رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الإسلاميون كثيرا ما تعرضوا ولا يزالون لحرب إشاعات تراوحت ما بين الاتهام بالعمالة للأجنبي إلى الاتهام بالإرهاب وما بينهما من الإقصائية والفردية والتخلف والحجرية.. إلى غير ذلك مما ملأ فضاءات كثيرة إعلامية وسياسية وفكرية.. ثم انتهى كل ذلك إلى ما رأينا من التفاف الجماهير حولهم ورميها كل ما قيل ويقال عنهم وراء ظهورها وتحت أرجلها بالأخص من ذلك في تركيا وتونس ومصر عواصم محاربة الإسلاميين لعشرات السنين..
وبعد فوزهم في الانتخابات وتصدرهم التمثيل الرسمي والشعبي اليوم بدأ خصومهم يطرحون عليهم أسئلة من نوع الإحراجي والتوريطي حول قدرتهم على انتشال البلاد من عقابيل عشرات السنوات من الإلحاق بالأجنبي وتراكم التخريب (في ليلة ويوم طبعا)، وما إن كانوا سينقضون الاتفاقات المبرمة مع العدو الصهيوني فيتسببون بحصار لبلدانهم على غرار ما جرى لغزة بعد فوز حماس! وهل سيقيمون الشريعة - الحدود والعقوبات تحديدا - من قطع يد سارق ورجم أو جلد زان.. إلى آخر هذه السلسلة التي تستبطن الإحراج والتوريط وإن بدت أسئلة موضوعية وتحديات جدية.. ثم يفترضون (خصوم الإسلاميين) إجابات سلبية على المقاس الذي يريدون ويبنون على ذلك استخلاصاتهم بأن الإسلاميين انتهازيون ووصوليون وأنهم ما أن يصلوا إلى الحكم حتى يتخلوا عن مواقفهم التاريخية وقناعاتهم التي فازوا على أساسها..
قبل يومين كنت في مداخلة مع بعضهم على إحدى وسائل الإعلام فطرح مسألة اتفاقية كامب ديفد بين مصر والعدو الصهيوني وتساءل عما إذا كان الإخوان المسلمون في مصر – بعد فوزهم – سينقضون الاتفاقية.. وأنهم إما أن يفعلوا فيدخلوا مصر في كذا وكذا، وإما ألا يفعلوا فيكونون قد تخلوا عن مواقفهم.. وطرح أيضا خياران لا ثالث لهما ؛ إما وإما، أو أن عليهم – كمخرج من هذه الثنائية الإلزامية أن يعيدوا النظر في طروحاتهم وأن يصارحوا شعوبهم بأنها غير واقعية ويعترفوا بأنها لمجرد أن تصطدم بالواقع فإنها تتفكك وتنهار ثم رجح في الأخير أن الإسلاميين لا يجرون مراجعات بهذا المعنى وبالتالي فالمتوقع – حسب وجهة نظره - أن يتراجع الإسلاميون عن مواقفهم ولكن من دون مراجعات ولا طنة أو رنة..
وأقول: أولا: هذه القراءة في مواقف ومصداقية وقدرة الإسلاميين على المراجعة غير صحيحة وبالأخص إذا كنا نتكلم عن التيار الأبرز الذي حصد أكبر النجاحات اليوم – الإخوان المسلمون – الذين لم يصرحوا مرة بأنهم سوف ينقضون كل المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات بالتالي فهم ليسو بين ثنائية (إما وإما) هذه.. ولكنهم - فيما أعرف وأتابع - استمروا يقولون إن الاتفاقيات ليست كلها مقبولة ولا كلها مرفوضة، وأنهم لن يبادروا لنقض اتفاقية يؤدي نقضها إلى مغامرات كبيرة تعصف بالاستقرار.. ولكنهم أيضا لم يصرحوا بأن هذه الاتفاقيات مقدسة ولا يجوز أو لا يمكن المساس بها.. أما فيما يتعلق بقدرة الإسلاميين على إجراء المراجعات لمواقفهم وإعادة تصويبها فإن الإسلاميين سبق أن أجروا مراجعات وكتبوا في ذلك كتبا (لمن يقرأ) صارت لكثرتها ورمزية من كتبوها ثقافة إخوانية وإسلامية عامة.. فقد راجعوا موقفهم من التنظيم السري في خمسينيات القرن الماضي، وراجعوا أحداث سوريا والصراع مع نظام حافظ أسد في الثمانينيات، وراجعوا عملية الحسم في غزة 2007.. دون أن يعني ذلك لا في نظرهم ولا في نظر أوليائهم ولا حتى خصومهم أي حرج ولا أي اعتراف بالخطأ الكامل..
