رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
برحيل الوالد خالد بن عبدالله العطية، فقدت بلادنا أحد أبرز رجالاتها المخلصين الأوفياء الذين تفانوا في خدمة وطنهم وأخلصوا لحكامها الأماجد وشعبها الكريم، وبموته تنطفئ شمعة كانت تضئ الدرب في مسيرة هذا الوطن بما اتصفت به شخصيته من سجايا ارتقت به إلى مصاف الحكماء من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ولا غرو في ذلك لأن الشيء من معدنه لا يستغرب، فالحديث عنه يطول ويطول فهو سليل أسرة كريمة وعريقة قدمت الشهيدين والده وجده رحمهما الله اللذين وهبا روحهما فداءً لتراب الوطن وكرامته وسال دمهما الزكي لذلك الهدف، وبوفاة خالد بن عبدالله كذلك تطوى صفحة ناصعة من صفحات القيم النبيلة والأخلاق السامية التي توجب علينا الوقوف وقفة تأمل وإجلال أمام السيرة العطرة التي تحلى بها في حياته التي امتدت قرابة الثمانية والثمانين عاماً لتستذكر الأجيال تلو الأجيال مآثر الأسلاف وتستلهم الدروس المفيدة والناصعة لترسيخ الولاء للوطن وقيادته.
اختير خالد بن عبدالله لوزارة الأشغال العامة في أول تشكيل وزاري في قطر عام 1970 وقد شرف به المنصب، لكنه رغم ذلك لم يلق بالاً بما يضيفه المنصب الوزاري، وظل على بساطته المعهودة فيه وتواضعه الجم كما يشهد له بذلك كل من عرفه حتى أسموه الوزير الشعبي، وبالرغم مما لهذه الوزارة من طبيعة خاصة لها مشاكلها وعقدها، إلا أنه لم يجعل بينه وبين المواطنين من المراجعين وأصحاب الحاجات وما أكثرهم حجاباً، فازدحام مكتبه بالمراجعين من غير موعد رسمي يدل دلالة كبيرة على رقي هذا الإنسان ومعدنه الكريم في تعامله مع الناس ومن لم يجد فرصة للقائه في المكتب، فالمجلس العامر مفتوح لكل صاحب حاجة، وهي عادة كانت يمتاز بها الفقيد حتى قبل توليه الوزارة واستمرت في أثناء الوظيفة وبعد خروجه منها، وكنت عندما أزوره أشفق عليه من كثرة أصحاب الطلبات وأعجب من صبره وتحمله، حيث يستمع إلى الطلبات برحابة صدر وبشاشة وجه وكذلك الحال حين أسندت إليه في فترة من الفترات إلى جانب وزارته وزارة الشؤون البلدية فزادت الأعباء عليه، لكنه بما أوتي من حكمة الرأي ونفاذ البصيرة كان التوفيق حليفه فيما يهدف إليه، ومن أخلص عمله لله كان الله معه معيناً وميسراً.
خالد بن عبدالله لم تمنعه أعباء الوظيفة الوزارية والتزاماتها من التفاعل مع إخوانه من أبناء وطنه والتواصل معهم وتفقد أحوالهم، وكانت وجهته في الكثير من الأحيان إلى السوق يفاجئ الأهالي في محلاتهم ويسلم عليهم ويتذكر معهم الماضي وما كان يحمله من عبق وما كان يتميز به أهل قطر من محبة وتضامن وتعاون في السراء والضراء منذ الأزل، وقد ساهم هذا كثيراً في تعميق الحب والتقدير لشخصه، وعندما خلا السوق من أصحابه بموت معظمهم الواحد تلوا الآخر، وذهبت ذات مرة لزيارته وسألني عن السوق ومن يرتاده الآن، فقلت له يا أبا عبدالله الجميع مشتاق لك ويترقبون مجيئك إليهم فأنت حين تأتي يفرح بك الجميع ويعتبرون مرورك عليهم شرفا كبيرا، فبادرني بالإجابة ولمن أدخل السوق الآن وقد خلا من أهله من الرجال الأوفياء المخلصين الذين طوتهم المنية وبقيت ذكراهم التي لا تغيب عن مخيلتنا ولم يبق فيه إلا القليل والكثير من الوافدين.
