رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رغم أننا لا نعرف نهاية للشوط الأول من مباراة ما بعد الثورة، فإن خبرة الأسابيع الثلاثة الأخيرة زودتنا بكم من الإشارات والملامح الدالة التي تستحق القراءة، قبل أن ننتقل إلى الشوط الثاني الذي أرجو أن يكون أفضل.
(1)
لا مفر من التذكير بأن ما تشهده مصر من توتر وتجاذب وصراعات يظل قليلا من كثير عرفته مختلف الثورات على مدى التاريخ، بالأخص في فترات الانتقال التي يخرج خلالها المجتمع من تحت أنقاض النظام القديم، ويسعى جاهدا للخلاص من أصدائه وتشوهاته، وهي معاناة تزداد آلامها حين يصبح النظام الجديد حلما لا ترى ملامحه، وروحا تسري في جسد مثخن بالجراح. لكنه يظل مفتقدا للطبيب الثقة الذي يداويه. ينطبق ذلك على الثورة المصرية التي لا تزال جسما بلا رأس، بعدما فشلت محاولات زراعة رأس له. وأثبتت تجربة العشرين شهرا الماضية أن كل الرؤوس التي ركبت على الجسد كانت أصغر منه.
لقد أثبتت التجربة أن المعركة ضد النظام المستبد أسهل وأهون وأقل كلفة من العراك بين الرفاق.
إذ كان من اليسير حسم الأمر مع نظام مبارك خلال 18 يوما، لكننا فشلنا في أن نسوي ما بيننا منذ نحو عشرين شهرا. إذ في حين بدأنا بحماس عارم عبرت عنه يد واحدة، فإننا تحولنا خلال تلك الأشهر إلى فكر مشتت وعضلات تتصارع. وليت الأمر وقف عند حد الاختلاف، لكنه تطور وتحول إلى ما يشبه الطلاق. الذي قد يتعذر في ظله استمرار العيش تحت سقف واحد. الأسوأ من ذلك أن الخلاف لم يكن سياسيا، لكنه بدا أعمق وأكثر تجذرا، حين اصطف الإسلاميون في جانب، واحتشد الآخرون باختلاف هوياتهم الفكرية السياسية والدينية في الجانب المقابل.
وبلغ الاستقطاب حدا ألغى كتلة الوسط. الأمر الذي قسم البلد بلدين على الصعيدين الفكري والسياسي.. وصرنا أقرب إلى الواقع اللبناني بنظامه الطائفي المهيأ للانقسام، الذي توزع الناس فيه بين فريق استظل بجماعة 14 آذار وأخرى انتسبت إلى ما سمي تجمع 8 آذار. ولأنه لا تكاد توجد مؤسسات أو أوعية حقيقية للحوار المجتمعي في مصر، فإن التجاذب انتقل إلى الشارع وإلى شاشات التليفزيون.
(2)
لأن الأجواء الإيجابية تستخرج من الناس أفضل ما فيهم، فإن الانقسام المختلط بالاحتقان أحدث العكس، حيث استخرج من المجتمع سيئات لم تكن تخطر على البال. إذ استسلمت النخبة للاستقطاب وتوزعت على المعسكرين المتجاذبين، وبالتالي فإنها صارت جزءا من المشكلة. وبدلا من أن يظل المثقف ضمير وطنه، فإنه صار في ظل حدة وعمق الاستقطاب الراهن لسان جماعته أو فريقه.
