رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فقد فوجئ العالم كله بما حدث في مصر، وتابع باهتمام كبير، وقلق بالغ، تطورات الأحداث والوضعية الجديدة في مصر، وما تزامن معها من زيادة التوتر، والاحتكاك بين المحتشدين في الشوارع والميادين، أو بينهم وبين رجال الأمن، حيث سقط قتلى وجرحى كلهم من أبناء الشعب المصري العزيز... أو تخريب منشآت هي من مرافقه ومنجزاته... أو التعدي على حرمات الناس والتعرض لحرياتهم، وحقوقهم المكفولة بالشرع والقانون، ثم ما ترتب على ذلك من الانقلاب على الشرعية بصورة غير دستورية، وما صحبه من قمع وكبت ومنع لوسائل الإعلام واقتحام الأمن لمقراتها بصور همجية، وأخطر من ذلك الهجمة الشرسة على الإسلاميين الذين نالوا ثقة معظم الشعب المصري في الانتخابات الحرة النزيهة، حيث أودع معظم قياداتهم في السجن، بالإضافة إلى حرق مقراتهم، وقتل عدد منهم أمام مسمع ومرأى قوات الأمن والشرطة، وغير ذلك مما ينذر بشر مستطير إن لم يتداركه العقلاء، وأخوف ما نخاف أن ينفد صبر هؤلاء، أو يستغل ذلك من قبل الأعداء فتتكرر مأساة الجزائر مع الإسلاميين وتغرق مصر في بحر من الدماء الفتن– لا سامح الله – (وحفظ الله مصر).
وأمام هذا الوضع الخطر فإنني بحكم إحساسي الشخصي بالواجب، وإحساساً بمسؤولية البيان على العلماء، أوضح وأؤكد على ما يلي:
أولاً: إن من الثوابت الإسلامية حرمة الخروج والانقلاب على الشرعية وولي الأمر (الرئيس) الشرعي الذي أعطاه الشعب بيعته، فلا يجوز الخروج عليه مادام لم يرتكب كفراً بواحاً، أو خيانة عظمى، فقال سبحانه وتعالى (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، وروى مسلم في صحيحه وغيره بسندهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له" وقال صلى الله عليه وسلم: "ومن مات وهو مفارق للجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية" رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية" رواه مسلم، وروى البخاري ومسلم بسندهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "... سيكون بعدي خلفاء فيكثرون قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: "أوفوا ببيعة الأول..". وقال: " من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتة جاهلية"، وقال صلى الله عليه وسلم: "من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله" رواه الترمذي، وقال صلى الله عليه وسلم: "من أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله ومن عصى الأمير فقد عصاني، ومن عصاني فقد عصا الله" رواه البخاري ومسلم. وهناك مائة حديث أو أكثر في وجوب الطاعة وحرمة الخروج على الرئيس (أو الأمير) المسلم.
ولذلك فالخروج والانقلاب على الحاكم الشرعي المنتخب كبيرة من الكبائر، ومحرم بإجماع الفقهاء، ومضاره عظيمة، وفتن لا يعلم مدى خطورتها إلا الله تعالى.
ولا يخفى أن أمتنا الإسلامية تعاني من الآثار الخطيرة التي ترتبت على الخروج على سيدنا عثمان وسيدنا علي إلى يومنا هذا.
وبعد عقود، بل قرون من الظلم والاستبداد يختار الشعب المصري رئيساً، حافظاً للقرآن، مخلصاً لأمنه وشعبه، في انتخابات نزيهة، ثم يأتي العسكر ومن معه بإزاحته، وعزله بقوة، فهذا أمر غير جائز شرعاً ودستوراً. فالخروج على الرئيس الشرعي المنتخب المحافظ على عهده مثل الدكتور محمد مرسي هو الفتنة، والضرر الأكبر، والمفسدة الكبرى، وليس عزله من باب تحمل أخف الضررين كما قال البعض، ولاسيَّما أن الرئيس مرسي مع أنه الرئيس الشرعي لا تزال معه الأكثرية من الشعب المصري، بل إن الأكثرية والأقلية لابد أن نحسمها صناديق الانتخاب وليس بمجرد الادعاء.
وقد تأسفنا في مشاركة بعض رموز الدين وبعض السلفية (حزب النور) في مثل هذه المخالفة الشرعية والدستورية، والوقوف معاً صفاً واحداً مع غير المسلمين، بل الوقوف خلف البابا، ومع العلمانيين، الذين لا يريدون للإسلام الخير، وهم يرفضون الدستور المصري الجديد، لأنه دستور نصّ على المرجعية الإسلامية بصورة واضحة.
فعلماء العقيدة والشريعة – بل الحكماء المسلمون – يقولون أين مسألة الولاء والبراء؟ وأين الشرعية ووجوب طاعة ولي الأمر؟ ولماذا كانت طاعة الحكام الظلمة واجبة لا يجوز الخروج عنها، ولكن طاعة رئيس منتخب مسلم حافظ للقرآن، ووقف مع المبادئ الإسلامية والوطنية والقومية في تعامله مع غيره، ومع سوريا، ومع المصالح العليا لمصر في إفريقيا وغيرها.. هذه الطاعة غير واجبة في نظر هؤلاء، فسبحان الله، إن هذا الأمر عجيب، وازدواجية لا يبررها إلا الميكافيليون، ولذلك هاجم معظم قادة السلف وعلمائهم هذا الموقف المتعارض مع عقيدة الولاء والبراء، ومع ما هو مجمع عليه.
