رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إذا صح أن «الطبخة» أوشكت على النضوج وأن أوان رسم خرائط جغرافية المنطقة قد حان، فلا ينبغي أن ننسى أن الشعوب العربية هي وحدها التي ستصنع تاريخها.
(١)
يبدو أننا بصدد الانتقال من الحديث عن إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط إلى محاولة تنزيل التشكيل الجديد على الأرض، ورغم أنه لا تتوافر لدينا أدلة كافية عن العلاقة بين توقيع اتفاق الولايات المتحدة والدول الكبرى مع إيران، وبين المرحلة التي نحن بصدد الدخول فيها، إلا أننا لا نستطيع أن نغفل دلالة تتابع التحركات التي نحن بصددها مباشرة بعد توقيع ذلك الاتفاق. أبرز هذه التحركات التي تتفاعل الآن تمثلت فيما يلي:
* دخول تركيا على خط المواجهة العسكرية ضد تنظيم داعش وضد حزب العمال الكردستاني في الوقت نفسه. وقبولها فتح قاعدة «انجرليك» في جنوب تركيا لطائرات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. وفي مقابل هذه الخطوة فإن تركيا حققت أحد أهدافها المهمة التي تمثلت في الاستجابة لمطلبها إقامة منطقة عازلة داخل الأراضي السورية، (بطول مائة كيلومتر) تشكل منطلقا لعناصر معارضة نظام الأسد.
* في حين ألقت تركيا بثقلها على جبهة الحرب فإن جهدا مثيرا للاهتمام برز على جبهة السلام النسبي في المنطقة، إذ شهدنا على ذلك الصعيد عدة تحركات سعودية وروسية وأمريكية. وجاءت الإشارة العلنية الأولى حين زار الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي لروسيا واجتماعه مع الرئيس بوتن في بطرسبورج في شهر يونيو الماضي. وبعد ذلك عقد اجتماع في الدوحة لوزراء خارجية الولايات المتحدة وروسيا والسعودية، ورتب اجتماع آخر في موسكو لوزير الخارجية السعودي مع نظيره الروسي. في ذات الوقت فوجئنا بخبر زيارة على مملوك رئيس المخابرات الروسية للرياض، وزيارة وزير الخارجية السوري عادل المعلم لسلطنة عمان، التي استقبلته لأول مرة منذ ٤ سنوات. كما تسربت أنباء عن زيارة قام بها لموسكو الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني.
* بالتوازي مع ما سبق شهدت سلطنة عمان في بداية هذا الأسبوع اجتماعات لبحث الأزمة في اليمن، حيث توجه إليها ممثلون عن أنصار الله(الحوثيون) والرئيس السابق علي عبدالله صالح، للالتقاء هناك مع المبعوث الدولي إسماعيل ولد الشيخ. وفيما فهمت فإن الهدف الأساسي لتلك الاجتماعات هو ترتيب وقف إطلاق النار في اليمن والبدء في الانتقال إلى حل سياسي للأزمة، حدث ذلك في الوقت الذي صرح فيه وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بأن الحوثيين فصيل سياسي في اليمن له حقه في الوجود والمشاركة. في الوقت ذاته عقد بعض قيادات حزب المؤتمر اجتماعات في القاهرة لتشكيل لجنة تحضيرية للمؤتمر العام للحزب وانتخاب رئيس جديد له بديلا عن علي عبدالله صالح، وينتظر أن يعقد المؤتمر خلال الشهر المقبل إما في عدن أو في تعز.
* قبل زيارة سلطنة عمان شهدت اليمن تطورا داخليا مهما، حيث تم إخراج الحوثيين من عدن وفتح مطار المدينة الذي بدأ في استقبال الطائرات تحت حراسة قوات التحالف. ورغم أن الأوضاع لم تستقر تماما في المحافظة إلا أن التقارير تحدثت عن تحرير لحج وتقدم قوات المقاومة الشعبية التوافق صوب تعز وأبين ومأرب. وهناك خشية من وصول المواجهات إلى صنعاء مثل التوصل إلى حل سلمي يوقف القتال، لأن من شأن ذلك إغراق العاصمة في بحر من الدماء والدمار.