خالد بن عبدالله كان له دور بارز في إصلاح ذات البين والتراضي بين الأهالي عند الخصام ما وجد إلى ذلك سبيلا حكى له رحمه الله مشكلة حدثت وقد سمعت بها، ولكني اطلعت منه على تفاصيلها، تجلت فيها حكمة هذا الرجل وكشفت عن معدنه الأصيل وصدق محبته لإخوانه، فقد روى لي أن أطفالاً من عائلتين قطريتين معروفتين يلعبون معاً وكانوا أصدقاء، ويبدو أنهم يصطادون في البر، فثارت رصاصة بطريق الخطا وأثناء اللعب في أحدهم، وأصابت زميله فأردته قتيلاً، ولما علمت بذلك – والكلام له – وخوفاً من استفحال الخلاف والرغبة في تطويقه وقطع الطريق على من يريد استغلال الحادث تحركت على الفور ومعي أخي المغفور له بإذن الله خليفة بن عبدالله، وكان رجلاً شهماً ومقداماً وصاحب مواقف عظيمة وذهبنا لحل المشكلة قبل أن يتدخل أحد وقبل وصولها إلى القضاء وانتهت برضا العائلتين والصلح بينهما وقمنا بإكرامهم بما يسره الله تطييباً للخاطر وهذا موقف عظيم يسجل لخالد بن عبدالله وشقيقه وينبئ عن مواقف كريمة لهذه العائلة القطرية العريقة.
وهو في فعلته هذه إنما يجسد روح الإخاء والمحبة والمودة التي تجمع بين القطريين كأسرة واحدة، كذلك عندما علم من بعض معارفه أن رجلاً من أهالي قطر ممن عملوا في خدمة الحكام لفترة طويلة قد تضرر من جراء اقتطاع بيته في السبعينيات من القرن الماضي سارع فوراً إلى سمو الأب الشيخ خليفة بن حمد حفظه الله (أمير البلاد آنذاك) وشرح له الموضوع وذكره بمكانة هذا الرجل في قطر فعمل على إنصافه دون أن يعلم ذلك الرجل، وهذا لأنه اتخذ من منصبه وسيلة لخدمة مواطنيه وإيصال مطالبهم إلى المسؤولين.
إن السيرة العطرة للفقيد كذلك تنبئ عن بصمات واضحة في المجالات الخيرية ابتغاء رضوان الله دون منّ ولا أذى، فمن مساجد كثيرة في بلدان متعددة إلى حفر آبار وإنشاء مراكز لتحفيظ القرآن الكريم وطباعة مصاحف وكتب دينية بغية نشر تعاليم الإسلام خصوصاً في المناطق النائية في مجاهيل بعض القارات، ناهيك عن تقديمه مساعدات مادية تعينهم على أداء رسالتهم وتبلسم جراح المحتاجين والبؤساء منهم.
وكان رحمه الله يتميز بشخصية المسلم الوسطي المتسامح المتمسك بدينه وسنة نبيه، ومع ذلك لم ير بأساً في الانفتاح على باقي الديانات والمذاهب، معتبراً أن هذا ربما يؤدي بهم إلى الاقتناع بالإسلام والدخول فيه، ولهذا وجدنا مجلسه في عاليه في لبنان يغص بالعديد من الشخصيات من مختلف الديانات والمذاهب يحاورهم بالحسنى ويظهر لهم انفتاح الإسلام وسماحته.
كنت شخصياً أسعد كما يسعد غيري حين أزوره رحمه الله في مجلسه العامر ونتبادل معه الحديث في التاريخ القطري ورجالات قطر ومواقفهم وما يمتازون به من صفات، وقد أذهلني ما تحمله ذاكرته من معلومات كثيرة، وأعترف بأنني ارتكبت خطأ في أنني لم أسجل منه ما حفلت به تلك الذاكرة وغاب عن ذهني تدوينها، خصوصاً وأنني من المهتمين بسبر أغوار تاريخ بلادنا، لأن مكتبتنا القطرية مازالت تعاني قصوراً في المؤلفات حول قطر، ولهذا السبب كنت أوصي الباحثين القطريين من طلبتنا حين يعدون رسائلهم للماجستير والدكتوراه ممن أشرف عليهم أو اشترك في مناقشاتهم أن يهتموا باللقاءات والمقابلات الشخصية مع الشخصيات التي لها باع طويل في الميدان وممن عاصروا الأحداث والوقائع وتتبعوا المسيرة أن يلجأوا إليهم لطلب المعلومات حتى يمكن تلافي القصور في المعلومات التي لم تدون في الملفات، وخالد بن عبدالله واحد ممن يشار إليهم بالبنان للحديث عن كل شيء وتكون مذكراته بمثابة مرجع يلجأ إليه الدارسون والباحثون ومن مداعباته اللطيفة معي أني كلما زرته في مجلسه أو التقيت به في مكان ما، يبادرني بالسؤال: يابو عبيدان ما هي أخبار الديمقراطية في العالم باعتباري أحد أعضاء لجنة إعداد الدستور القطري وبمثل ما نخوض معه في التاريخ نخوض في السياسة والعلاقات بين الدول، ووقفت بنفسي على شخصية تعرف كيف تحلل مجريات الأحداث، وكيف تتنبأ بما سيحصل، ودائماً نتفق في الرأي على أننا ولله الحمد نعيش في قطر ديمقراطية حقة لا تعرف التكلف ولا المظاهر، فحكامنا حفظهم الله يفتحون قلوبهم ومجالسهم لاستقبال المواطنين، فليس بينهم وبين الشعب حجاب ونتمتع بأسباب العيش الكريم في وضع نحسد عليه.
