رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مرت جمعة ارحل قبل الماضية على سوريا بمظاهرات هي الأضخم منذ بدء الاحتجاجات خاصة في مدينة حماة، ومع أن شهداء عديدين قد سقطوا ثمنا للدين والحرية والكرامة في أكثر من بؤرة ثائرة إلا أنه لم يصب أحد بأذى في المظاهرة التي شهدتها المدينة الباسلة وذلك بسبب أن المحافظ كان متفهما لطبيعة الاحتجاج السلمي ومنع أي أحد من الأمن أو الجيش أو الشبيحة أن يتعاملوا بالعنف مع المتظاهرين السلميين الذين بلغ عددهم أكثر من خمسمائة ألف وقد كانت جمعة مؤثرة ومعبرة لأنها نفذت تجربة فريدة للحرية والديمقراطية في هذا اليوم وأوضحت أن الاحتجاجات في سائر البلاد لو تمت بمثل هذا التعامل لما سقط قتلى ولا جرحى ولما احتاجت الدولة أن تدعي أن ثمة عصابة مسلحة أو سلفيين - على ما فيهم من خير كثير بالنسبة للعصابات الحاكمة المتطرفة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وخلقيا – ولما رأينا مندسين ضمن المظاهرات بحسب روايتهم التي لا يكون أحد منهم البتة في المظاهرات المؤيدة القائمة بدافع الترغيب أو الترهيب والإجبار إلا عددا قليلا ممن هم جنود للباطل والظلام أما جحافل الحق والنور الذين لو أتيحت لهم الفرصة في كل مكان من البلاد أن يقفوا ضد الاستبداد والاستعباد ودون استعمال الرصاص الحي لرأينا سوريا تخرج عن بكرة أبيها غالبا، وهذا هو الأمر الذي أخافهم في حماة لو جرى في سوريا كلها على هذا الأساس وهو ما لا يمكن أن يسيطروا عليه ويتحملوه ولذلك لجأوا كما فعلوا من بداية الأحداث إلى إعفاء محافظ حماة من منصبه بقرار رئاسي، حيث لم يمش على هواهم الذي لا يتم إلا على حساب دم الشعب الحر الأبي، ثم كان تعيين محافظ جديد هو الجنرال وليد أباظة المعروف بقسوته والذي كان مسؤولا أمنيا جهنميا منفذا لأوامر حافظ الأسد الأب بإزهاق أكثر من ستة وأربعين ألف إنسان في مذبحة فبراير عام 1982 التي كان قد سقط قبلها شهداء بالمئات نتيجة الثورة على المظالم وكان رفعت الأسد شقيق حافظ قد هدد وتوعد المعارضين خاصة الإسلاميين بحمامات دم هائلة إذا لم يخنعوا ويكفوا معارضتهم وقد قال في خطاب ألقاه في دمشق 6/1/1980م، أمام المؤتمر القُطري السابع لحزب البعث: (إن ستالين أيها الرفاق قضى على عشرة ملايين إنسان في سبيل الثورة الشيوعية واضعا في حسابه شيئا واحدا فقط هو التعصب للحزب ونظريته فالأمم التي تريد أن تعيش وتبقى تحتاج إلى رجل متعصب وإلى حزب ونظرية متعصبة! ورفعت هذا كان قائدا لما يسمى وقتها بسرايا الدفاع أي عن النظام وعددهم يزيد على ثلاثين ألفا وهي الميليشيا والذراع الضارب الذي ارتكب مأساة العصر في حماة بإسناد اللواء المتحرك الذي كان يقوده العقيد علي ديب 28/1/1982 حيث نفذ لحافظ ورفعت تدمير المدينة والقتل والتعذيب والاغتصاب والاعتقال والتهجير ومع أن وزير الداخلية يومها عدنان الدباغ قال: إننا سنواجه عددا لا يزيد على الثلاثمائة من المسلحين في حماة، ولكن الأمر اقتضى الحشد البري لمئات الدبابات والقصف الجوي والتطويق والحصار وعرفنا عن قصص رهيبة يندى لها وجه الإنسانية ومع أن حافظ أسد وعد بإعطاء الأمان للمدينة وعدم دخولها ولكنها كانت خطة ماكرة منه ودخلت القوات وعاثت الفساد كما يحصل اليوم وينفذه في سوريا وحماة خاصة شقيق الرئيس بشار ماهر المسؤول عن الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري لكن انتشار الأمن والجيش الآن قد عم جميع سوريا بالقمع وليست حماة وحدها وإن كانت قلب الاحتجاجات في وسط البلاد وهكذا يكون الأولاد سر أبيهم ولا غرابة إذ صرح بشار لإحدى وسائل الإعلام أنه إن قامت ثورة ضده فسيعيد ما أنجزه أبوه في حماة.