(٢)
على صعيد آخر أعلنت الأمم المتحدة في منتصف شهر يوليو أن الأطراف الليبية وافقت على مسودة الاتفاق لحل الأزمة السياسية في البلاد، وأن ممثلي تلك الأطراف قاموا بالتوقيع على اتفاق السلام الذي تم التوصل إليه في «الصخيرات» ــ المنتجع المغربي ــ برعاية مبعوث الأمم المتحدة برناردينو ليون. إلا أن هذه لم تكن نهاية المطاف، لأن الخلافات ظهرت بين الفرقاء بعد التوقيع. ففي طبرق حيث توجد الحكومة ومجلس النواب ومجموعة «الكرامة» التي يقودها اللواء خليفة حفتر تبين أن ثمة انقساما بين فريقين، أحدهما مع الحل السياسي، وممثلو هذا الفريق هم الذين وقعوا على اتفاق الصخيرات، أما الفريق الثاني فإنه رفض التوقيع وانحاز إلى الحل العسكري وضرورة استمرار المواجهة بالسلاح، ودعا أنصاره إلى إلغاء البرلمان وتشكيل مجلس عسكري لإدارة البلاد بقيادة اللواء حفتر. وهذا الانقسام تكرر في الطرف المقابل المسيطر على طرابلس، والذي تمثله مجموعة فجر ليبيا. إذ في حين وافقت بعض فصائله على الحل السياسي، في مقدمتها رئاسة حزب العدالة والبناء الذي ينسب إلى الإخوان المسلمين، فإن مجموعات أخرى من الثوار رفضت الوثيقة وتمسكت بالاحتكام إلى الحسم العسكري. وهو ما حدث أيضا في مصراتة التي تعد إحدى القلاع الأساسية للثورة.
التطور الأهم في ليبيا حدث في «دورته»، التي عرفت تقليديا بأنها إحدى قلاع التطرف وكان لتنظيم داعش حضوره الظاهر فيها. ذلك أن مجموعات الثوار وفي المقدمة منهم كتيبة شهداء بوسليم اشتبكوا مع أنصار داعش بعدما قاموا بقتل أحد أبرز الشخصيات العامة في درنة ــ الشيخ ناصر العكر ــ الأمر الذي أدى إلى استنفار مجتمع درنة وتلاحمهم مع الثوار. فاصطف الجميع في مواجهة مسلحة ضد أنصار داعش في شهر يونيو الماضي. وخلال أربعة أيام قاموا بدحرهم وإخراجهم تماما من المدينة، بعدما قتلوا منهم عددا غير قليل واعتقلوا نحو ٣٠٠ شخص من الدواعش، بينهم عشرة من المصريين. (المعلومات الأخيرة تحدثت عن توسط بعض أعضاء برلمان طبرق لإطلاق سراح المصريين المعتقلين). وجدير بالذكر في هذا الصدد أن أهالي درنة شكلوا من بينهم مجلس شورى الثوار، الذي تولى قيادة حملة مطاردة عناصر تنظيم داعش.
(٣)
ثمة قواسم مشتركة بين تلك المشاهد المتناثرة من أبرزها ما يلي:
* إن الدول الثلاث ــ سوريا واليمن وليبيا ــ هبت عليها رياح التغيير التي ضربت العالم العربي في عام ٢٠١١ وأسقطت النظم التي كانت قائمة فيها. وما تعرضت لها جراء ذلك يصنف ضمن الانتكاسات التي تعرضت لها دول الربيع العربي، وكان إجهاض الأمل في التغيير من أبرز أهدافها.
* إن عملية الإجهاض أسهمت فيها عناصر الداخل وقوى الثورة المضادة في العالم العربي بأكثر مما أسهمت فيها التدخلات الخارجية، حتى التدخلات الإيرانية كانت لها ضروراتها الإستراتيجية في سوريا، كما كانت بمثابة «ورطة» استدرجهم إليها الحوثيون.
* رغم أن الصراع في جوهره كان سياسيا بين قوى الثورة والثورة المضادة، إلا أن الحرب ضد الإرهاب كانت الذريعة التي أعلنت لإطلاق شرارته، وهو ما حدث في الدول الثلاث التي أشرت إليها، كما حدث في أقطار عربية أخرى. والوضع القائم في ليبيا نموذجي في التدليل على ذلك. فحركة الكرامة التي يقودها اللواء حفتر والتي تلقى دعما وتأييدا من بعض الدول العربية رفعت شعار الحرب على الإرهاب في البلاد. إلا أن مجلس شورى ثوار درنة حين نجح في طرد جماعة داعش بسجلها المعروف في الإرهاب، وشرع في مطاردتهم خارج المدينة التي ساءت سمعتها بسببهم، فإن الذي لاحقهم واعترض طريقهم كانت عناصر جماعة الكرامة التي ادعت في البداية أنها تحارب الإرهاب.
