رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
دمشق العروبة والإسلام تئن وتصرخ.. فأين نحن من إغاثتها ونجدتها؟!
ما يفعله المجرم الطاغية بشار الأسد في هذه الأيام المباركة من شهر رمضان ما هو إلا مسلسل مستمر متكرر من مجازر ارتكبها ولا يزال يرتكبها طوال فترة حكمه وحكم والده الهالك حافظ الأسد الذي استباح دم شعبه وبالأخص من المسلمين الموحّدين من أهل السنة والجماعة ممن صبّ عليهم أنواع الظلم والقتل والتنكيل ولم يحفظ كرامتهم ولا دينهم بل أذاقهم أنواع العذاب وصنوف الجرائم، وما مجزرة مدينة حمص وحماة إلا صورة من صور جرائم هذا النظام القمعي الذي لا يخاف من الله ولا ينوي الكف عن جرائمه إلا بعد أن يزهق آلاف الأرواح وأن يمحو من طريقه كل من يحمل دين الله في فؤاده ويؤمن بالله ورسوله، وكأنه بذلك يضاهي اليهود في أعمالهم، فبالله عليكم هل رأيتم اليهود يقتلون ويتفننون في تعذيب المسلمين وأمام مرأى من العالم كما يفعل ويتباهى هذا النظام الجائر، بل إن اليهود يفعلون ذلك سرّاً لا جهراً، لأنهم يخافون من الإعلام ومن الناس، فما بالكم بهذا النظام الذي لا يخاف الناس ولا رب الناس، فما الفرق بينه وبين اليهود الذي يزعم أنه يقف في وجه كيانهم الصهيوني منذ سنين ولكنه "كلام فارغ" حيث كنا نحسب مواقفه "رجولية" فإذا بها لا تمت إلى الرجولة وإلى الإنسانية بصلة، هذا النظام السوري البعثي القومي العلماني الذي يؤمن بالبعث إلهاً من دون الله حتى قال شاعرهم: (آمنت بالبعث رباً لا شريك له .. وبالعروبة ديناً ما لــه ثان) هذا النظام الدموي الفاشي الكاره للدين والإسلام منذ نشأته يزعم منذ سنين بأنه معاد لإسرائيل وما هو إلا كلام فارغ من طبل أجوف كتلك الطبول الجوفاء في حزب الله اللبناني التي تدندن بمحاربة إسرائيل في العلن بينما هم في مسالمة مع إسرائيل ومصالحة معها، حيث يظهر للعالم بأنهم سيرغمون أنف إسرائيل وسيقتلعون عينها وسيُخرسون لسانها ولكنهم يوم الزحف يفرّون كالجبناء ويولّون الدبر كالمنافقين تماماً، وما احتلال هضبة الجولان في خلال ساعات من قبل إسرائيل واقتحام الطائرات الإسرائيلية أجواء سوريا ولبنان في كل وقت وحين إلى يومنا الحالي إلا جزء يسير من تلك الزعامات الوهمية التي " تتشطر" على أعدائها بالصوت فقط، ولكنهم مع شعوبهم يفعلون الأفاعيل ويرتكبون المجازر تلو المجازر، وأعجب من ذلك السكوت المطبق من الدول العربية التي لم نستفد من تجمعها في القمم العربية إلا بمزيد من استنكارها وشجبها على أعدائها الخارجيين بينما كانت تتستر على أفعال مجرمي الحروب كحافظ الأسد عندما ارتكب مجزرة حماة والقذافي عندما ارتكب مجزرة أبو سليم وغيرهما من المجرمين الذين كنا نحسبهم رؤساء فإذا بهم قتلة وما مجازرهم تلك إلا مثال واحد من أمثلة عدة سكت عنها الحكام العرب وقتها وأداروا لها ظهورهم وكأن شيئاً لم يكن، ولم يكن للإعلام وقتها دور في نقل الحدث كما يحدث اليوم عندما ينقل الإعلام كل حادثة قتل أو تعذيب، فلا مجال للكذب على الشعوب أو العالم أو إخفاء معالم الجريمة، ولكن النظام السوري الآن كما الليبي أفاق من غفوته يحسب أنه سيمارس نفس الكذب الذي عهده في عهد والده الطاغية، ولكن نظاماً دموياً كهذا لا يستحي ولا يرتدع إلا بالقوة، فها هي تركيا تخبر بأنها سترسل برسالة حازمة لسوريا تستنكر تلك الاعتداءات والانتهاكات والقتل التعذيب للشعب السوري، فإذا بالحكومة السورية ترد بلسان وزير خارجيتها بأن الرسالة التركية ستواجه برد أكثر حزماً!!، ولا عجب أن يتغطرس وأن يستبد ويستكبر هذا المجرم في طغيانه أكثر كما قال فرعون "أنا ربكم الأعلى".
