رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يبدو أن القوى المدبرة من زمن بعيد، خصوصا بعد إسقاط الخلافة العثمانية بإعداد مائة مشروع لذلك كما تحدث أمير البيان "شكيب أرسلان" في كتابه "مائة مشروع لإسقاط الخلافة" وكلها مشاريع غربية وشرقية كائدة ضد الإسلام الحنيف على زعم أنه إرهابي وانتشر بالسيف لا بالسماحة والدعوة... وإنه ليزعج كل حر أن كان المشروع العربي ضمنها عندما تحالف مع الإنجليز فانقلبوا عليه وجاءوا بالخنجر المسموم في قلب العالم العربي والإسلامي (إسرائيل) التي قووا ركائزها وأعمدتها وجعلوها دائمة الدعم لتلك القوى المدبرة للحكومات الخفية العالمية التي ظهر أنها لم تكتف بـ(سايس بيكو) الماضي، بل لابد من سايكس بيكو جديدة وأن الأمر لابد أن يتطلب وقتا وجهدا مضاعفين فوق كل ما هو معد ومبيت وذلك لتستمر المأساة الملهاة التي تدمر البلاد والعباد في عالمنا العربي والإسلامي، خصوصا الشرق الأوسط.
وهي إذ استخدمت عدة أساليب وسيناريوهات سابقة محكمة لابد لها أن تعيد تلك الوسائل وبوجه تقني أحدث من حيث دقة المؤامرة المحيرة التي يحار فيها الحليم. والتي يبدو أن هدفها واحد، وهو أنه: كما دوَّخنا المسلمين في القرون الوسطى سندوخهم بقية التاريخ حتى لا ندعهم يذوقون طعم الأمان والسلام والاستقرار في بلادهم التي معظمها إنما هي بلاد كانت للروم وليس للعرب والمسلمين. على غرار ما صرح به الأستاذ اللبناني "جوزيف أبو فاضل" قبل أسبوعين في برنامج الاتجاه المعاكس عبر قناة الجزيرة عندما قال: إن المسيحيين لن يدعوا أحدا يهنأ في سوريا وتركيا وكل البلاد التي انتزعت منا ولابد لنا من استعادتها! وبالتعاون مع من يقتنع بهذه المفاهيم مثل بشار الأسد الذي نفخر بالتعاون معه في هذا المجال. وكأنه يريد أن يؤكد ما اهتم به المؤرخون في كتبهم أن الباطنيين في بلاد الشام وغيرها كانوا دوما مراكز العون لليهود والنصارى ضد المسلمين ومثال موقفهم من صلاح الدين الأيوبي – رحمه الله - في ذلك ليس ببعيد أبدا.
وإن ما يحدث اليوم من اتخاذ الشيعة الاثني عشرية، خصوصا في الشام واليمن، لأكبر دلالة حية على ذلك. وبغض النظر عن تناول الأدوار الفاعلة التي قامت بها أمريكا والغرب عموما لتمتين العلاقة مع إيران، خصوصا في الجانب الاقتصادي - كتغطية - فإننا نشعر أن هذه العلاقات تطورت وأخذت منحى جديدا، بحيث أثبت الواقع أن إيران وثورتها الخفية لم يسطع نجمها لولا ذلك، حيث إن معظم الوثائق تدل عليه. وإن كل هذا إنما هو بهدف أن يتركز في العالم محوران، محور يقف مع إيران واندفاعاتها مع أنه مطلع على الحقائق وأن الشيطانين الأكبرين أمريكا وروسيا لم يعودا كذلك وأن إسرائيل هي التي تدعم هذا المحور.
ومحور آخر يعمل على عدم استبعاد أمريكا والغرب في المعادلة ولكن يود أخذ القرار مستقلا قدر الإمكان لخدمة بعض ما ينادي به المحور السني ضد خصمه الشيعي الذي ظهر أنه ينشر الفكر الآخر الخطير، معتمدا على دعم القوى الخفية والتي بدت اليوم وهي ظاهرة في إصرارها على ديمومة دوامة الصراعات المذهبية لاستنزاف الجميع وإبقاء الطواغيت الاستبداديين الذين يعدون أقوى الواجهات لتحقيق مصالح تلك القوى، حيث إن أي قوى ديمقراطية قانونية لن تفي بضمان منافعهم. وهذا هو الاستعمار الجديد الأنكى والأدهى والأمرّ من الاستعمار الأعمى التقليدي السابق.
