رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تأتي جلسة اللقاء التشاوري بالتزامن وبالتعاقب مع التحولات الدولية الاقتصادية من أوروبا وأمريكا إلى آسيا والعالم العربي وتبع ذلك الأزمة المالية ومراحلها من انهيار للقطاع المالي وقطاع التأمين إلى انهيار القطاع العقاري وتردي حال المستهلك وتبع ذلك الموجه الأخيرة وهي تهاوي الجدارة الائتمانية للديون السيادية ودخول أوروبا وأمريكا نفق التباطؤ الاقتصادي من جهة ومن جهة أخرى حد سقف الديون والعجز في ميزانيتها من قدرتها على رفع وتيرة الإنفاق مما جعل أمر تحفيز النشاط الاقتصادي أمرا شبه مستحيل بل وضعت دول أوروبا وصندوق النقد الدولي شروطاً منها تعليمي الإنفاق العام مما سيؤدي لتراجع النشاط الاقتصادي الذي بدوره سيؤجج الإضرابات الاجتماعية.
وتبع ذلك دخول العالم العربي على الخط بثوراته السلمية والتي ستعيد تشكيل الاقتصاد العربي وعلاقاته واستثماراته في مثل هذه الظروف انعقد اللقاء التشاوري والهدف منه هو تفعيل دور القطاع الخاص ومقولة القطاع الخاص تخفي خلفها التعددية في القطاع الخاص فهناك ما سمي بالتجار وهم بائعو ومشترو السلع والبضائع وكان لابد من وجود رجال الصناعة والمستثمرين والمطورين ورجال المال ومديري الحقائب والصناديق والإداريون والمبادرون ولكن لم يكن هناك تصور واضح من قبل الغرفة لتحديد ماهية المشاريع عندما يقال هناك مشاريع – هل هي مشاريع البنية التحتية فقط أم المشاريع التعليمية أم المشاريع التقنية؟. والجميع وقع في مثل هذه التعريفات العامة والتي تجعل من وضع تصور أو رؤية غير ممكن لأن كل قطاع يحتاج لرؤية وكل قطاع يحتاج لاستراتيجيه ولنوعية محددة من الدعم إذا أمكن تحدديها ستكون الدولة قادرة على مد يد العون والمساندة
اتسم اللقاء كالمعتاد بالشكوى والطلبات من جانب الغرفة وبالتفنيد من جانب الحكومة فخرجنا كما دخلنا دون طرح أفكار جديدة أو مشاريع مشتركة لتمكين القطاعين من العمل سويا ولم تطرح حتى برامج أو أفكار أو مبادرات بل ظل الأسلوب ذاته يتكرر فالأسئلة نتاج انطباعات تنقصها الدراسة والتمحيص من قبل الغرفة وقد كانت كثيرة وطويلة واستطاع معالي رئيس مجلس الوزراء من تفنيد هذه الأسئلة لأنها غير منطقية أو متناقضة أو أسئلة تجاوزت المفاهيم الاقتصادية التي تعمل عليها الدولة والاقتصاد الوطني كاقتصاد السوق الحر مما يعني رفض الحمائية أو الاحتكار وتشجيع المنافسة أما الطلب من الدولة التخلي عن دورها في حماية المواطن والمستهلك من أجل قطاع الأعمال فهو في غير محله فالدولة مسؤليتها الأولى العمل على حماية المواطن وكان لابد من أن ترتكز ثقافة رجال الأعمال والغرفة على هذا الأساس في تعاطيها مع السوق ومع الدولة.
افتقد الطرفان الهدف من اللقاء وهو ليس الاستمرار في الشكوى من قبل القطاع الخاص وليس التفنيد من قبل الحكومة ولكن طرح أفكار ومشاريع ومبادرات تمكن من جسر الهوة بين الطرفين مثل إنشاء جهاز أو هيئة تقوم بدراسة المشاريع المستقبلية داخل وخارج قطر وتحديد متطلبات تلك المشاريع وبلورت تصورات في إنشاء شركات أو تكتلات أو اندماجات أو تحالفات بين الشركات القطرية للقيام بدور في دعم مشاريع التنمية من الممكن اعتماد بعض الشركات الوطنية كنواة لشركات كبرى يشارك فيها رجال الأعمال والقطاع المصرفي والحكومة وجهاز الاستثمار مما يمكنها من جمع رؤوس الأموال اللازمة وجذب الكفاءات العالمية وتوفير الإمكانيات التي تسمح لها بالمنافسة فالديار لديها تطلعات وتوقعات محددة لتنفيذ مشاريعها بنجاح تام وعليه لابد للشركات الوطنية أن تكون قادرة على القيام بدرها وكذلك بروه وكهرماء وريل ومشيرب وغيرها من المشاريع الكبيرة ولكن هذه المشاريع الكبيرة فيها الكثير من التخصصات من تقنيات إلى معايير وممارسات ومفاهيم يجب توفيرها في شركات القطاع الخاص الوطني هذه إجابة عن مشاريع وعن شركات مقاولات ولكن ماذا عن شركات التقنية وما دورها خاصة في مشاريع 2022 والتي تعتمد الكثير من التقنيات المتقدمة وتحتاج للكثير من الشركات التي تعتمد التقنية في عملها ماذا عن المستثمرين يمكن دخولهم في رأسمال الشركات التي ستنشأ ماذا عن المواطنين يمكن طرح جزأ من رأس المال طرح عام وفي هذه الحالة يمكن إنشاء وقيام شركات كثيرة حسب الحاجة وعلى هذا الأساس يتم بناء القطاع الخاص وهذا ما نحتاج لضعف القطاع الخاص ومحدودية الوقت فالمشاريع على الأبواب يجب توليد أو إنشاء شركات عملاقة قادرة على جمع رأس المال وجذب الكفاءات والحصول على التمويل وفي حال احتياج تلك الكيانات إلى الاستحواذ على شركات لابد للقطاع المالي والمصرفي من دعم تلك الاستحواذات لتخدم الاقتصاد ومشاريع التنمية وتحقق غاية الدولة والمجتمع للرقي بالاقتصاد الوطني لمصاف اقتصادات المعرفة بنقل وتوطين التقنيات والمهارات والممارسات الحديثة للحصول على المعرفة والتقنية بإمكانها ذلك والعالم اليوم في أشد الحاجة للمال ولإنقاذ الشركات والمشاريع وكل ذلك متوفر لدينا فما المانع؟.
في الخاتمة لابد من دراسة كل قطاع وتحديد متطلباته ووضع تصورات ورؤى لكيفية تحسين أدائه وتطويره وتكيفه مع رؤية قطر من مشاريع منها تحويل الاقتصاد لاقتصاد معرفي آخذين في الاعتبار أولا الأحداث المؤثرة في الاقتصاد العالمي والإقليمي (البنية والهيكل الاقتصادي الوطني بخاصيتيه ندرة الموارد البشرية ووفرة رأس المال) وبالارتكاز على ميزات الاقتصاد التنافسية وهي الطاقة بشكل عام والطاقة النظيفة بشكل خاص.
إذا الدخول في مشاريع لتنمية القطاع الخاص على هذه الأسس (مشاريع كثيفة – وفرة رأس المال - قلة الأيدي العاملة – التقنيات الرفيعة - تقنيات المستقبل) والتي تتماشى مع غاية الوصول لاقتصاد المعرفة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
7770
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. [email protected]
4158
| 09 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1188
| 11 مارس 2026