ليس ذلك وليد لحظة الأزمة الراهنة بطبيعة الحال، لكنه ظهر بوضوح منذ طرح الاستفتاء على التعديلات الدستورية في شهر مارس من العام الماضي (2011)، الذي كان بمثابة أول اختبار لتبيان موازين القوى الحقيقية فى مصر العائدة إلى السياسة بعد طول حجر وتغييب. بل إن مقدمات الاستقطاب ظهرت منذ تشكلت لجنة التعديلات، وكان على رأسها مسلم ملتزم وغيور على دينه هو المستشار طارق البشرى وتبين أن من أعضائها السبعة قانوني إخواني هو الأستاذ صبحي الصالح. وقد أثار وجود الاثنين بين السبعة امتعاض العلمانيين واليساريين وغلاة الليبراليين، الذين اعتبروا البشرى «مشبوها» (ألا يستحق الرجل اعتذارا منهم الآن بعدما أثبتت مواقفه أنه فوق الشبهة، وأصبح الذين اتهموه بالأمس يمتدحونه ويستشهدون بآرائه اليوم؟). أما الثاني فقد صار متهما ومدانا، ولم يغفر له أنه كان عضوا في اللجنة التشريعية بمجلس الشعب الأسبق.
ما يحدث الآن في مصر تجاذب وصخب مطابق لما شهدناه أيام الاستفتاء، وإن اختلف في الدرجة وأساليب الاشتباك. فالنخبة التي اصطفت ضد التعديلات هي ذاتها التي تخاطب المجتمع الآن، والإعلام المناهض والمحرض لم يغير من سياسته. أما الجديد في الأمر فهو أن شارع المدينة أصبح طرفا في الاشتباك، مع ما ترتب على ذلك من أحداث عنف مؤسفة ومحزنة.
توالت بعد ذلك المفاجآت، بعدما ظهرت نتائج الاستفتاء وكانت نتيجة انتخابات مجلس الشعب مخيبة لآمال الفريق الآخر، إلى أن فاز أحد القياديين في الإخوان برئاسة الجمهورية. ومنذ ذلك الحين حدثت تطورات كثيرة غيرت من ملامح البيئة السياسية في مصر.
(3)
إذا حاولنا أن نرصد أهم تلك الملامح فسوف نجد أن أبرزها ما يلي:
- هيمن الصراع بين الفريقين على الساحة السياسية، ولم تتمكن كتلة شباب الثورة من أن تؤسس منبرا مستقلا يعبر عنها، وحين تشتتت وتوزعت على عديد من الجماعات والائتلافات فإن حضورها ضعف كثيرا إلى أن ذابت في الصيغ التقليدية.
- تطور الصراع بين العلمانيين والإسلاميين (حرص الأولون على تقديمه بحسبانه صراعا بين القوى المدنية والدينية) من صراع حدود إلى صراع وجود كما يقال. أعني أنه كان تنافسا بين الفريقين على إثبات الحضور في الساحة، ثم أصبح مؤخرا صراعا استهدف إقصاء الآخر وإخراجه من الساحة. تجسد ذلك الأصوات التي ارتفعت مؤخرا والتي دعت إلى إسقاط النظام، وإشهار بطاقة الطرد الحمراء في وجه الرئيس محمد مرسي، كما تجلى في الهجوم على المقر الرئيسي للإخوان والعديد من المقار الفرعية.
- في غمرة مساعي الإقصاء ومحاولات إنهاء الوجود وقع بعض السياسيين في المحظور. فمنهم من دعا إلى تدخل الجيش لإنهاء الصراع، ومنهم من أبدى ترحيبا بالتحالف مع فلول النظام السابق لمواجهة الإخوان الذين اعتبروهم «خصما مشتركا» للاثنين. الأمر الذي عبر عن الاستعداد للتضحية بالثورة ذاتها من أجل الفوز على الطرف الآخر.
- تورط الطرف الإسلامي في محظور آخر، تمثل في إقحام الهوية الدينية في الصراع الذي هو سياسي بالأساس. إذ اعتبروا أن الاشتباك معهم أو معارضتهم موجهين ضد الإسلام، فيما بدا أنه نوع من التكفير السياسي. وكانت «مليونية» الشريعة والشرعية التي نظمها الإسلاميون في ميدان نهضة مصر بمثابة تجسيد لذلك الخطأ.
