيل وهدمت البيوت، حتى سميت تلك السنة التي تقع في منتصف عشرينيات القرن الماضي بسنة الطبعة، وأرّخ أهل الخليج الأحداث التي حدثت في تلك السنة أو بعدها بها.

والعرب بما يملكون من شاعرية وجزالة في الوصف وسعة في الخيال أطنبوا في وصف الرياح وميزوا بين أنواعها وأصنافها وعدوا الرياح سبعاً: الصبا، والدبور، والجنوب، والشمال، والنكباء، والخروق، والرياح القائم، فأما الصبا: فتجيء من المشرق، وأما الدبور: فتجيء من المغرب، وأما الجنوب: فتجيء عن يسار القبلة، وأما الشمال: فتجيء عن يمين القبلة، وأما النكباء: فبين الصبا والجنوب، وأما الخروق: فبين الشمال والدبور، وأما ريح القائم: فأنفاس الخلق، كما يقال.

ورياح الصبا عند العرب هي الرياح المحببة والمفضلة لديهم حتى قالوا عنها انها تجلو الهم وتزيل الغم، بل حمّلها الشعراء أشواقهم ومشاعرهم لمن يهوون ويعشقون.

فها هو ابن سهل الأندلسي يقول:

تهدي الصبا منها أريجا مثلما

يهدي المحب إلى الحبيب سلاما

فكأنها نفس الحبيب تضوعا

وكأن نفس المحب سقاما.

مساحة إعلانية