رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يوم الأحد القادم بإذن الله، ستكون تركيا على موعد مع أبرز وأكثر انتخابات مثيرة تكون قد عاشتها، سواء الدولة بأجهزتها المختلفة أو الشعب بأحزابه وطوائفه وتنوع ميوله ومزاجه، منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية بدايات القرن الفائت.
الانتخابات القادمة التي سترسم ملامح الجمهورية التركية الجديدة - إن صح وجاز لنا التعبير- ستكون أشبه باختبار جدي جديد للشعب التركي، لمعرفة مدى قدرته ووعيه ونضجه لاختيار ربان أو قائد سفينة بلدهم، في ظل محيط هائج هادر، ووسط مؤامرات أو ترتيبات أو تنسيقات ظاهرة وباطنة، من القريب قبل البعيد، المسلم وغير المسلم، لأجل ضبط حركة هذا البلد وإعادة رسم ملامحه وخططه ورؤاه الاستراتيجية من جديد، أو إن كنا أكثر وضوحاً، لتوجيه هذا البلد المحوري نحو طريق أشبه بما تم رسمه له منذ معاهدة لوزان عام 1923 التي ينتظر كثير من الأتراك، وليس كلهم، يوليو القادم للاحتفال بالتخلص من قيودها الظالمة.
تركيا منذ أن تولى حكمها حزب العدالة والتنمية في 2003 بقيادة السيد رجب طيب أردوغان، الرئيس الحالي للجمهورية، نهضت بشكل ملحوظ لا يمكن التغافل عنها، لاسيما من أطراف دولية مهمة لها مع الدولة التركية صولات وجولات تاريخية، تظهر بين الحين والحين بأشكال متنوعة.
نهضت تركيا مرة أخرى لتكون دولة محورية في منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، لتمسي ذات ثقل ووزن استراتيجي، حتى صار الاصطفاف أو التحالف معها مكسباً للمتحالفين، مثلما هو بالطبع مكسب لها أيضاً، وما النمو الاقتصادي المتصاعد والمشهود لتركيا خلال عقد واحد من الزمن، رغم الكثير من التحديات، إلا دليل على تصاعد أهمية وثقل هذه الدولة، وهو ما يمكن اعتباره مكسباً للأمة المسلمة بشكل عام، قبل أن تكون للأمة التركية، وخاصة بعدما برز الدور التركي في كثير من قضايا المسلمين حول العالم، وهو ما يدعو الأمة المسلمة إلى المحافظة على هذا المكسب، بعد أن طال الزمن عليها لم تشهد خلاله انجازات ملموسة. فقد انشغلت أو تم اشغالها بصورة وأخرى بمشكلات وأزمات لا تكاد تخرج من واحدة إلا وأخرى تنتظر، وما يحدث لتركيا اليوم من تربص البعض القريب والبعض الغريب البعيد، يستدعي التنبه السريع إليه والوقوف معها، فما زال الغرب تحديداً، يحتفظ في ذاكرته بصور الجيوش العثمانية وهي تصل إلى عمق أوروبا، بل لا زال يتذكر قوة وعظمة الإمبراطورية العثمانية التي حكمت مساحات شاسعة من آسيا وأوروبا لأكثر من خمسمائة عام.
إذن هي مشاهد لا تسر الغرب كثيراً، على رغم أن تركيا اليوم عنصر فاعل مؤثر في حلفهم المسيحي العسكري المسمى بالناتو. وأحسبُ أن هذا النادي وهو يرى دولة مسلمة جارة لأوروبا وقد أوشكت على أن تكتفي وتعتمد على ذاتها في كثير من المجالات، لن يكون بالأمر الهين عليه أو بالذي يمكن غض الطرف عنه، حتى وإن أبدى هذا الغرب ظاهرياً أنه على وفاق مع تركيا !