* إن النظام العربي عجز عن أن يقوم بدور احتواء الصراعات التي وقعت في كل قطر، الأمر الذي اقتضى تدخلا دوليا من جانب الأمم المتحدة، وهو ما لم يحقق المراد منه حتى الآن، وهو ما استدعى تدخلات الدول الكبرى والإقليمية والدولية لإنقاذ الموقف، تشهد بذلك الاجتماعات والمشاورات التي سبقت الإشارة إليها.
* بعد مضي نحو أربع سنوات على الصراع الداخلي فإن المواجهات المسلحة عجزت عن حسم الموقف في الدول الثلاث، الأمر الذي أدى إلى إنهاك الجميع فضلا عن الخراب الذي حل بكل بلد جراء الاحتكام إلى السلاح. لذلك لم يكن هناك مفر من اللجوء إلى الحل السياسي الذي يستهدف التوصل إلى حلول وسط ترضي الأطراف المتصارعة بما فيها عناصر الثورة المضادة.
* بعد التوقيع على الاتفاق النووي بين المجموعة التي تقودها الولايات المتحدة وبين الإيرانيين، وحسم «الصداع» الذي سببه للجميع البرنامج النووي الإيراني طوال ١٢ عاما، فإن الأجواء صارت مواتية للنظر في بقية الملفات العالقة في المنطقة. ليس حرصا عليها أو محبة في أهلها، ولكن لتهدئة الأوضاع فيها والانصراف إلى التحدي الأكبر الذي يشغل واشنطن، المتمثل في تعاظم دور الصين وتطلعاتها في شرق آسيا.
(٤)
لا نبالغ إذا خلصنا من تلك القرائن إلى أن أوان تنفيذ الخرائط الجديدة قد حل، وأن السؤال الذي بات مطروحا على الجميع هو كيف سيكون شكلها. وأغلب الظن أن الاجتماعات والمشاورات الحاصلة الآن، والتي أشرت إلى بعضها تحاول الإجابة على ذلك السؤال، من ثَمَّ فليس بمقدورنا أن نتعرف على مصير الرئيس بشار الأسد مثلا بعدما ظل إسقاط نظامه هدف الصراع المستمر منذ أربع سنوات. وفي هذه الحالة هل ستظل سوريا دولة واحدة بعد انسحاب جيش الأسد للدفاع عن الغرب المرشح ليكون حصة العلويين ودولتهم. ثم إن هناك قائمة طويلة عن الأسئلة بعضها يتعلق بانفصال جنوب اليمن وحصة الحوثيين في السلطة، والبعض الآخر يخص مصير اللواء حفتر في ليبيا ووحدة الأراضي الليبية، وليس معروفا كيف يكون وضع الأكراد الذين يتعاظم دورهم في المنطقة، وفي أي اتجاه ستمضي العلاقات العربية ــ الإسرائيلية والعلاقات الخليجية ــ الإيرانية...إلخ.
الأسئلة المثارة لا تتعلق بالجغرافيا، لأن الأهم فيها يخص التاريخ. ذلك أن المواطن العربي الذي ألف الحدود الراهنة التي استقرت طوال مائة عام (منذ سايكس ــ بيكو) ليس مشغولا كثيرا بتلك الخرائط، إذ إن مشكلته الأكبر تتمثل. في افتقاده إلى الحرية والعدل الاجتماعي وشوقه إلى التقدم والتنمية. وهي الملفات المستبعدة في الاجتماعات التي تعقد والخرائط التي ترسم. وهي ذاتها الملفات التي تصدرت لائحة تطلعات الربيع العربي، والتي استنفرت قوى الثورة المضادة فحشدت حشودها وشنت حملتها الشرسة لإجهاضها.
