رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لكن وزير الخارجية المصري سامح شكري قال في رسالة إلى مجلس الأمن في 27 مايو الماضي إن ملء السد وتشغيله سيعرض الأمن المائي والأمن الغذائي المصري للخطر، وإنه بالنسبة إلى مصر بلد فيه أكثر من (150) مليون نسمة يعتمدون كليا على نهر النيل في وجودهم، وإن وضعًا كهذا لا يمكن التسامح معه، وإن سد النهشة شُيّد من دون استكمال الدراسات الضرورية على السلامة البنيوية الهيدرولوجية، ممَّا يُهدّد أكثر من (150) مليون مواطن سوداني ومصري، وإن ملء وتشغيل مشروع عملاق كسد النهضة من دون اتفاق وفي غياب أية وسائل حماية متوافق عليها يُشكّل خطرًا واضحًا بالنسبة إلى مصر، وطالب وفقًا للمادة (35) من ميثاق الأمم المتحدة من أجل إخطار مجلس الأمن بأي وضع كان أن يؤدي إلى خلاف دولي أو يمكن أن يعرض للخطر الأمن والسلام الدوليين.
ذلك أن مصر تخشى من المساس بحصتها السنوية من مياه نهر النيل البالغة (55,5) مليار متر مكعب، وتطالب باتفاق حول ملفات بينها أمان السد وتحديد قواعد ملئه في أوقات الجفاف والجفاف الممتد، ذلك أن القاهرة تعتمد بشكل شبه كلي على مياه النيل في الحصول على ما يلزمها من المياه العذبة، وترى أن السد يمثل تهديدًا وجوديًا محتملاً، وقالت مصر مؤكدة أيضًا إن كل تلك الجهود قد تعثرت بسبب عدم توافر الإرادة السياسية لدى إثيوبيا وإصرارها على المُضي قدمًا في ملء السد بشكل أحادي في مخالفة لاتفاق إعلان المبادئ والموقع بين الدول الثلاث حول قواعد ملء وتشغيل السد، وإنه يلزم إثيوبيا بعدم إحداث ضرر جسيم لدول المصبَّ.
لكن أديس أبابا من جهتها تؤكد أنها لا تستهدف الإضرار بمصالح مصر ولا السودان، وأن الهدف الأساسي للسد هو توليد الكهرباء لدعم عملية التنمية.
وأحب أن أشير هنا إلى أن الصراع من أجل مياه النيل ليس وليد اليوم، ولنتذكر ما قاله الرئيس المصري السابق حسني مبارك بشأن أي عبث إثيوبي بمياه النيل، حيث قال: إن ذلك سيدفع بلادنا إلى المواجهة دفاعًا عن حقوقنا وحياتنا.
وذهب خليفته الرئيس السابق محمد مرسي في نفس الاتجاه، حيث قال: "نحن لا نريد الحرب، لكن كل الخيارات تبقى مفتوحة"، وكان رد رئيس الوزراء الإثيوبي آنذاك السيد (ميليس زيناوي) إذا كانت مصر تريد منع إثيوبيا من استخدام مياه النيل فعليها أن تحتلّ بلدنا، وهذا ما لم تفعله في الماضي أية دولة على وجه الأرض، ويقول الكاتب د. خليل العناني إن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لم يتعامل بالحذر والذكاء المطلوب مع ملف سد النهضة، وكان توقيعه على اتفاق المبادئ في شهر مارس 2015 والذي اعترف فيه صراحة ببناء السد ممَّا أعطى إثيوبيا ما كانت تطمح إليه منذ عقود بشأن إسقاط الاتفاقات التاريخية المنظمة لاستخدام مياه النيل، والتي حافظت على حصة مصر وحقوقها التاريخية بها، وبمثابة كارثة وطعنة كبيرة للأمن القومي المصري، وعليه فقد تحللت أديس أبابا من أية التزامات قانونية وتاريخية بخصوص توزيع مياه النيل، وكذلك أيضًا فيما يخص عدم بناء سدود على النيل الأزرق دون الرجوع لدولتي المصبّ (مصر والسودان)، والحصول على موافقاتهما.
