رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إسرائيل ترفض إطلاق سراح أسرى الدفعة الرابعة من معتقلي ما قبل أوسلو، محمود عباس يوقع 15 اتفاقية بشأن الانتساب لمنظمات ولهيئات دولية، وسيبدأ الجانب الفلسطيني التحرك دولياً للتسجيل فيها وهي التابعة للأمم المتحدة. غضب أمريكي أظهره جون كيري من الطرفين، لكنه أبقى على مارتن إنديك في المنطقة ليجمع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي للبحث عن حلول وسط تُعيد المياه إلى مجاريها ومن ثم يجري استئناف المفاوضات بين الجانبين.
إنديك بدوره يجمع رئيسي الوفدين المفاوضين، تسيبي ليفني وصائب عريقات في أكثر من جولة تفاوضية، مما يخفف المأزق الذي يبدو أن المفاوضات تمر فيه.
المراقبون حائرون، البعض منهم يعتقد بانتهاء مرحلة المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية، وآخرون يرون بأنه سيجري التغلب على كافة العقبات التي تعيق استئنافها، وستستمر في جولات أخرى من التفاوض، نحن مع الرأي الثاني الذي يرى أن التهديدات برفض استمرارها ليست أكثر من عاصفة في فنجان وسيجري استئنافها قريباً، وذلك لأسباب عديدة سنتطرق إليها، مع ضرورة التأكيد على أن المفاوضات هي حاجة ملّحة إسرائيلية وفلسطينية وأمريكية. إسرائيلية من أجل الإيحاء إعلامياً بأن حركة سياسية تدور بين الفلسطينيين وإسرائيل، وفي هذا رد على انطباع عام بأن إسرائيل هي المعطلة "للسلام" مع الفلسطينيين، وخاصة أنها ترفض تجميد الاستيطان، المفاوضات حاجة ملحة فلسطينية، لأن عباس لا يملك بديلاً، وبالتالي فإن الحلول الوسط مثل إغراء إسرائيل للجانب الفلسطيني بإطلاق سراح معتقلين آخرين إضافة إلى الدفعة الرابعة مقابل موافقة فلسطينية على العودة للمفاوضات وتمديدها، سيكون محل اتفاق بين الجانبين. الجانب الأمريكي أيضا معني بالمفاوضات انطلاقاً من جهود دءوبة قام بها كيري خلال ثمانية شهور وانطلاقاً من الاعتقاد بأهمية وصول الجانبين لحل يريح الولايات المتحدة من الملف المزعج لها وهو ملف الصراع الفلسطيني العربي-الإسرائيلي. ذلك لا يعني أن الإدارة الأمريكية ستمارس ضغطاً على إسرائيل مثل الذي تمارسه على الجانب الفلسطيني، فذلك محظور على أمريكا في الاتفاقية الإستراتيجية الموقعة بينها وبين حليفتها إسرائيل. وكذلك محظور في رسالة الضمانات التي أرسلها جورج بوش الابن إلى أرييل شارون في عام 2004. هذا إلى جانب تاريخية العلاقات بين البلدين الحليفين، وتأثير الإيباك في الداخل الأمريكي وغيرها من الأسباب.
أما من حيث الضغوطات على الجانب الفلسطيني فستظل وتزداد حتماً، فتمويل السلطة في جزء أساسي منه تقوم به الولايات المتحدة وأوروبا، وقطعه سيؤدي إلى المزيد من الإشكالات للسلطة التي تحرص على بقائها واستمراريتها. أما الجانب الفلسطيني فسيعود إلى المفاوضات للأسباب التالية:
أولاً: إن الخيار الوحيد الذي تتمسك به السلطة هو خيار المفاوضات ثم المفاوضات ثم المفاوضات، فمحمود عباس أعفى نفسه والسلطة من أي خيار آخر، فالمقاومة المسلحة تعتبر بالنسبة إليه "عنفا" ثم "إرهاباً" والمقاومون ملاحقون ويجري اعتقال العديدين منهم خلال الفترة الحالية (التي هي استمرار للمرحلة السابقة) فقد قامت السلطة مؤخراً باعتقال ناشطين عديدين من الجبهة الشعبية ومن حركة الجهاد الإسلامي وغيرهما، ثم إن التنسيق مع الأمن الإسرائيلي باق كما هو، بل يزداد عمقاً واتساعاً وبالطبع بإشراف أمريكي مباشر.
الذي يريد قطع المفاوضات مع إسرائيل يوقف التنسيق الأمني معها، ويعيد للمقاومة بكافة وسائلها وسبلها الألق، ويمارسها على صعيد الواقع.
المقاومة من خلال انتفاضة مسلحة ممنوع ممارستها من قبل الرئيس الفلسطيني، حتى المقاومة الشعبية السلمية تجري ممارستها في هذا الموقع أو تلك القرية، وهي ليست نشاطاً جماهيرياً عاماً في كافة أنحاء الضفة الغربية.