بقي أن نقول: إن الإسلاميين وهم يجرون هذه المراجعات لا يصدرون عن فكرة براجماتية ولا عن مجاملة لأحد ولا لتسويق أنفسهم على الرأي العام.. وإنهم منسجمون مع أنفسهم وقناعاتهم ولا يشعرون بالحرج الديني في ذلك ؛ لأن المراجعات لا تطاول العقائد والمنطلقات والثوابت ولكنها تتعلق فقط بالسياسات والتنفيذات والجهود والأفكار البشرية من حول ذلك كله وهم في هذا يلتقون مع كل الناس – أو معظمهم – بالتالي فهم لا يخافون على أكثريتهم إذا ثبتوا عليها.. وهم من ناحية أخرى يرون هذا المنحى الموضوعي تعززه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الموحى إليه من السماء فقد راجعه ربه أكثر من مرة وفي أكثر من مجال.. ففي مجال الدعوة راجعه ربه عز وجل بقوله (عبس وتولى) وقوله (ولا تطرد الذين يدعون ربهم..) ومجال الحرب راجعه في أسرى بدر بقوله (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم) وفي مجال الاستغفار راجعه بقوله تعالى (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) وأمثال هذه المراجعات عشرات في الكتاب العظيم.. بالتالي فإن ثقافة الإسلاميين العقائدية المحضة وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي يتبعونه لا تعارض هذه المنهجية وهذا التصويب..
ثانيا: لماذا يوضع الإسلاميون أمام ثنائية إما نقض الاتفاقيات والدخول في حروب وانحشارات، وإما الإبقاء عليها والبقاء في أتون العمالة والخيانة؟ أليس لدى الإسلاميين اليوم مواقف متعددة وهوامش عمل ومناورات واسعة؟ لكن ومن حيث الأصل أليست السياسة فن استثمار الممكن والقدرة على صناعة الظروف؟ ولماذا نفترض أنهم لا يحسنون ذلك أو أنه محجور عليهم ومحجوز عنهم؟ أليس من حقهم ويصلح منهم أن يراهنوا على الزمن ويناوروا على التكتيك؟ أليسوا يستطيعون البدء بتقليل جدية تنفيذ الاتفاقيات والتخلي عن بعضها؟ أليسوا يستطيعون التحرك في إلغاء بعض الشروط المجحفة المذلة دون كلها ودون أن يقعوا في ثنائية الإمّا وإما في هذه المرحلة على الأقل؟ ألسنا كنا نقبل من نظام الساقط حسني مبارك أن يكون أقل إخلاصا في التعامل مع العدو، ولو فعل ذلك لكنا رأيناه (قد أتى بما لم يخترعه الأوائل) وكنا التمسنا له المعاذير ؛ فلماذا يقبل منه ما لا يقبل من الإسلاميين؟
ثم لماذا يتوهم البعض أن الإسلاميين من السذاجة والسطحية بحيث يقومون بنقض الاتفاقيات قبل تحقيق اختراقات كثيرة في معضلات كثيرة وترتيبات كثيرة ومهمة وضرورية من حقهم أن يشتغلوا عليها ربما لسنوات من أجل رفع قدرة بلادهم إلى موقف خطير وتحد كبير بهذا القدر؟ ولنأخذ تركيا مثالا على ما نقول والحزب الإسلامي الحاكم فيها يعتبر مقبولا لدى كثيرين من خصوم الإسلاميين: هل وقف حزب العدالة والتنمية الإسلامي في وجه أمريكا ومنعها من استخدام الأراضي التركية لغزو العراق ووقف مواقفه المعروفة من العدو الصهيوني ورجع إلى الذهنية والخلفية العربية والإسلامية واعتقل قادة في الجيش وأحبط الانقلابات عليه.. قبل أم بعد أن حقق إنجازات كثيرة على الصعد الاقتصادية والمجتمعية والديمقراطية والثقافية.. ولماذا لا يكون هذا هو ذات السيناريو الممكن تنفيذه في مصر وغير مصر إذا حكمها الإسلاميون..