إسقاط أردوغان هدف غربي
انتخابات الرئاسة التركية هذه المرة صارت محط اهتمام وأنظار العالم، كما هو الحال مع بعض أهم الانتخابات الرئاسية في العالم، وصارت فصلاً جديداً من فصول بناء الدولة التركية الحديثة، واعتبارها من الفصول المشهودة لهذه الجمهورية التي بدأت فعلياً شد الأنظار إليها منذ أكثر من عقد من الزمان، ولم تكتسب أهميتها من إنجازاتها على أرض الواقع فحسب، بل كذلك من أهمية رجل تركيا القوي، رجب طيب أردوغان، الذي كشف الغرب وبعض الشرق العربي أنيابهم ضده، وصارت وسائل إعلامهم تعادي الرجل شخصياً، وتدعو بكل الطرق والوسائل والصور لإسقاطه، في مشهد يثبت لك زيف الادعاءات الغربية ومزاعم الحريات وغيرها.
لا أقول جديداً إن أشرت بصورة سريعة إلى أن هذه الانتخابات وما يصاحبها الآن من عداء غربي سافر لا أخلاق له، قد حركت الشارع الإسلامي من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه، وصارت ملايين المسلمين هنا وهناك تدعو للسيد أردوغان بالفوز، وتدعو الأتراك إلى عدم التفريط بالرجل، مهما يقال عنه في إعلام الغرب والشرق، ومهما يحاول كثيرون تشويه صورته. الرجل لم يظهر له مثيل في التاريخ التركي الحديث، حتى تحول لأيقونة إسلامية ملهمة للإندونيسي والباكستاني والهندي، بالإضافة إلى العربي والإفريقي والأوروبي المسلم.
صار في يقين الشعوب المسلمة، أن أردوغان هو رجل المرحلة، سواء لتركيا أو للمسلمين. وقد زاد هذا اليقين وتأكد بعد تعاظم واشتداد حملات التشويه والتحريض الغربية ضده، والتي ما تتأجج نيرانها عادة إلا بعد أن تتعرض مصالحهم للخطر - بحسب وجهة نظرهم - وأن هذا الرجل القوي خطر على استراتيجياتهم ومصالحهم بصورة وأخرى، باعتبار أن خروج أي دولة مسلمة عن التبعية للغرب، إنما هو خطر على أمنهم ومصالحهم القومية، وصار بالتالي في المشهد التركي، اسقاط أردوغان هدفا لا يقل أهميته عما جرى للدولة العثمانية قبل مئة عام، حين تم تقييدها بمعاهدات استسلام وخضوع.
الشعب القطري وأردوغان
الانتخابات التركية لها أهميتها في الشارع القطري، وإن كنت هنا لا أزعم أني أتحدث نيابة عنه، لكن يمكن إدراك اهتمام القطريين بالانتخابات التركية، وأنه نابع من تقديرهم واحترامهم للسيد أردوغان، ومواقفه مع قطر، وأكاد أزعم أن نسبة كبيرة من الشعب القطري تدعو الله أن يتخطى السيد أردوغان الانتخابات القادمة ويحسمها من الجولة الأولى، فإن ما نتابعه عبر وسائل الإعلام التركية وغيرها من مشاهد للمعارضة التركية، تدعو كثيرين ليس في قطر فحسب، بل جُل العالم الإسلامي، أن يستمر حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان في حكم وإدارة تركيا، لأن غيره سيعني انتكاسة متوقعة للبلد وتغييرات دراماتيكية على خرائط الأحداث في كثير من أجزاء هذا العالم، غالبيتها لا تسر محبي تركيا من غير الأتراك.
وأحسبُ أن دعم الدولة التركية وزعيمها الحالي في إنجاح الحدث الأبرز في تركيا، هو موقف تاريخي يتطلبه الموقف من كل مسلم، بعدما اتضحت كمية وحجم التنسيقات الحاصلة بين قوى عربية وغربية لبث الفوضى في هذه الدولة، وتشويه صورة زعيمها التاريخي قبيل الانتخابات.
