رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يفاجئني قيام الحكومة القطرية بإيداع مذكرة رسمية لدى الأمانة العامة للجامعة العربية خلال الأسبوع المنصرم بشأن ترشيح عبدالرحمن بن حمد العطية عبر سفيرها النشط في القاهرة ومندوبها الدائم لدى الجامعة صالح عبدالله البوعينين ليس لأنني كنت على دراية بمثل هذا النبأ وإنما لأن العطية في حد ذاته يمتلك رصيدا شديد الإيجابية على مدى تسع سنوات أمضاها أمينا عاما لمجلس التعاون الخليجي نجح في تحويله إلى منظومة فاعلة وديناميكية وأضحت ذات تماس واضح مع المواطن الخليجي خاصة في مفردات حياته اليومية
وشخصيا كنت واحدا من المتابعين لمسيرة الرجل قبل أن يتبوأ هذا المنصب من خلال وجوده بوزارة الخارجية القطرية بدءا من عمله سفيرا في باريس وحتى وصوله إلى موقع وكيل الوزارة مرورا بتوليه مسؤولية إعداد قطر لاستضافة أول قمة لمنظمة المؤتمر الإسلامي وإشرافه على عدد من الملفات الخاصة التي حققت فيها الدوحة نجاحات دبلوماسية مشهود لها
وخلال هذه المسيرة التي امتدت إلى أكثر من عشرين عاما بالنسبة لي ِأشهد أن الرجل لم تتوقف حيويته عند حد فهو دائم التفكير ومبادر بوضع السياقات والآليات لتنفيذ أفكاره ومشروعاته الرامية إلى التطوير والتحديث وضخ الدماء الجديدة إلى حد المغامرة المحسوبة فضلا عن ذلك يمتلك القدرة على المتابعة بحيث تكون هناك استمرارية للأفكار والمشروعات التي تتقاطع دوما مع القضايا الكبرى وهو ما لمسته خلال وجوده على رأس منظومة مجلس التعاون الخليجي التي كنت معه محاورا بشأنها بشكل دءوب يصل في بعض الأحيان إلى مستوى الإزعاج وإن كان لم يظهر ذلك لي في الخارجية القطرية وفي مجلس التعاون الخليجي كان عنوانه العمل المتقن وبجودة عالية. لذلك فإن الفريق الذي يتعاون معه كان يعاني شدة الانضباط في المواعيد والسرعة في الأداء والمتابعة والإسراع في بلورة النتائج . ورغم ذلك فإن أحدا من أفراد هذا الفريق لم يكن يشكو لأن العطية كان يتعامل مع الجميع بمنطق الأخ الأكبر وليس رئيس العمل المستبد الذي بمقدوره فرض قراراته. كان يجيد توظيف مهارات كل شخص يعمل معه ويدرك المدى الذي يمكن من خلاله الوصول إليه. لذلك وفر أجواء من المحبة والتقدير المعنوي قبل المادي فوقع ما يمكن وصفه بالامتزاج بينه وبين فريقه فأخلصوا له وعملوا معه من منطق مغاير تماما ينهض على تقديم أقصى ما لديهم من وقت وجودة وإتقان والأهم من ذلك لم يتبع منهجية الشللية بل كان يستخدم المنهج العلمي القائم على الاستعانة دوما بأهل الخبرة وليس الثقة فأحاط نفسه بهم إضافة إلى قراءة الواقع على نحو عميق مما أهل قراراته لتكون منسجمة مع متطلبات هذا الواقع ولست هنا في معرض الإشارة إلى ما أنجزه على صعيد مجلس التعاون الخليجي من تحولات نوعية جعلته يغادر منطقة الأمن التي ظل مقيما فيها بمفردها لسنوات طويلة فتحرك إلى مناطق أخرى في مقدمتها الاقتصاد والتجارة عبر الاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة والاتحاد النقدي والتي كانت قبل مجيئه إلى المجلس مجرد أحلام وربما شعارات يترقب الجميع مقاربتها واقعيا
وعلى المستوى السياسي فإن العطية كان أول أمين عام يتحدث عن الإصلاح السياسي بل إنه طرح لأول مرة في المنطقة فكرة المنابر السياسية خلال مداخلة له بمهرجان الدوحة الثقافي قبل سنوات صحيح وكانت حواراته الصحفية والتليفزيونية زاخرة بالآراء التي تعكس الرغبة في تطوير المنطقة سياسيا وإدخالها مواقع متقدمة من حيث التقدم الديمقراطي
وعلى المستوى الدولي العطية أول من أدخل فكرة الحوار مع المجموعات الدولية المناظرة لمجلس التعاون فضلا عن الدول المتقدمة إلى حيز التنفيذ بل أٍسهم في تقديم مجلس التعاون بتراثه الحضاري وتأُثيره السياسي والاقتصادي في عالم اليوم إلى العديد من الدول عبر ما أطلق عليه أيام مجلس التعاون والتي نظمت في عدة عواصم كان آخرها في شهر فبراير الماضي بسيول عاصمة كوريا الجنوبية