ثانياً: الانقسام الذي تمر به الساحة الفلسطينية هو إضعاف لطرفي هذا الانقسام، والذي يحرص على قطع المفاوضات نهائياً مع العدو، يعيد للساحة الفلسطينية وحدتها، ويعود إلى تطبيق الوحدة الوطنية الفلسطينية على أساس الثوابت الوطنية الفلسطينية.
عباس في نيته إرسال وفد للتفاوض مع حماس في غزة، لكنه يدرك تماماً استحالة تجاوز الانقسام حاليا، فالسلطتان سواء في غزة أو في رام الله تتنازعان على مفتاح السجن المعتقلة فيه كل منهما، وكل واحدة منهما مرتاحة في وضعها، حيث تمارس سلطاتها الإدارية على القضايا الحياتية للسكان.
إسرائيل تعي تماماً مأزق السلطة على هذا الصعيد، وهي أيضاً تدرك أن عباس مهما تمنّع عن المفاوضات، فسيظل مشدوداً إليها، لأنها خياره الوحيد.
عباس يعرف أيضاً أن غالبية الفلسطينيين في الأراضي المحتلة وفي الشتات يطالبون بإلغاء المفاوضات العقيمة مع العدو الصهيوني، وهو بموقفه الأخير قد يعيد بعضاً من شعبيته التي تآكلت وتأثرت تماماً منذ بداية المفاوضات في يوليو الماضي وحتى هذه اللحظة، وخاصة في ظل استمرار الاستيطان الصهيوني الذي تسارعت وتيرته مقارنة بالعام الماضي بنسبة 123%. أيضاً وفي ظل الاعتداءات الصهيونية المتكررة على المسجد الأقصى وتهويد القدس ومنطقتها.
ثالثاً: إن بعض الاتفاقيات التي وقعها عباس مرهونة في تنفيذها عملياً بالجانب الأمريكي. فتلك المتعلقة بالانتساب والتسجيل في الهيئات والمنظمات التابعة للأمم المتحدة ستحاول الولايات المتحدة عرقلة هذه الخطوة من خلالها وحلفائها بإقناعهم بالتصويت ضد رغبة السلطة الفلسطينية.
هذا إلى جانب ما تسميه إسرائيل "عقوبات" ضد السلطة وضد عباس شخصياً ستقوم بها، سواء بعدم التوريد للسلطة الأموال الجمركية التي تجنيها إسرائيل باسم السلطة الفلسطينية، وغيرها من العقوبات. وقد استعرضت صحيفة "هآرتس الإسرائيلية" (الجمعة 4 أبريل الحالي) جزءاً من هذه العقوبات: تجميد الأموال، رفع دعوى على عباس في المحكمة الدولية، تجميد الإذن الذي قدمته إسرائيل لشركة "الوطنية الخليوية " التي تعمل في الضفة لإدخال معدات إلى قطاع غزة لبدء الانتشار هناك لشبكتها الخليوية، تقييد نشاط السلطة في منطقة (ج) في الضفة الغربية، وغيرها غيرها من العقوبات.
رابعاً: الضغوطات التي ستمارسها الولايات المتحدة مباشرة على السلطة الفلسطينية، أو من خلال حلفائها الأوروبيين وغيرهم من الدول بطريق غير مباشر من أجل العودة للمفاوضات من خلال عروض جديدة سيكون ثمنها الأبرز العودة إلى المفاوضات من قبل السلطة. لقد اختبرنا قطع عباس للمفاوضات خلال بضعة أعوام، حينها لم تنقطع المفاوضات، فقد كانت تتم من خلال دبلوماسية الرسائل أو "المفاوضات الاستكشافية" التي جرت في العاصمة الأردنية عمّان أو بطرق سرية أو بوسائل أخرى غيرها.
خامساً: لقد قدّم الرئيس عباس تنازلاً مجانياً (من سلسلة تنازلات) في اجتماعه مع 300 طالب إسرائيلي في مقره في المقاطعة عندما قال بالحرف الواحد "لن نغرق إسرائيل بملايين اللاجئين"، وعندما أيضاً تخلى عن مدينته صفد. الذي يقدّم التنازلات للإسرائيليين، واحداً بعد الآخر، يسهل عليه تقديم التنازلات فيما بعد. وهذا ما تدركه إسرائيل في شخصية عباس. تماماً مثلما عاد إليها في ظل الاستيطان الإسرائيلي. من يريد قطع المفاوضات يعيد الاعتبار للمقاومة المسلحة ولمنظمة التحرير الفلسطينية التي تجاهلها عباس لسنوات طويلة، ويعيد للساحة الفلسطينية وحدتها ويتجاوز الانقسام، وهذا ما لا يفعله أبو مازن.
يبقى القول: إنه لهذه الأسباب ولغيرها فإن مرحلة المفاوضات لم تنته بعد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4293
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2559
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1167
| 28 سبتمبر 2026