وإذا كنا لا نعجب من النظام السوري وهو يشيح عن وجهه القبيح فإننا لا نعجب كذلك من أن تسانده إيران وتدعمه بكل قوة وكذلك حزب الله اللبناني ليشكلا في النهاية جناحين لنظام دموي يريد إبادة شعبه وطمس معالم الدين والهوية الإسلامية في جزء من الأمة العربية والإسلامية، وليشكلا كذلك جسراً يعبر من طهران إلى بغداد إلى دمشق إلى بيروت، يمتد لا ليطوّق إسرائيل ويستهدف الكيان الصهيوني المحتل وإنما له أيديولوجيته الخاصة وله مخططاته الخفية وله مساعيه الواضحة في تصدير الثورة "الخمينية" وإبادة كل من يقف في طريقها متمسكاً بدينه غير مشرك بالله كما يفعلون، ولعلي في هذا السياق أذكر موقفين فقط من سلسلة تلك المخططات الإبادية المستهدفة، الموقف الأول في العراق: عندما فضح الله جرائم نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي عندما فضحته مجموعة من وثائق ويكيليكس بأنه أعطى تعليماته المباشرة للقوات الأمريكية بأن يطلق النار على مدنيين عراقيين "عزّل" من أهل السنة والجماعة حتى بلغ عدد القتلى المئات بل الآلاف في فترة رئاسته فقط ناهيك عمّا خفي قبل ذلك، في دليل واضح على أحقاده الدفينة تجاه الشعب العراقي المسلم وفي إشارة كذلك لتلقيه أوامره من طهران حيث مركز القيادة لهذا المخطط السرطاني الخبيث، الموقف الثاني في لبنان: عندما فضح الله جرائم حزب الله وقت العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان، حيث أفاد شهود عيان قطريون ممن ساهموا في إعادة إعمار جنوب لبنان أو غيرهم ممن شهدوا بذلك حيث عمد حزب الله على إطلاق قذائفهم من مدن وقرى لأهل السنة والجماعة في لبنان حتى يعاود الكيان الإسرائيلي استهدافها وتوجيه قنابله وصواريخه تجاه إخواننا في لبنان مما جعلهم ضحايا وقتلى لعدو ظاهر هو الكيان الإسرائيلي ولعدو منافق خفي يبطن خلاف ما يظهر، يظهر الوطنية للبنان ويبطن الولاء لإيران، ويظهر العداء لإسرائيل ويبطن العداء للأمة العربية والإسلامية.