أردوغان رجل المرحلة
فوز الطيب أردوغان - وهو الأقوى حظاً من منافسيه - سيعطي نكهة جديدة ومميزة للدولة التركية لسنوات خمس أخرى بإذن الله، ويضعها في قائمة الدول المؤثرة على الجوار والإقليم وصولاً الى جغرافيات أوسع وأبعد، ولا أظنه سيكون شاقاً على الأتراك في اختيار الرجل الأنسب لقيادتهم، بل أحسبُ – وهو رأيي الشخصي - أنه لن يختلف كثيرون على أنه الأنسب لهم للمرحلة القادمة، بحكم الإنجازات والوقائع والاثباتات على الأرض، وبالتالي لا أظن سيختار التركي رئيساً غير أردوغان، إلا ذاك الحزبي شديد الولاء لحزبه، أو المستسلم للدعايات المغرضة من الداخل والخارج، فلا شك أنه سيختار غيره.
قد يرى البعض أن الأمر نهاية المطاف شأن تركي، والأتراك هم الأدرى والأقدر على استشعار أهمية المرحلة التاريخية التي تمر بها بلادهم، واختيار قائدهم. نعم هذا صحيح، وهو رأي نحترمه، لكن من وجهة نظري الشخصية أيضاً، أرى الأمر من بعد أن تكالب الغرب وبعض الشرق ضد الرجل، ليس لتركيته القومية، بل لتركيته الدينية أو الإسلامية، صار الدفاع عنه هماً إسلامياً مشتركاً يتطلب موقفاً من المسلمين - شعبياً على أقل تقدير ولا أقول رسمياً - وأهمية دعم وتعزيز صورة هذا الزعيم التاريخي، الذي لو لم يكن له تأثير على العالم الإسلامي بشكل وآخر، لما رأيت كل ذلك التكالب الغربي عليه، ولم يكن أحد من المسلمين اهتم لأمره أو أمر ما يجري في تركيا، شأنها شأن كثير من الدول المسلمة الخاملة، والمنكفئة على ذاتها.
إنها تلكم النوعية المرغوبة في هذا العالم. دول غنية لكن خاملة، لا أثر لها إلا ما يكون لصالح المتسلط على الحضارة الإنسانية الحالية، وهو الغرب تحديداً. وهذا ما يعمل السيد أردوغان على تغييره منذ زمن. وما تكراره لشعار أن العالم أكبر من خمسة – يقصد بدول الفيتو – إلا دليل على رغبة في تغيير جذري للنظام، ليس على الصعيد التركي فحسب، بل كل صعيد له علاقة بهذا البلد، وهذا سر خطورته.
كل التوفيق والسداد للرجل الطيب، الذي ندعو الله أن نراه متوجاً بالنصر يوم الإثنين القادم، والناس من حوله تشكر الله وتحمده، وتحتفل به في مسجد آيا صوفيا في بث تلفزيوني مباشر للعالم أجمع، وما ذلك على الله بعزيز.
الأزمات لا تكسر الأقوياء بل تعرّفهم بأنفسهم
ليست الأزمات لحظات انكسار بقدر ما هي لحظات انكشاف. فهي لا تُظهر ضعف الإنسان كما يظن البعض، بل... اقرأ المزيد
57
| 12 مارس 2026
أولويات قطر في ظل العدوان
مع استمرار الاعتداءات الإيرانية، تعطي دولة قطر الأولوية للدفاع عن أراضيها والتأكد من سلامة مواطنيها والمقيمين وزوارها وضمان... اقرأ المزيد
72
| 12 مارس 2026
الرفاه الوظيفي خط الدفاع الأول في الأزمات
في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد فيه الأزمات العالمية تعقيدًا، لم تعد قوة المؤسسات تُقاس فقط... اقرأ المزيد
90
| 12 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
8022
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. [email protected]
4158
| 09 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1191
| 11 مارس 2026