لست مع الذين يقولون إن الربيع العربي فشل، لكنني أزعم أنه ووجه بحرب ضروس وتلقى ضربات موجعة أصابت الأمل المعقود عليه بانتكاسات متتالية. وقد سرى عليه ما حل بثورات التاريخ من انتكاسات وخبرات، ومن ثم خسرت الشعوب العربية جولة في مسيرتها نحو المستقبل، ولم تخسر معركتها لأجل الحرية والعدل والتقدم. وهو ما ينبغي أن نظل نراهن عليه رغم الانسداد المخيم على الأفق ورغم الظلام الكثيف الذي يحجب أبواب المستقبل. ولئن حرمنا من أن نجني ثمار الربيع فإن أحدا لا يستطيع أن يمنعنا من أن نحلم به.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3441
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3237
| 06 أكتوبر 2026
في الأوقات العادية، قد تبدو الاحتياطيات المالية والاستثمارات الخارجية مجرد أرقام كبيرة في التقارير. أما في الأزمات، فتتحول هذه الأرقام إلى قدرة حقيقية على حماية الاقتصاد واستمرار الخدمات وتوفير احتياجات الناس. وهذا ما ظهر خلال أزمة هرمز، التي وضعت قطر أمام اختبار صعب لم يقتصر على تراجع الإيرادات، بل امتد إلى صادرات الطاقة وحركة التجارة وسلاسل الإمداد. وعلى الرغم من شدة الأزمة، حافظت الدولة على استمرار الخدمات، ووفرت الاحتياجات الأساسية للمواطنين والمقيمين، وأدارت آثارها بما حافظ على استقرار الحياة اليومية ومتانة الاقتصاد. وهذا نجاح يستحق الإشادة، لكنه يستحق أيضًا أن نتوقف عنده لفهم أسبابه واستخلاص ما يفيدنا في المستقبل. لم تبدأ قوة قطر المالية مع الأزمة، بل بُنيت على مدى سنوات من خلال الاحتياطيات المالية والأصول السيادية والاستثمارات الخارجية، إلى جانب قوة الجهاز المصرفي والقدرة الائتمانية للدولة. كما استفادت قطر من خبرتها في أزمات سابقة، خصوصًا في الأمن الغذائي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية. وهذا الاستعداد لم يكن مجرد انطباع، بل تؤكده التقارير الدولية. فقد أشار صندوق النقد الدولي، قبل الأزمة، إلى قوة الوضع المالي والخارجي لقطر وسلامة قطاعها المصرفي، مؤكدًا أهمية مواصلة الإدارة المالية الحصيفة. وقد أثبتت التطورات أن هذه القوة وفرت للدولة مساحة للتحرك عندما تعرضت الإيرادات ومنافذ التصدير لضغوط مفاجئة. لكن متانة الاقتصاد لا تعني أن الأزمة مرت من دون تكلفة. فقد أظهرت بيانات وزارة المالية ارتفاع عجز الموازنة إلى نحو 21.2 مليار ريال في الربع الثاني من عام 2026، بعد أن بلغ 10.3 مليار ريال في الربع الأول. ولا تعني هذه الأرقام أن الاقتصاد فقد قوته، بل تكشف حجم الضغط الناتج عن تأثر صادرات الغاز وحركة الملاحة. وفي مثل هذه الظروف تظهر قيمة ما راكمته قطر من احتياطيات وأصول سيادية؛ فقد وفر ذلك للحكومة هامشًا لمواصلة الإنفاق الضروري، وتلبية احتياجات الدولة والمواطنين والمقيمين، والمحافظة على الاستقرار رغم تراجع الإيرادات. وإلى جانب ذلك، برز دور الاستثمارات الخارجية عبر جهاز قطر للاستثمار؛ فهي تحقق عوائد للأجيال القادمة، وتعزز قدرة الدولة على مواجهة الظروف الاستثنائية، وتخفف اعتمادها الكامل على الإيرادات السنوية للطاقة. غير أن الأزمة كشفت أن القوة المالية، على أهميتها، ليست كافية وحدها. فالمال يستطيع تعويض جزء من تراجع الإيرادات، لكنه لا يوفر فورًا موردًا بديلًا لمادة أساسية، ولا يفتح مسارًا بحريًا متعطلًا، ولا يعيد تشغيل خدمة تعتمد على نظام تقني خارجي واحد. ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: كم نملك من الاحتياطيات فقط؟ بل أيضًا: ما البدائل الجاهزة، وكم نحتاج من الوقت لتشغيلها؟ وتزداد أهمية هذا السؤال لأن أزمات اليوم لا تبقى داخل حدودها الأولى. فقد أشار تقرير المخاطر العالمية لعام 2026، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى ترابط المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية؛ فقد تبدأ الأزمة في ممر بحري، ثم تنتقل إلى الطاقة والشحن والتأمين والإنتاج والأسعار. كما توضح تقارير الأونكتاد أن تأخر السفن ليس سوى بداية لسلسلة من التكاليف التي تصل في النهاية إلى الشركات والمستهلكين. وفي الاتجاه نفسه، تذكر ورقة «الصمود الاقتصادي في ظل الأزمة الجيو-اقتصادية»، الصادرة عن المركز الدولي للتنمية، أن الاحتياطيات والمخزونات تمنح الدولة وقتًا ثمينًا، لكنها لا تصنع الصمود بمفردها. فالاحتياطي يساعد الدولة على التحرك، أما البدائل الجاهزة فتحدد نجاح هذا التحرك وسرعته. ومن المفيد، في ضوء هذه التجربة، تشكيل فريق وطني مؤقت لدراسة دروس أزمة هرمز ووضع برنامج عملي لزيادة مرونة الاقتصاد القطري. والغاية ليست إضافة تقرير نظري جديد، بل تشكيل فريق محدد المدة والصلاحيات والمخرجات، يجمع الجهات المعنية بالمالية والاقتصاد والطاقة والنقل والموانئ والغذاء والدواء والتكنولوجيا، إلى جانب المصارف والقطاع الخاص. وتكون الخطوة الأولى إعداد خريطة للاعتماد الاقتصادي الحرج. والمقصود ليس حصر جميع السلع المستوردة، بل معرفة المواد والخدمات التي قد يؤدي تعطلها إلى توقف وظيفة أساسية. فقد تكون قطعة غيار صغيرة أهم من سلعة مرتفعة الثمن إذا كان غيابها قادرًا على إيقاف محطة إنتاج أو منشأة صحية أو نظام تقني كامل. وبعد تحديد هذه النقاط، يمكن اختبار قدرة القطاعات الحيوية على الصمود لفترات تمتد إلى 30 و90 و180 يومًا. فإذا تعطل المسار البحري المعتاد، فكم يكفي مخزون الغذاء والدواء والمواد الصناعية؟ وما المدة اللازمة للانتقال إلى مورد آخر؟ وهل لدينا عقود ومسارات بديلة جاهزة، أم سنبدأ البحث عنها بعد وقوع الأزمة؟ وينبغي أن تقود هذه الاختبارات إلى مؤشرات واضحة، مثل عدد أيام تغطية السلع الحيوية، والحد الأعلى للاعتماد على مورد واحد، والوقت المطلوب لتشغيل البديل، ومدى جاهزية الأنظمة الرقمية الاحتياطية. فمن دون مقاييس محددة، قد تبقى المرونة الاقتصادية فكرة جيدة يصعب معرفة مدى تحققها. وليست الفكرة أن نخزن كل شيء أو ننتج كل ما نستهلكه؛ فهذا مكلف وغير عملي. المطلوب هو معرفة ما يمكن شراؤه بسهولة من الأسواق العالمية، وما لا ينبغي أن نعتمد فيه على مصدر أو مسار واحد. وقد يكون المورد الأقل تكلفة مناسبًا في الظروف الطبيعية، لكنه يصبح مكلفًا إذا أدى تعطله إلى توقف قطاع حيوي. وعندها تصبح تكلفة المورد الثاني أو المخزون الإضافي أشبه بقسط تأمين يحمي الاقتصاد من خسارة أكبر. وتعرض الورقة نفسها خمس خبرات دولية يمكن الاستفادة منها. فقد حددت اليابان المنتجات والخدمات الحيوية لأمنها الاقتصادي، وطورت فنلندا تعاونًا منظمًا بين الحكومة والقطاع الخاص لضمان استمرار الخدمات الأساسية، بينما اعتمدت سنغافورة على مزيج من تنويع مصادر الغذاء والمخزون والإنتاج المحلي والشراكات الخارجية. والمطلوب ليس نسخ هذه التجارب، بل الاستفادة من منطقها وتكييفه مع احتياجات قطر. وبالتوازي مع تعزيز الجاهزية داخل الاقتصاد، تظل الاستثمارات الخارجية ركيزة أساسية في بناء القوة المالية للدولة. ولذلك ينبغي مواصلة تنميتها وتنويعها، مع تحقيق توازن بين الاستثمارات طويلة الأجل والأصول التي يمكن تحويلها إلى سيولة عند الضرورة، وزيادة الاستثمارات التي تجمع بين العائد المالي والمصلحة الاستراتيجية في الغذاء والدواء والتكنولوجيا والنقل والخدمات اللوجستية. لقد أثبتت أزمة هرمز أن قطر تمتلك احتياطيات وأصولًا ومؤسسات قادرة على امتصاص صدمة كبيرة، وأن الحكومة أحسنت إدارة الأولويات وحماية احتياجات المجتمع. لكن أفضل طريقة لتقدير هذا النجاح هو البناء عليه، وتحويل ما تعلمناه إلى سياسات وبدائل جاهزة تعزز استعداد الدولة لأي أزمة مقبلة. فالهدف ليس أن نعود إلى ما كنا عليه قبل الأزمة، بل أن نخرج منها أفضل مما كنا: باقتصاد أكثر تنوعًا، ومؤسسات أسرع استجابة، وسلاسل إمداد أكثر أمانًا. وعندها تتحول الأزمة، رغم كلفتها، من مرحلة صعبة تجاوزناها إلى فرصة جعلت الاقتصاد القطري أكثر مرونة وصمودًا.
1044
| 04 أكتوبر 2026