ومن هنا يأتي اختيار المبعوث الأممي للقضية السورية "استيفان دي مستورا" كي يطيل وقت الكارثة حتى تخرب البصرة ولا يبقى إلا المخربون! إن دي مستورا معروف بتاريخه الأسود، وقد كان دوره سيئا في الحرب العراقية السابقة وميالا دوما إلى إيران - ويومها لم تكن من البلاد العربية إلا سوريا برئاسة حافظ الأسد مع إيران ضد العراق. وها هو الآن يكرر محاولاته، مستغلا كل ظرف للإبقاء على الأسد الابن السفاح تنفيذا لوصايا الحكومات الخفية التي تقودها الصهيونية العالمية. ومع أنه كان يلتقي مع بعض أطراف المعارضة الداخلية والخارجية في تركيا ولكنه كان حقيقة لا يمكن أن يقف إلا مع اللانظام المجرم الذي أحرق الأخضر واليابس ولم يلب طموحات الشعب وسيبقى كذلك، لأنه لا ضمير له ولا قرار. وعندما نقرأ اليوم كيف أن رئيس حزب العمال المعارض في بريطانيا "إيد مليباند" يعترف بهزيمته في الانتخابات ويستقيل من رئاسة الحزب الذي انتسب إليه وعمره سبعة عشر عاما. ويقول: أتحمل المسؤولية المطلقة عن النتائج... ومثل هذا كثير، نقول: اللهم إلا عندنا فتوجهات الحكومة الخفية أنه لابد من إبقاء هؤلاء الطواغيت الذين يعملون عبيدا لها في المنطقة.
وهكذا فإن كل ما سيصدر عن دي مستورا الذي لا يختلف عن هؤلاء العبيد لن يعدو أن يكون إلا كسابق تصرفاته الفاشلة. ولن يجني في جنيف 3 أو كل جلسة مفاوضات وحل سياسي مزعوم إلا منح المزيد من الوقت للانظام عساه أن يسترجع بعض قواه في حلبة الصراع التي تقدم فيها الثوار كثيرا منذ أشهر عدة، خصوصا بعد تحرير إدلب وجسر الشغور في الشمال ومناطق عدة في الجنوب واعترف الأسد السفاح بذلك، معللا أنه يخوض آلاف المعارك يوميا، فلا عجب في ذلك!. ونقول لدي مستورا: بعد دعوتك الرسمية لحضور إيران في المحادثات، فإنك لن تغير من الواقع شيئا وأن المدعوين الإقليميين لن يقفوا موقف إيران، وخصوصا بعد عاصفة الحزم، فالقضية السورية لا يمكن أن يجري حلها بمعزل عما يجري من أحداث اليوم ولكن – وفي نهاية المطاف – فإن ما لن تشير إليه الحكومة الخفية ولا مستورا ولا... هو أنه كلما تقدم الثوار هرع أعوان الطواغيت لإنقاذهم وإلهاء ذوي المقاومة الشريفة، تماما كما حدث في حرب البوسنة السابقة في التسعينيات، حيث أسرعوا باتفاقية "دايتون" واعترفت بها الأمم المتحدة ومجلس الأمن بعد أن بلغت الهزائم بجيش الصرب والكروات ذروتها وخيف أن يتسلم البوسنيون الشرفاء مقاليد الأمور في قلب أوروبا.
وهكذا فإنقاذ الأسد اليوم بتدبيرهم وإعادة جنيف 3 إلى الواجهة من جديد ما هو إلا السيناريو نفسه وخصوصا بعد التنسيق القوي الذي عقد في تحالف عاصفة الحزم وبعد التعاون التركي السعودي القطري فيما يجري من أحداث ساخنة، دعما للاستقرار وإيقاف تمدد الذين يريدونها طائفية، بحجة أنهم بذلك يسرعون في إظهار المهدي المنتظر لإصلاح العالم!.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
4968
| 08 فبراير 2026
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2148
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
987
| 04 فبراير 2026