رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نمشي في شوارع موحلة وملتوية ومليئة بالحفر والمطبات، فإننا نبدو مطمئنين، إذا كنا نمشي في وضح النهار، أما في الليل، خصوصا إذا كانت هذه الشوارع بغير إضاءة، فإننا نبدو متوجسين وخائفين من أن نسقط فجأة في حفرة عميقة أو من أن نرتطم بمطب، وهذا هو حالي عندما أقرر الكتابة عن موضوع يتعلق بدولنا العربية التي داهمها ما أطلق عليه الإعلام الغربي اسم الربيع العربي، وهنا تراودني – بين حين وحين- فكرة الفرار من الكتابة حول هذا الموضوع أو ذاك، محاولا أن أبتعد بقدر الإمكان عن حفرة هنا أو عن مطب هناك، لكن فكرة الفرار تتطلب أن أبحث عن شوارع ليست عربية، لكي أمشي فيها مطمئنا، دون خوف من السقوط أو الارتطام!
من هذا المنطلق، أعترف بأني انجذبت تجاه حدثين ثقافيين غير عربيين، أولهما إيجابي، والثاني ليس كذلك باعتراف الذين صنعوه، وقد شهدت تركيا الحدث الأول- الإيجابي، متمثلا في إباحة توزيع الكتب التي كانت ممنوعة على امتداد سنوات من القمع والمنع والمصادرة، بينما شهدت السويد الحدث الثاني. حيث أوضحت الأكاديمية السويدية أن جائزة نوبل للآداب قد منحت لكاتب أمريكي، لكنه لم يكن يستحق تلك الجائزة الشهيرة على مستوى العالم كله!
كنت وما زلت واحدا من المعجبين بالشاعر التركي العظيم ناظم حكمت، الذي ترجمت أعماله إلى لغتنا العربية ابتداء من سنة 1952وكنت وسواي ممن يعشقون الحرية نستشهد بقصائد هذا الشاعر العظيم فيما نكتبه، كما نترنم بها في جلساتنا وسهراتنا، ومن أشهر تلك القصائد- نقلا عن ترجمة الدكتور علي سعد- قصيدة قصيرة تقول: إن أجمل البحار هو ذلك الذي لم نذهب إليه بعد- وأجمل الأطفال من لم يكبر بعد- وأجمل أيامنا لم نعشها بعد- وأجمل ما أود أن أقوله لك لم أقله بعد.. وبالطبع فإني وسواي كنا نعرف أن ناظم حكمت قد تعرض خلال حياته للملاحقة والمطاردة، لكني لم أكن أعرف أن هذه الأعمال الشعرية والمسرحية ممنوعة في وطنه تركيا حتى الآن إلى أن تقرر منذ أيام قلائل أن تباع في مكتبات تركيا، ومعها كتب ودراسات أخرى عديدة، كان كثيرون من طلاب الجامعات التركية يقبعون في المعتقلات بتهمة حيازة تلك الكتب والدراسات!
كنت كذلك واحدا ممن قرأوا روايات الكاتب الروائي الأمريكي الكبير جون شتاينبك، ومن أشهرها عناقيد الغضب وشارع السردين المعلب ورجال وفئران وشتاء السخط وسواها، وقد فاز جون شتاينبك بجائزة بوليتزير سنة 1940 كما حصل على جائزة نوبل للآداب سنة 1962 وقالت الأكاديمية السويدية وقتها إن هذه الجائزة قد منحت لجون شتاينبك تتويجا لأعماله الواقعية والمبتكرة، التي تجمع بين روح الفكاهة والإدراك الاجتماعي الثاقب، وكانت ثمرة حصوله على تلك الجائزة العالمية أنه أصبح كاتبا عالميا مرموقا، حيث تمت ترجمة رواياته إلى لغات عالمية عديدة، من بينها لغتنا العربية، حيث احتشد المترجمون العرب لكي يتنافسوا في ترجمة ما قدمه جون شتاينبك من أعمال أدبية متنوعة، أهمها رواياته الشهيرة وبالذات رواية عناقيد الغضب، وهي الرواية التي كانت قد صدرت في طبعتها الأولى باللغة الإنجليزية سنة1939 وها هي الأكاديمية السويدية تعلن- بعد أكثر من نصف قرن- أن جائزة نوبل قد منحت لجون شتاينبك، لأن بقية المرشحين وقتها كانوا أقل جدارة منه فقط، وليس لأنه يستحقها بالفعل!