ويتمتع العطية بقدرة على صياغة علاقات تقوم على الاحترام المتبادل مع رجالات الإعلام والصحافة فأنت ترى في كل عاصمة عربية مجموعة من الأصدقاء وهو يقترب في هذا السياق ممن يحترمون ذواتهم ويبتعد عن هؤلاء النفر الذين يمكن أن يلمح فيهم سعيا لمصلحة خاصة وهو في الآن ذاته يدرك طبيعة الرسالة التي يريد توجيهها من هذا الصحفي أو ذاك وتلك ميزة نسبية فيمن يتبوأ منصبا مهما وهو ما جعله على تواصل مباشر مع الكثيرين من هؤلاء دون تعال منه أو إفراط كان يمسك بالكرة في ملعبه يقرر متى يقذف بها ولم يكن يرفض طلبا لحوار صحفي وهو ما خبرته معه على مدى السنوات العشرين المنصرمة بشرط أن يتيقن أن هذا الحوار سيحمل الجديد وكثيرا ما كنت أحصل منه شخصيا على جديد وسبق صفحي كان لـ" الشرق " نصيب منه " بعد التحاقي بها قبل نحو عام ونصف العام
وبوسعي الجزم أن العطية يمتلك حسا إنسانيا رفيع المستوى إن جاز لي هذا التعبير- فهو من ذلك النوع من المسؤولين الذين لم يصبهم غرور المنصب أو كيمياء السلطة فمن عرفه لن يجد كبير اختلاف في شخصيته سواء خلال فترة عمله سفيرا في عدد من العواصم العربية والدولية أو بعد توليه موقع الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي ظل هو العطية لم يقلب مائدة صداقاته. وإن كان قد ضاعف أعداد من يجلسون على مقاعدها. لم يتنكر للعاملين معه في مواقع مختلفة فضلا عن قدرته على الكشف عن الموهوبين وتصعيدهم في العمل معه ولعل نموذج محمد المالكي الذي كان مذيعا بإذاعة قطر فاختاره للعمل بمكتبه عندما كان وكيلا للخارجية والآن هو دبلوماسي متوهج بالوزارة تنقل في عدد من العواصم العربية والأجنبية
وفي زمن العطية تحول مقر الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي إلى خلية إنسانية بالمعنى الكامل للمفردة فليس ثمة قيود تحول المكان إلى ما يشبه الثكنة العسكرية كما كان يحدث في سنوات سابقة وإنما مكان مفتوح للفكر والحوار والعمل الدءوب في سياق يحرص على الإنجاز وكان هو أول من عمل على زيادة مرتبات العاملين بالأمانة ومنحهم ترقيات يستحقونها وفرصا للإبداع والتميز لم تتح لهم من قبل وأدخل لأول مرة المرأة لتكون ضمن السلك الوظيفي بعد أن كانت الأمانة العامة مغلقة على نون النسوة على نحو متعسف والأهم من ذلك هو أنه كان أول من فتح الباب أمام القضايا الإنسانية لتكون ضمن جدول منظومة مجلس التعاون الخليجي والذي كان يقتصر على القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية كما أجرى لأول الحوارات الممنهجة حول دور وأداء مجلس التعاون عبر ندوات كان يشارك فيها مفكرون وإعلاميون من مختلف الاتجاهات بدول المجلس
وبعد فإن العطية يستحق في ضوء كل هذه المعطيات أن يكون أمينا عاما للجامعة العربية ولكن الأمر يتطلب حركة مبرمجة تعتمد على استراتيجية نشطة قادرة على قراءة واقع النظام الإقليمي العربي وتتمكن من اختراق محاذير عديدة وتسعى إلى تحقيق توافق عربي بشأنه
السطر الأخير:
لا تسافري
انهضي من سباتك
أعيديني إلى نهرك المحمل بالياقوت
كوني الصدى لعشق كاد يموت
بثي في شراييني رحيقك الأبدي
اقتربي من حقولي
أمطريني بدفئك الأسطوري
وقدس أقداس البراءة
أيا سر البهجة القديمة
تشتعل في الروح دونما خفوت
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2226
| 09 يونيو 2026
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
2007
| 10 يونيو 2026
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص الذين لديهم القدرة على التحليل والتفكير للوصول إلى حلول مفيدة لأوطانهم وشعوبهم على المديين القريب والبعيد، فلا يعقل أن تظل دولنا الخليجية رهينة لهذا التهديد الذي يتم استخدامه ضدها في كل خلاف في المنطقة، وكما يرى الجميع فإنه في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية، يعود اسم مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها حساسية، ويكفي أن تلوح أي جهة بإمكانية تعطيل الملاحة فيه حتى ترتفع المخاوف العالمية بشأن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ولذلك لا بد من تغيير السؤال الذي هو سائد حالياً والذي يركز على "كيف نحمي مضيق هرمز فقط؟"