ثالثا: لا يخلو التفكير في نظرية (إما وإما) من تخوف وسلبية الإحساس بالهزيمة! ولماذا يظن هؤلاء أن تغلب الأعداء سيبقى دائما وسرمديا، وأن علينا أن نخضع دائما لمزاجه وانفعالاته، وأنه ليس لنا أن نأخذ (أو نلغي) إلا ما يوافق عليه؟ ولماذا نحتقر أنفسنا إلى هذا الحد؟ ألسنا كغيرنا من الأمم التي لها مقاومة وفيها مناعة ضد الاستضعاف وعدم الاحترام؟ أليست الثورة الجزائرية التي كنست الاحتلال الفرنسي بمئات آلاف الشهداء هي ثورتنا وثقافتنا؟ ألسنا الذين كانت فينا مقاومة جنوب لبنان التي جعلت العدو يهرب كيفيا تاركا وراءه عملاءه أيتاما ودباباته وأسلحته في عام 2000 ليعتليها الصبيان وتنصب في الميادين العامة رموزا لانتصار المقاومة؟ وهل غزة ومقاومتها التي قدرت على الوقوف في وجه العالم كله بكل فجاره وأرذاله وأنتانه.. هل هي أعظم وأكبر وأقوى من مصر الثمانين مليونا؟ ألم تكنس المقاومة العراقية الاحتلال الأمريكي وتذيقه الذل وانكسار الانسحاب؟ تلك أمريكا التي كان سفيرها " سنيور " يتوعد أن قواته ستبقى في العراق مائة سنة قادمة وأنه سيحكم العالم من هناك؟ والأفغان ألم يصدموا ويهزموا الاستعمار الغربي مرتين ؛ مرة بهزمهم الاتحاد السوفييتي وحلفائه، ومرة بهزمهم أمريكا وحلفائها وها هو الغرب يبحث عمن يفاوضه؟ ولماذا ننسى أن جمال عبدالناصر استطاع أن يلغي اتفاقية ال36 لقناة السويس وأن يواجه العدوان الثلاثي في سبيل ذلك؟
آخر القول: الحقيقة أن التكلم في احتمالات المستقبل في قضية الإسلاميين مخالف تماما لمنطق الثورات التي أبرزتهم وصدرتهم كرد على التهرؤ الذي عانت منه الأمة في ظل الساقطين والآيلين للسقوط وهو ما يجب استحضاره عند الحديث عن المستقبل وعن الإسلاميين.. والحقيقة أيضا أن الغرب واستقواءه علينا ليس قدرا محتوما وعلينا الانطلاق في أي تحرك من التسليم به والخضوع لمفاعيله.. والحقيقة أن مصداقية الإسلاميين ليست رهنا باعتماد خصومهم الذين لا يرضيهم منهم شيء، ولا بنقض الاتفاقات وتوريط أنفسهم وشعوبهم في مبادرات ومغامرات غير محسوبة.. ولكن ميزان الحكم على نجاحهم ومدى وعيهم هو قدرتهم على تثمير مواضع القوة والتوجه إلى الأهداف الكبيرة بخطوات ثابتة..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4626
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1167
| 01 أكتوبر 2026