إن دمشق العروبة والإسلام ومدينة الخليفة الخامس عمر بن عبدالعزيز تئن وتصرخ فأين نحن من إغاثتها ونجدتها، إن ديار شيخ الإسلام ابن تيمية تشكو من قتل المسلمين وتعذيبهم هناك، إن أرض الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي تشكو من قلة أدب هذا النظام الوحشي مع شعبه العربي الأصيل الكريم، فبعد أن كنا نفطر في رمضان منذ سنوات على مواعظ الشيخ والأديب علي الطنطاوي - رحمه الله - من بلاد الشام الحبيبة في برنامجه الشهير "على مائدة الإفطار" أصبحنا نفطر في رمضان اليوم "على جرائم بشار"، فاللهم عجّل بأخذه ومن عاونه ومن ناصره أخذ عزيز مقتدر وأرنا فيهم عجائب قدرتك، وطهّر أرض الشام ومن حولها التي باركت فيها من رجس أعداء الإسلام الظاهرين كاليهود والصليبيين وأعداء الإسلام من المنافقين الخائنين لله ولرسوله.. اللهم آمين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1419
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1218
| 19 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية للإعلام عشر حلقات جميلة للفنان القطري القدير والمبدع السيد غانم السليطي. حيث طرح فيها بعض المشاكل الأسرية والاجتماعية بطريقة جميلة أوصل من خلالها رسائل إلى المشاهدين عن بعض المشاكل التي تصيب بعض الأسر وكيف يتم حلها أو تداركها من البداية قبل أن تشتعل شرارتها وتكبر فتحرق استقرار أسرة مطمئنة. وكان الفنان غانم السليطي قد تطرق لكثير من القضايا الاجتماعية والأسرية والإدارية والسياسية وغيرها في مسلسله الشهير فايز التوش والذي كان يعرض في رمضان بدايةً من 1984 م ولعدة أجزاء لعدة سنوات وقد نال المسلسل نجاحاً باهراً لجرأته في طرح القضايا المتنوعة بطابع كوميدي. وأعتقد أن الكثير من القضايا التي تطرق لها في ذلك الوقت قد تم حلها أو تم حل الكثير منها، منها على سبيل المثال حفريات الطرق التي كانت منتشرة وبصورة كبيرة في شوارع الدولة دون تدخل سريع لإصلاحها بسبب البيروقراطية الإدارية أو لعدم اهتمام المسؤولين بها وربما رمي كل جهة المسؤولية على جهة أخرى، ولكن تبقى الكثير من المواضيع شبه متكررة من ذاك الوقت إلى وقتنا الحالي مع التطور الكبير في استخدام التكنولوجيا ودخول الحاسوب في كل الجهات الرسمية، على سبيل المثال تأخر مواعيد مقابلة الأطباء في المستشفيات الحكومية، العلاج بالخارج وازدواجية المعايير بمن يتم الموافقة عليهم ومن لا يستحقون (والواسطة في هذا الشأن)!!، تأخر بعض المعاملات وطلب بعض الشهادات المعينة في بعض الجهات لعدة أيام مع العلم بأنها سهلة ويسيرة ولكن تبقى الإجراءات عائقاً لها والروتين الحكومي البائس هو المسيطر، كذلك تطرق في مسلسله لسلطة بعض المسؤولين الذين يعتبرون الوظيفة والمنصب الذي يشغلونه كأنه ملكية خاصة ويتعاملون مع الموظفين والمراجعين باستعلاء ولا يطورون طريقة العمل اليومي، وتحدث عن من يتاجرون بوظيفتهم ويستغلونها لمصالحهم الشخصية دون خوف ومراعاة لضميرهم وللقانون أو حتى الخوف من الله سبحانه وتعالى، وغيرها الكثير من القضايا التي كانت تشغل الرأي العام. فكم نحن بحاجة إلى قوانين تردع بعض المسؤولين وتسقطهم من كراسيهم التي يعتبرونها عروشاً للسلطة. وكم نحن بحاجة لإعادة تقييم أداء الإدارات والمديرين في كل الوزارات والهيئات حيث إن من المسؤولين من يجب أن يترقى لمناصب عليا بسبب جهدهم في خدمة المجتمع من خلال وظائفهم وبعضهم الآخر يجب أن يُزال من مكانه ويُطرد لأنه غير كُفْء لهذه الوظيفة. نقطة أخيرة: أبدعت يا بو فيصل في طرحك لتلك القضايا ومحاولة البحث عن حلول فلك كل التحية والتقدير على حسك الوطني وحبك لدولتك، فإن تم إصلاح بعض الأمور فهذا من فضل الله ومن ثم سعيك للتغيير للأفضل. وإن بقيت بعض الأمور على حالها فليس العيب منك ولكن ينطبق قول الشاعر (قد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي) ولكن يبقى الأمل وتحدونا الأماني والتغيير للأفضل. ختاماً: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
972
| 16 مايو 2026