وكان قلبه الكبير يمتلئ بالمحبة الصادقة، واتضح لي ذلك عندما كنت أتأخر عليه في الزيارة، فيقول للحاضرين: يا جماعة اشهدوا أن بيننا وبين العبيدان أخوة وعلاقة راسخة بناها الآباء والأجداد، واشهدوا إذا تأخروا علي في الزيارة وأنا أحبهم، فسوف أطلب معهم الاحتكام لشرع الله لمعرفة السبب والحكم عليهم، فأي مشاعر أعظم من هذه التي يحملها قلبه النقي الذي يفيض محبة وعطفاً وحناناً، قال لي العم سلطان بن يوسف العبيدان رحمه الله ذات مرة، يا ولدي إن خالد بن عبدالله يخجلنا في حبه لنا بأخلاقه وتواضعه وسؤاله ولا أدري كيف نرد له الجميل والواحد منا يريد فداءه بالروح وهو ابن الكريم، ولم تقتصر علاقات خالد بن عبدالله على محيط القطري فقط، وإنما تجاوزت الحدود، فارتبط بعلاقات صداقة حميمة مع حكام المنطقة ومع رؤساء الدول العربية والإسلامية، وقد روى لي شهود عيان كيف كانت منزلته عند هؤلاء وما يحظى به لديهم من إجلال وتقدير.
هذا هو خالد بن عبدالله، وهذه أخلاقه ومناقبه ولا نزكي على الله أحدا، والحديث عنه يطول ويطول، لكن عزاءنا أن الفارس ترجل ليلحق بإخوانه القطريين البررة ممن سبقوه، يرحل ليترك في النفس حسرة وفي القلب لوعة في وقت نحن أشد ما نكون في حاجة إلى أمثاله حكمة ورأياً وستخلده أعماله العظيمة كما قال الشاعر:
درب الخلود وإن أودى بصاحبه
يبقى على الدهر ذكر الصيّد والصيد
ففقد "أبو عبدالله" رزء كبير، لكن عزاءنا أن سيرته ستظل ماثلة في الأذهان بما انطوت عليه من مثل وقيم ستذكرها الأجيال محفورة في الذاكرة.
نعم خالد بن عبدالله نموذجاً للمؤمن الصالح الذي استوعب فلسفة الحياة فلم يعبأ بمظاهرها، ولم ينخدع بزخارفها فقدم لنفسه في حياته من الأعمال الصالحة والصدقات ما تنفعه في الحياة ويرجى ثوابها بعد الوفاة، فليهنأ فقيدنا الغالي بما أعد الله للصالحين من أمثاله، ولا نزكي على الله أحداً، وكل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة.
وبعد فإن الموت هو النهاية ولن يفر منه أحد والآجال مكتوبة ومحدودة، ولكل أجل كتاب، ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها، وكما قال الشاعر:
نهاية العيش موت سوف ندركه
فنحن من ذين في رسل وفي وخد
عمر الحياة مسافات محددة
والعمر للقيم المثلى إلى الأبد
نحسب أن خالد بن عبدالله قد طيب الله له الموت، فأحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه، ولله ما أخذ وأعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، ونسأل الله أن يجبر مصيبتنا جميعاً ويعوضنا في فقده خيراً وإنا لفراقك يا أبا عبدالله لمحزونون.
ولا يسعني وقد نفذت مشيئة الله إلا أن ندعو الله أن يرفع مقامه ويضاعف حسناته ويجزيه خير الجزاء على ما قدم لدينه ووطنه وإخوانه، وأن يجعل الموت راحة له من كل شر وأن يجمعنا به في واسع جنانه.
ونتوجه بصادق العزاء والمواساة لإخوانه وأنجاله وكافة العائلة الكريمة في فقيدنا جميعاً سائلين الله أن يحفظهم من كل سوء ولا مكروه.
"إنا لله وإنا إليه راجعون".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8916
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4839
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3912
| 23 سبتمبر 2026