فقد قال الإمام أحمد: "ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق" ونقل مثله أو قريب منه عن أبي زرعة، وابن أبي حاتم، وعلي بن الميدني، والطحاوي، بل وإليه ذهب علماء السلف منهم أئمة المذاهب الفقهية، والحديث، وكذلك المحاصرون من جميع المذاهب إلا إذا كان كافراً أو ظالماً للعباد ولا يقيم الشعائر. وذلك للأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة، ومقاصد الشريعة الكلية، حيث يترتب على عزل الحاكم الشرعي مفاسد كبيرة أعظم بكثير من بعض المصالح التي قد تكون موهومة ولا تكون حقيقية، وحتى قال العلماء: إنه في حالة ظلم الحاكم يجب أن ينظر إلى أن لا يترتب على إنكاره مفسدة أكبر.
بالإضافة إلى ذلك فإن تجارب الخروج على الحاكم كانت مأساوية، فخرج الناس على سيدنا عثمان رضي الله عنه فترتبت عليها فتن كقطع الليل المظلم ما زالت آثارها الخطيرة قائمة إلى الآن، كما خرج الناس على سيدنا الإمام علي رضي الله عنه فكانت المأساة الكبرى والفتنة العظمى التي ما زالت تمزق الأمة الإسلامية إلى اليوم – كما لا يخفى _
وأمام هذه التجارب المريرة فإننا ندعو إلى إعادة الرئيس الشرعي ثم التفاوض معه للخروج من الأزمات المثارة.
ثانياً: وفي الوقت نفسه نقول: إن من ثوابت هذا الدين ومحكماته أيضاً حرمة الاعتداء على الأنفس والأعراض والأموال الخاصة والعامة فهي محرمة كالاعتداء عليها في البلد الحرام، والشهر الحرام " المؤمن لا يزال في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً" رواه البخاري في صحيحه 6862
لذلك أوجه ندائي إلى الجميع بأن يحافظوا على الدماء والأموال والأعراض وأن يصبروا مهما كانت الظروف، والأحوال، ويقابلوا السيئة بالحسنة.
ثالثاً: أرى من الضروري شرعاً أن يتحمل العلماء ولاسيَّما علماء الشريعة وأعضاء الاتحاد، والمفكرون والحكماء مسؤوليتهم في هذه المرحلة الحرجة، وذلك بالوقوف مع الحق أولاً، والسعي الجاد لإيجاد مخرج مقبول، ومصالحة شاملة بين جميع مكونات الشعب المصري العظيم، وحل يرضى الجميع، فأوجه إليهم نداءً خالصاً بأن لا يتقاعسوا في أداء هذا الدور.
رابعاً: وفي الوقت نفسه فإن الأمة الإسلامية ليست بمنأى عن هذه الحادثة، أو الفتنة، لذلك يجب على المخلصين منهم من الحكام والعلماء، أن يتوسطوا لإيجاد مخرج مشرف، وحل يرضي جميع الأطراف.
وذلك لأن هذه الحادثة خطيرة تهدد مصر العظيمة، التي عزتها وقوتها عزة للأمة العربية والإسلامية، وأن الحفاظ عليها من مسؤولية الجميع، وأن ضعفها هو ضعف للأمة جمعاء، كما دلت على ذلك التجارب التأريخية بدءاً من صلاح الدين الذي انتصر بفضل الله تعالى، ثم بجيش مصر والشام والعراق على الصليبيين في فلسطين والشام، كما أوقف الجيش المصري أيام قطز زحف المغول والتتار، وهزمهم، ومنعهم من المزيد من تدمير البلاد والعباد، بل إنقذ بقية العالم من شرورهم.
ولذلك يجب على القادة المسلمين والعرب شرعاً، ومصلحة عليا، أن يبذلوا كل جهودهم لإخراج مصر من هذه المحنة التي مزقت أهلها، وجعلتها شيعاً، تخاف أن يستغلها الأعداء والجهلاء، لإحداث حرب أهلية – لا سامح الله – وحينئذ لا يكون الخروج منها سهلاً كما حدث في الجزائر.
ولا يجوز لقادة العرب أن يؤثروا فريقاً على الآخر أو يفرحوا بإذلال فريق لا يتفق هواهم معه، وإنما يجب عليهم شرعاً ومصلحة أن يقفوا مع الحق، ومع المصالحة الشاملة الكريمة، التي تؤدي إلى حل مشرف لمصر كلها، فنطالبهم بتشكيل لجنة عليا من القادة لتحقيق هذا الغرض المنشود.
فالله الله في مصر، وهو المسؤول أن يحفظها من كل سوء ويجمع أهلها على الخير.
(والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
الامتياز التجاري (الفرانشايز)
لم يعد النمو في الاقتصاد الحديث يقاس بعدد الفروع التي تمتلكها الشركات، بل بعدد الشركاء الذين يستطيعون توسيع... اقرأ المزيد
309
| 02 يوليو 2026
كرة القدم.. تقودنا إلى اكتشاف العالم
لطالما كانت كرة القدم اللعبة الأكثر شعبية في العالم، لكنها بالنسبة لي ليست مجرد أهداف وكؤوس ومنافسات رياضية،... اقرأ المزيد
282
| 02 يوليو 2026
ماذا خسرت دول الخليج ؟
يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ( لا نريد أن نكون شرطي المنطقة، وعلى دول الخليج أن تتحمل مسئولية... اقرأ المزيد
129
| 02 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4782
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
4518
| 29 يونيو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
3309
| 01 يوليو 2026