وصرح في خطابه الأول منذ ثلاثة شهور أن المعركة إن فرضت فنحن لها! يا للتعاسة من خائن يقتل شعبه المسالم ويقابل الأفواه والحناجر الهاتفة بالرصاص الحي وكيف صنوف التعذيب والاعتقال حتى للنساء والأطفال وهذا ما جرى في الأسبوع الماضي في جمعة "اللا حوار" وبعد تغيير المحافظ طبعا حيث استشهد من المتظاهرين ثلاثون وجرح أكثر من سبعين، إنه يتسلى بصيد شعبه بالنار فتبا له من حاكم جبار هو ومن معه من جنرالات وشبيحة.. فإنهم في سبيل الحفاظ على الكرسي ليس إلا يجرون دماء الأبرياء أنهارا ناهيك عن احتلال المدن والأحياء ونهب البيوت والاعتداء على الحرمات وتهجير الآمنين إلى لبنان وتركيا والأردن بل وخطف رجال ونساء وشباب واعتقال الآلاف المؤلفة حتى غدت السجون تغص بهم ويحشرون في أماكن أخرى مزرية ويجبر المعتقلون على ترديد هتافات التأييد لبشار قسرا وإلا!! إنها الصفحات السود التي فتحت على سوريا في عهد الأب والابن وما ندري من سيبيضها ولكن الأمل كبير بالله وجنود الدين والوطن من الثائرين والمعارضين المخلصين الذين يعملون مع بذل إخوانهم الدماء بمداد وألسنة الرافضين للحكم الأحادي الشمولي والذي ادعى أخيرا أنه ألغى قانون حالة الطوارئ ولكنه استبدل به قمعا أقسى فإن أكثر من عشرة آلاف معتقل زج بهم في السجون بدءا من يوم الإلغاء فلا شك أننا أمام عصابة لا تعرف للصلح والإصلاح مكانا لأنها ما نشأت عليه وفاقد الشيء لا يعطيه وكما قال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في ندوة بقناة بي.بي.سي عربي إن النظام السوري غير قادر على الإصلاح أساسا لأنه يجري عكس التاريخ تماما، ولكن رغم سيل الدماء واكتظاظ السجون فإن الثورة تتصاعد بشكل غير مسبوق بعد أن كسرت حاجز الخوف إلى غير رجعة واليوم فإن حماة الشهيدة في حصار خانق بالدبابات والمدرعات والناقلات وبعد أن نزل الأمن واعتقل أكثر من خمسمائة بعد جمعة ارحل وكلهم من الأطفال والنساء وبعض الرجال والشباب فقد هب الثوار وأقاموا المتاريس والحواجز الكبيرة في مداخل المدينة وداخلها ليحموا مدينة أبي الفداء المؤرخ الذي عرفت باسمه ومدينة النواعير على نهر العاصي التي عرفت بها وهم وأهل هذه المدينة في معاناتهم يجأرون إلى الحق تعالى بالفرج والنصر وكلهم شكوى إلى الله من تخاذل الموقف العربي الصامت الرهيب المشارك بمشيئته أولا مشيئته في جرائم الأمن السوري وتخاذل منظمة المؤتمر الإسلامي إضافة إلى الجامعة العربية حيث لا ينبس أحد منهم ببنت شفة دفاعا عن المظلومين خوفا من الأمن السوري أو مداراة للوضع الإقليمي والدولي الذي لم يرق إلى الآن أن يصل إلى الحد الأدنى المتناسب مع فداحة المصيبة وهول الكارثة بل إنني لأجزم أن الدول الأجنبية أيضاً متآمرة بشكل أو بآخر بهدف سحق الاحتجاجات والوصول إلى إصلاحات شكلية يعقبها هدوء وحوار تجميلي وكل ذلك من أجل حفظ امن إسرائيل التي صرحت أن نظام الأسد أفضل لها من أي نظام يأتي لا تعرف توجهه فجبهتها هادئة منذ أربعة عقود مع من يصف نظامه بالممانعة والمقاومة نعم إنه كذلك ولكن ضد شعبه لا ضد الصهاينة في الجولان المحتل! وتقوية صفه الداخلي وإعداده للحرب.