- ظهر فلول النظام بوضوح في الساحة السياسية في إعلان مبطن عن أن سقوط مبارك لم يؤد إلى القطيعة مع نظامه الذي لا تزال له امتداداته. ورأينا أن الفلول تشجعوا وسعوا إلى تشكيل حزب سياسي، ويبدو أن التشجيع لم يكن مصدره ما حدث في الداخل من هرج وخلط للأوراق فحسب، ولكنه يستند أيضا إلى بعض الأطراف العربية التي لها موقفها السلبي من الثورة.
- ظهر القضاء ــ بعض المعبرين عنه على الأقل ــ طرفا في الساحة السياسية، وكانت سابقة حل مجلس الشعب بصورة متعسفة استنادا إلى حيثيات حكم للمحكمة الدستورية شاهدا على ذلك، الأمر الذي فتح الباب للطعن في مختلف محاولات تأسيس النظام الجديد وعرقلة تقدمه. وكان موقف نادي القضاة الأخير من قرارات رئيس الجمهورية نموذجا آخر للتسييس، الذي أفقد القضاء حياده، بل أفقده أيضا وقاره حين استخدم المعبرون عن القضاة لغة هابطة أثناء الاشتباك مع السلطة.
- الكنيسة الأرثوذكسية دخلت بدورها حلبة التسييس، وتبنت مواقف وتحيزات بدت خلالها طرفا في الاستقطاب السياسي وتخلت عن دورها كقيادة روحية. وهو ما تجلى في انسحابها من الجمعية التأسيسية للدستور، ودخولها طرفا في معترك معارضة رئيس الدولة ودعوتها إلى مقاطعة الاستفتاء على الدستور. بل إن الكنيسة دخلت في الاصطفاف حدا دفعها إلى الاعتذار عن عدم استقبال مرشد الإخوان حين أراد تهنئة البطريرك الجديد بتوليه منصبه.
- في خضم صراعات نخبة المثقفين والسياسيين، تراجع الاهتمام بمشكلات المجتمع ومعاناة الناس، وأصبح اهتمام النخب بتسجيل النقاط في مواجهة خصومهم وتسابقهم على الأنصبة والحظوظ، مقدما ومنفصلا عن المشكلات الحياتية للجماهير، غير المعنية بكل ما يتصارعون حوله.
(4)
في عالم الرياضة يقسمون الفرق درجات بمعيار التفوق والكفاءة، كما أن المحررين الرياضيين والنقاد اعتادوا أن يختموا استعراضهم للمباريات بإعطاء علامات للاعبين. وقد خطر لي أن أقتبس الفكرة في التعليق على المباراة الجارية بالساحة السياسية المصرية، واضعا في الاعتبار أن المباراة لم تنته بعد وأنها لا تزال في شوطها الأول.
من هذه الزاوية أزعم أننا بصدد فريق التحق حديثا بدوري السياسة، ولم يتحدد بعد موقعه وترتيبه بين الفرق الهابطة. أما اللاعبون فهم بين هواة دخلوا إلى الملعب مصادفة أو وجدوا أنفسهم في قلبه فجأة. وبين لاعبين تجاوزوا بالكاد طور اللعب بالكرة الشراب، وقدموا من حواري السياسة ليبدأوا رحلتهم مع الأندية. أعني أننا بإزاء لاعبين من الفرز الثاني أو الثالث، بعضهم من متوسطي القدرة وبعضهم يستحقون العطف والرثاء ومنهم من ينصح بالبحث عن لعبة أخرى يؤديها. وجميعهم يحتاجون إلى مدربين ودروس خصوصية مكثفة. وما أدعيه ينطبق على القوى المدنية وعلى الإخوان والسلفيين. وجميعهم معذورون، لأنهم حديثو عهد بمثل هذه المباريات، التي حرموا منها طوال الستين سنة الماضية. لذلك أزعم أنهم مظلومون وظالمون. هم مظلومون لأنهم لم يمكنوا من النزول إلى الملعب في السابق، وظالمون لأنهم تسابقوا على حمل عبء لم يكونوا قادرين عليه. ولم يدركوا أن مصر أكبر منهم مجتمعين، ناهيك عن أنها أكبر من أي فصيل مهما كان حجمه. ولابد أن نعترف بأن الجميع في مرحلة «الحضانة» السياسية ولا يزالون يتعلمون أبجديات اللعبة. وقد قصدت التعميم حتى لا يدعي أحد أنه أفضل من الآخر. وإذا عنَّ لفصيل أن يدعي أنه أقدم من غيره. فإنني أذكِّر بأن بقاءه طويلا على الشاطئ ليس دليلا على أنه بات يجيد السباحة. حتى إذا كان البعض في السنة الأولى من الحضانة ووجدنا أن البعض الآخر في السنة الثانية، فذلك لا ينفي أن الجميع لا يزالون في الحضانة ولم يتجاوزوها.