سعدت بالطبع حين أصبح بإمكان القراء الأتراك أن يتقنوا أعمال شاعرهم العظيم ناظم حكمت، لكني لم أنزعج مما قالته الأكاديمية السويدية عن جون شتاينبك، فهو كاتب روائي كبير، حتى لو لم يكن قد حصل على نوبل من الأساس، فهذا ما حدث بالفعل مع كتاب وشعراء كبار لم ينالوا نوبل للآداب، لكن هذا لا يعني التقليل من شأن ما أبدعوه على امتداد حياة كل منهم!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
المتأمِّل الفَطِن في المسار العام للسياسة السعودية اليوم يجد أنه مسارٌ مرنٌ ومنضبطٌ في آنٍ معًا؛ مرنٌ من حيث قدرته على التناغم مع المنظومة الدولية القائمة والمفروضة، ومنضبطٌ من حيث حفاظه على أهدافه العليا في استقرار المنطقة. ومن هنا تنبثق جملةٌ من التساؤلات الضرورية: ما موقع دول المحور اليوم؟ وما موقفها مما يجري في المنطقة من حولها؟ وهل ثمة تأثيرات سلبية للمليشيات العسكرية في دول الجوار على طموحاتها ورؤيتها ونهضتها الاستثمارية؟ وكيف تتعامل المملكة العربية السعودية مع دول المحور تجاه ما يجري في الساحتين الإقليمية والدولية، لاسيما في ما يتصل بتمويل الجماعات الانفصالية المسلحة وتقويض أمن اليمن والسودان؟ وفي تقديري أن هذه القضايا جميعها مطروحة على طاولة الاجتماعات السياسية والاقتصادية، عبر لجان التنسيق المشترك التي عقدتها السعودية مؤخرًا مع قطر وتركيا. ومما لا ريب فيه أن تثبيت السعودية وقطر وسلطنة عُمان لدعائم البيت الخليجي، وتحصين هويته التنموية وأهدافه الجيوسياسية من التصدّع، لا يعني بالضرورة استتباب الأمن والاستقرار الكامل، إذ لا يمكن لهذه الدول أن تنعم بالاستقرار وتحقق طموحاتها التنموية بمعزل عن محيطها الساخن، ولا سيما في البلدان العربية. ولا شك أن السعودية تُدرك هذه الحقيقة سلفًا؛ فالاستقرار لا يتجزأ، بمعنى أن استقرار أي بلد لا يكتمل إلا باستقرار البلدان المجاورة، أي عبر الاستقرار الإقليمي، ومن ثم العالمي. وعلى الرغم من الضغوط الكبيرة التي فرضها القطاع الاستثماري الواعد الجديد على المملكة، وما شكّله من ضغطٍ على إمكاناتها المتاحة، فإنها تراقب عن كثب عدة ملفات ساخنة في آنٍ واحد، بل تؤدي دورًا مؤثرًا في اتفاقيات التهدئة. فهي فاعلٌ ومتفاعلٌ في الوقت نفسه؛ فاعلٌ إيجابي عبر أدوار الوساطة والتنسيق وجمع الأطراف المتناقضة على طاولة المفاوضات، ومتفاعلٌ من خلال مرونتها وقدرتها على امتصاص الصدمات المباغتة، خاصة في ما يتصل بالملف اليمني، فضلًا عن مرونتها في التعاطي الدبلوماسي مع الخصوم. إن رياح التغيير السعودية لا تصطدم برياح التغيير الإقليمية أو العالمية، بل تتفاعل معها إيجابيًا، وتتحاشى انعكاساتها السلبية، وهي نقطة تُحسب لصالح الدبلوماسية السعودية، خلافًا لما يراه بعض المراقبين من أنها تحاول التنصّل من القضايا ذات الشأن. فهذه النظرة قاصرة؛ إذ إن المملكة العربية السعودية، وإن تأثرت بسخونة الملفات المحيطة بها، فإن رؤيتها وطموحاتها الواعدة لا تزال قائمة وتسير بثبات، لما تتسم به من مرونة تسمح بالتعامل مع الملفات بصيغ متعددة، واستبدال أدوات السياسة وفق ما يطرأ من متغيرات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية.