إن كل إنسان مخلص وهيئة وحزب ودولة وحكومة يجب أن يطلقوا صفارة الإنذار مهددين بعدم إعادة هولوكوست حماة ثانية ولا يغر البعض أن بشار يعطي أمانا وكذلك وزير خارجيته المعلم طبعا بفتح اللام بعدم دخول المدينة فقد أعطى ذلك أبوه من قبل ومن أشبه أباه فما ظلم والدليل أنهم قتلوا الآن واعتقلوا بل فصلوا رأس الشهيد إبراهيم قاشوش عن جسده وكسروا حنجرته لأنه كان ينشد للثورة فأخذت المدينة كلها ونواعيرها نشيجها ونحيبها حزنا على مغني الثورة في حماة لقد كان بالإمكان زجه في السجن ثم محاكمته إن كانت عدالة ولكن الانتقام عدالة الهمجيين.. وقد ذهب السفير الأمريكي في دمشق وكذلك الفرنسي والبريطاني بعده حيث تمت معاينة مظاهرات حماة الجمعة الماضية حتى يكون شاهدو العيان هذه المرة من الدبلوماسيين الكبار لا ممن يعترضون عليهم من غيرهم بدعوى الفبركة، شهد هؤلاء توثيق الجرائم التي لن تمر دون حساب إن شاء الله ولم تستطع السلطة أن تثبت أن في حماة عصابة مسلحة حيث كانت ادعت ذلك قبل نزول الدبلوماسيين وأن أهل حماة استدعوا الجيش ليحميهم جاء نزول هؤلاء ليفوت الفرصة ويظهر حقيقة هؤلاء الدجالين الكاذبين في إعلامهم تضليلا للناس بعد أن منعوا أي وسيلة إعلامية محايدة من دخول البلاد وكذلك المنظمات الحقوقية وهذه هي الحقيقة في الأمر غالبا أو قد يكون الغرب قد نصب فخا للثورة بالاتفاق سرا مع السلطة لسحق المتظاهرين وإعادة الشرعية للنظام بعدما فقدها فعلا بإراقة دماء شعبه وحتى لو جاء منتخبا بنزاهة فكيف إذا جاء بالوراثة وعدلت مادة الدستور بعمر الرئيس لإكمال المسرحية؟
وأخيراً فإن ما دعا إليه النائب محمد حبش بمؤتمر حواري مات في أرض لأنه ظلم ونافق فإن اللقاء التشاوري الذي تم أمس بمشاركة مائة شخصية ومقاطعة المعارضة المخلصة واستبعاد تنسيقيات الداخل للشباب رفضا لآراء فاروق الشرع نائب الرئيس ليؤكد أن النظام غير جاد في الحل وأن التضحيات هي الحل حتى يسقط.
السياسة الخارجية التركية عام 2025
شهدت السياسة الخارجية التركية تحولات بالغة الأهمية، في سياق إقليمي ودولي مضطرب، على نحو يشبه ما عرفه العالم... اقرأ المزيد
33
| 12 يناير 2026
سلطان الخير وسـتة أعـوام من الإنجازات
إدارة الناس بحكمةٍ واقتـدار في شؤون الحكم ليست بالأمر السهل أو البسيط، بل هي من أصعب التحـديات التي... اقرأ المزيد
30
| 12 يناير 2026
معول الهدم
لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس المجاملة، ونخشى الحقيقة أو نُخفيها. لقد تحوّلت المجاملة من سلوكٍ... اقرأ المزيد
36
| 12 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1272
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1047
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
999
| 07 يناير 2026