سأتحدث عن الإخوان المسلمين باعتبارهم القوة الأكبر والأفضل تنظيما، وأزعم في هذا الصدد أنهم إذا كانوا قد نجحوا في قيادة وتنظيم الجماعة، فإنهم لم ينجحوا في قيادة سفينة الوطن. ولم يدركوا أن مصر أكبر منهم، ولذلك فإنهم لم يحسنوا الائتلاف مع غيرهم، رغم اقتناعي أن بين الآخرين من صدَّهم ورفض الائتلاف معهم. وقد خسروا حلفاءهم ونسبة غير قليلة من محبيهم خلال الأشهر الأخيرة. كما أن المتحدثين باسمهم كثيرا ما حالفهم عدم التوفيق في خطابهم الذي سحب من رصيد الجماعة وأسهم في تشويه صورتها. ثم إنه لا مفر من الاعتراف بأن اصطفافهم مع السلفيين حمَّلهم بأوزار خطايا غلاة السلفيين الذين أثاروا غضب المجتمع ونفوره.
بقيت كلمة عن الرئيس محمد مرسي الذي يقف في مقدمة اللاعبين. الذي يحسب عليه أنه خاطب رواد المساجد بأكثر مما خاطب جموع الشعب المصري، وحين تحدث إلى الجموع فإن خطابه لم يكن بالشفافية المرجوة. وتجلى ذلك في الإعلان الدستوري الذي فاجأنا به لاعتبارات وضرورات لم يكشف عنها. وتبين لاحقا أنه لم يرجع إلى مستشاريه فيه، الأمر الذي فرغ فكرة مؤسسة الرئاسة من مضمونها، وأوقعه في أخطاء كلفته الكثير. وكان نتيجة ذلك أن عددا غير قليل من مستشاريه تخلوا عنه بعد خمسة أشهر من توليه للسلطة. كما أنه خسر مؤيديه من خارج التيار الإسلامي، الذين كان قد اجتمع بهم حين احتدمت حملته الانتخابية. واتفق معهم على أمور لم يستطع الوفاء بها. ولم يتواصل معهم بعد ذلك ليشرح لهم الظروف التي اضطرته إلى ذلك، الأمر الذي أثر سلبا على ثقتهم في وعوده.
لا أريد التسرع في تحديد علامات للاعبين، ولا أمانع في أن يفعل ذلك غيري. لكنني أذكر بأمرين أحدهما أن المباراة الحقيقية بدأت منذ خمسة أشهر فقط، بعدما تولى الرئيس السلطة. وثانيهما أن «البدلاء» الذين نراهم خارج الملعب ليسوا أفضل كثيرا، ومنهم من يجيد دور المشاهد بأكثر من إجادته لدور اللاعب.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2642
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1048
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
687
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8760
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3789
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3138
| 30 أكتوبر 2026