693
| 21 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
675
| 25 يناير 2026
يُعدّ مبدأ العطاء أحد الثوابت الإنسانية التي تقوم عليها المجتمعات المتماسكة، وقد جسّد الحديث النبوي الشريف «خيرُ الناس أنفعُهم للناس» رؤية أخلاقية عميقة تجعل من نفع الإنسان لأخيه الإنسان معيارًا حقيقيًا للقيمة والأثر. ولا يقتصر هذا النفع على الدعم المادي أو المبادرات الظرفية، بل يتجسد بصورة أعمق في الإيمان بقدرات الآخرين، وتمكينهم من أداء أدوارهم بثقة ومسؤولية. إن الإيمان بقدرات الأفراد يمثل أحد أهم أشكال الدعم المستدام، إذ يسهم في بناء شخصية قادرة على العطاء والمبادرة، ويعزز روح الانتماء والمسؤولية المجتمعية. فحين يشعر الإنسان بأن هناك من يثق بإمكاناته ويقدّر جهوده، يصبح أكثر قدرة على تجاوز التحديات، وأكثر التزامًا بالمشاركة الإيجابية في خدمة مجتمعه. وتشير التجارب التنموية إلى أن المجتمعات التي تقوم على ثقافة الثقة والدعم المتبادل، تحقق مستويات أعلى من التماسك الاجتماعي والاستقرار المؤسسي. فالدعم المعنوي، المتمثل في التشجيع، والتقدير، ومنح الفرص العادلة، يعد عنصرًا أساسيًا في إطلاق الطاقات الكامنة، خاصة لدى فئة الشباب، الذين يمثلون عماد الحاضر وأمل المستقبل. كما أن الإيمان بقدرات الآخرين يسهم في ترسيخ قيم التعاون والعمل الجماعي، ويعزز رأس المال الاجتماعي الذي تعتمد عليه الدول في مساراتها التنموية. فالتنمية الحقيقية لا تُبنى بالإنجازات الفردية المعزولة، بل تقوم على منظومة متكاملة يشعر فيها كل فرد بأن له دورًا مؤثرًا ومسؤولية مشتركة. وفي ظل ما يشهده العالم من تحديات متسارعة، تبرز الحاجة إلى خطاب مجتمعي يعلي من قيمة الدعم الإنساني القائم على الثقة والتمكين، بوصفه مدخلًا لبناء مجتمعات قادرة على الصمود والتجدد. فالكلمة الإيجابية، والثقة الصادقة، والإيمان بالقدرات، قد تكون في كثير من الأحيان نقطة التحول في مسيرة فرد، وأثرها يمتد ليشمل المجتمع بأسره. ختامًا، يظل نفع الناس للناس هو جوهر الرسالة الإنسانية، وأحد أهم مقومات النهضة المجتمعية. فحين نؤمن بقدرات بعضنا البعض، وندعم مسارات النجاح، نكون قد جسّدنا المعنى الحقيقي للخيرية، وأسهمنا في بناء مجتمع أكثر تماسكًا واستدامة
630
| 22 يناير 2026