لكن السيد (ويليام دايسنون) من مجموعة الأزمات الدولية – وهي منظمة لمنع النزاعات – يقول: "يمكننا توقع نوع من التصعيد الدبلوماسي، وخطاب أكثر عدوانية، لكن من الواضح أن التوصل إلى حل تفاوضي هو أفضل سبيل للجميع، ولا يزال هناك الكثير من الاحتمالات لذلك".
أمَّا الخبراء في شؤون شرق أفريقيا فيستبعدون نشوب حرب من أجل النيل، وكما يرى السيد (سورين شولفين) - من المعهد الألماني للدراسات العالمية والمحلية في هامبورج - فإن هناك عدة أسباب لاستبعاد احتمال الحرب، إذ يقول: يجب أن نضع في الاعتبار أن معظم هذه البلدان تملك قدرات عسكرية محدودة جدًّا، وهي بالتالي ليست قادرة على استخدام قوتها العسكرية في حروب داخلية في المنطقة، ومن جانبه أيضًا يتوقع الخبير في شؤون شرق أفريقيا (شيغان رول) أن تساهم مشكلة ندرة المياه التي تتفاقم بشكل متزايد في شرق أفريقيا في دفع دول المنطقة إلى التقارب. انتهى كلامه.
وختامًا أقول: إن هذه التجاذبات بين دول المصبَّ حول مشروع سد النهضة الإثيوبي لابد أن تسودها روح التفاهم والمصالح المشتركة بعيدًا عن التهديدات والتشنجات السياسية، وحيث إن السد أصبح الآن أمرًا واقعًا، وفي نظري أن سد النهضة سيكون عاملاً لتحقيق السلام والازدهار والرخاء لكل شعوب حوض النيل، وخصوصًا لشعب مصر والسودان والشعب الإثيوبي، وذلك متى ما خلصت النوايا الحسنة في توصيل هذه المفاوضات الجارية الحالية إلى بر الأمان، بعيدًا عن لغة التعنت والعناد، ذلك أن لغة التصعيد ولغة التهديد ودق طبول الحرب ستؤدي إلى جرّ المنطقة إلى مهالك الدمار والخراب وأتون حرب سوف تأكل الأخضر واليابس، ممَّا لا تحمد عقباه، وستكون آثارها على الجميع حاضرًا ومستقبلاً ولأجيال قادمة.
إن نهر النيل العظيم الخالد شريان الحياة منذ الأزل البعيد، وبكل جذوره التاريخية الضاربة في الأعماق يتوجب على دول المصب ودول الاتحاد الأفريقي أن تجد الحلول، وأن تقف على كل ما يحقق المحافظة على مصالح وشعوب دول حوض النيل، بمقومات السلام، والرخاء والازدهار والتقدم، بعيدًا عن أتون الحروب والأشلاء والضحايا والدماء والخراب، ليبقى نهر النيل الخالد شريان الحياة للمروج الخضراء والمزارع الوارفة، والحضارة المزدهرة، أبدي الخلود إلى ما لا نهاية، وهذا ما نتمناه.
والله من وراء القصد.
E-mail: [email protected]
الإنسانية بين الذكاء الاصطناعي والفطري (20)
إن هذه القوة الخارقة التي يتمتع بها الجن والشياطين في اختراق آفاق الكون وآفاق السماوات العلى، وبحيث إننا... اقرأ المزيد
4815
| 06 يوليو 2021
الإنسانية بين الذكاء الاصطناعي والفطري (19)
هناك مسألة مهمة وهي مسألة عالم الشيطان والشياطين والجن وهي من المسائل الغيبية التي ما زالت تصطدم بذكائنا... اقرأ المزيد
3212
| 29 يونيو 2021
الإنسانية بين الذكاء الاصطناعي والفطري (18)
خذ مثلاً "مسألة الموت"، وهي الحقيقة الكبرى التي تعرفها البشرية ونعرفها جميعاً نعرفها بذكائنا الفطري ولكن لا نعرف... اقرأ المزيد
3449
| 22 يونيو 2021
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4245
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3168
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1116
| 28 سبتمبر 2026