، بل لا بد أن يتم التركيز على كيفية التقليل من أهميته الاستراتيجية بحيث لا يصبح نقطة ضغط يمكن استخدامها كلما تصاعدت الخلافات أو الأزمات، والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الجغرافيا ثابتة، بينما تتغير التحالفات والسياسات والمصالح، وقد أثبتت التجربة التي نشاهدها ونعيشها واقعاً ملموساً أمامنا اليوم، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاعتماد على ممر واحد لنقل الجزء الأكبر من صادرات الطاقة يمثل نقطة ضعف استراتيجية مهما كانت الضمانات الأمنية القائمة في أي مرحلة من المراحل. ومن هنا فإن التفكير المبدئي يقتضي العمل على إيجاد بدائل عملية تقلل من الاعتماد على المضيق دون أن تلغي أهميته الطبيعية كممر دولي حيوي سيبقى كما هو ممراً هاماً وحيوياً ما بقيت الجغرافيا على حالها، وعليه فإن أول هذه البدائل يتمثل في التوسع في شبكات الأنابيب البرية التي تربط حقول النفط والغاز بالموانئ الواقعة خارج الخليج العربي، سواء على بحر العرب أو البحر الأحمر أو غيرها من المنافذ البحرية، فكل برميل نفط أو شحنة غاز يمكن تصديرها بعيداً عن مضيق هرمز تعني تقليل حجم التأثير الذي قد ينتج عن أي اضطراب محتمل في الملاحة. كما أن تطوير الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية الخليجية بصورة تكاملية، وليس بصورة منفردة، سيمنح دول المنطقة مرونة أكبر في مواجهة أي تحديات مستقبلية، فالمعادلة لم تعد تقوم على قدرات كل دولة بمفردها، وإنما على قدرة المنظومة الخليجية ككل على العمل كوحدة اقتصادية وأمنية متماسكة وموحدة، والتجربة أثبتت أنه لا بد من التعامل مع المخاطر الخارجية بكل صورها وأنواعها، ويجب التعامل معها بروح الفريق الواحد والجسد والكيان الواحد. وهنا نصل إلى النقطة الأهم، وهي أن أي أفكار لتقليل أهمية مضيق هرمز لا يمكن أن تنجح ما لم تسبقها وحدة حقيقية في الرؤية والأهداف بين دول الخليج العربية، فالتحديات المشتركة لا يمكن التعامل معها بسياسات متفرقة أو حسابات ضيقة، بل تحتاج إلى تنسيق استراتيجي طويل المدى يتجاوز ردود الأفعال المؤقتة. فالمطلوب ليس فقط تعزيز التعاون الأمني، بل بناء تصورات خليجية موحدة لأمن الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية، بحيث تجعل أي محاولة لتهديد حرية الملاحة عملاً غير مجدٍ من الناحية السياسية أو الاقتصادية، وتؤكد أن أمن الممرات البحرية مسؤولية جماعية ومصلحة مشتركة لجميع دول المنطقة. كما أن هذه الاستراتيجية يجب أن تنطلق من افتراض واقعي، وهو أن التحالفات والمصالح والعلاقات الدولية تتغير باستمرار، فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة قد يبقى على مستواه الحالي أو يتقلص أو يتغير شكله أو حتى ينتهي في مرحلة من المراحل، وفي عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، لا يمكن بناء الخطط الاستراتيجية على افتراضات ثابتة بشأن دور أي قوة خارجية، أما الجغرافيا فهي الحقيقة الوحيدة التي ستبقى كما هي، ولذلك فإن بناء عناصر القوة الذاتية والتكامل الخليجي يصبح ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً مؤقتاً. إن تقليل أهمية مضيق هرمز لا يعني الاستغناء عنه، فذلك غير ممكن عملياً، لكنه يعني تقليل القدرة على استخدامه كورقة ضغط أو مصدر قلق دائم، وهذا الهدف لا يتحقق بالشعارات، بل بالاستثمار في البدائل، وتعزيز التكامل الخليجي، وتوحيد الرؤية الاستراتيجية، وبناء منظومة إقليمية قادرة على حماية مصالحها بنفسها في عالم تتغير فيه التحالفات، بينما تبقى الجغرافيا ثابتة لا تتغير. ولذلك فإن أول خطوة على الطريق هي أن تتفق دول الخليج على أن أمنها الاستراتيجي موحد، وأن مستقبلها الاقتصادي مترابط، وأن مواجهة التحديات الكبرى تتطلب موقفاً موحداً ورؤية بعيدة المدى. فعندما تتوحد الأهداف، تصبح التحديات مهما كبرت أكثر قابلية للإدارة والاحتواء، وتتحول نقاط الضعف إلى عناصر قوة واستقرار.
1068
| 07 يونيو 2026