رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد كان قرار أوبك، والذي وافقت عليه منظمه الأوبك بالإجماع، كعادتها في قراراتها، في ٢٧ نوفمبر ٢٠١٤، اجتهاداً مهماً، بناءً على معطيات السوق في حينه، وأكد صدق ما توصلت إليه الأوبك العديد من بيوت الاستشارة في صناعة النفط، وبعضها من الولايات المتحدة، حيث إن المحرك الرئيسي في اختلال ميزان العرض والطلب خلال الربع الأخير من عام ٢٠١٤ هو الإمدادات من خارج الأوبك خصوصا من النفط الصخري، والذي استفاد من أمرين هما، (1) مستويات أسعار النفط خلال السنوات ٢٠١٠ - ٢٠١٤ حيث فاقت ١٠٠ دولار للبرميل (2) ومن التكنولوجيا المتقدمة التي يسرت أمر تطوير الإنتاج ليصل في بضع سنوات إلى ٤ ملايين برميل يوميا، وبما أن مصدر اختلال ميزان الطلب والعرض النفط الصخري، وهو يدخل ضمن نشاط شركات نفطية تقوم على أساس الربحية والسيولة والعوائد، ولا تحتكم إلى منظمة، بحيث تصل إلى قرار خفض الإنتاج لمصلحه إعادة التوازن في السوق، لذلك فإن الحل الوحيد يكمن في ترك السوق يحدد سعر التوازن، الذي على أساسه يتم تقليص إنتاج النفط غالي التكاليف، بما يعيد توازن السوق، وهذا ما حدث فعليا على عدة محاور كانت نتيجتها توفير مناخ للقلق حول إمدادات السوق وبالتالي شهدت السوق تحسنا في أسعار النفط خلال الأشهر السابقة خلافا للتوقعات وهذه المحاور هي (1) خفض عدد أبراج ومنصات الحفر في الإنتاج والتي تؤثر في معدل تنامي إنتاج النفط الصخري في النصف الثاني من عام ٢٠١٥، (2) المحور الثاني هو إعلان الشركات النفطية على اختلافها وبعض الدول النفطية تأجيل بعض المشاريع والاستثمار في قطاع الاستكشاف والتنقيب خلال السنوات القادمة وتصل نسبة الخفض إلى ٣٠٪، وهذا يعني أنه سيكون هناك تأثير على إمدادات النفط الجديدة وهو يَصب في مصلحة الأوبك، هذه الأجواء شجعت تحولاً كبيراً في توقعات صناعة النفط لصالح ارتفاع الطلب على نفط الأوبك خلال السنوات القادمة، وكذلك أيضاً بوادر عَلى تعافي أسعار النفط خلال النصف الثاني من عام ٢٠١٥، وكذلك أن تعافي الأسعار إلى مستويات تقل عن المائة دولار للبرميل وتكون أكثر قبولاً في السوق وتسهم في تعزيز دور أوبك في سوق النفط، هذا كله يعني بوادر وعلامات على نجاح قرار أوبك لمصلحة السوق النفطية.
أسعار النفط تتحسن ولكنها مرشحة للهبوط خلال الأشهر القادمة
إن الورقة الأبرز في سوق النفط هي وتيرة تأقلم المنتجين للنفوط العالية التكاليف ومن أهمها النفط الصخري واستجابتها لهبوط أسعار النفط، وهو أمر يتابعه الجميع في السوق.
لقد حافظ متوسط أسعار نفط خام برنت خلال شهر فبراير 2015 وإلى الآن عند مستوى يفوق 55 ويقترب من 60 دولارا للبرميل وهي زيادة تعكس معطيات السوق النفطية ومنها موجة البرد، ويتساءل العديد من المراقبين إن كان المحرك وراء تعافي أسعار النفط الحالي هو مؤقت ينتهي بزوال أسباب التعافي، وطبعاً مع انتهاء موسم ذروة الطلب على النفط في الشتاء من المتوقع أن تبدأ الأسعار بالتأثر سلباً، مرتبط بميزان الطلب والعرض خلال الأشهر القادمة، ولكن من بداية شهر أبريل 2015، حيث إن نسبة من طاقة التكرير خصوصا في أسواق الشرق تدخل برامج الصيانة وهو ما يعني ضعف الطلب على النفط وضغوطا على أسعار النفط الخام، مما يعني أنها قد تخسر ما بين 5 – 10 دولارات خلال الأشهر القادمة قبل أن تبدأ مرحلة التعافي من جديد، وعموما فإن أسعار النفط الخام في حالة تذبذب، ولكنها في اتجاه تنازلي، وبوتيرة بطيئة إلى نهاية شهر مارس، حيث لا يزال الوضع في ليبيا واستهداف موانئ التصدير يمثل تحديا أمام تعافي إنتاج النفط الليبي ويشكل دعما للأسعار بسبب القلق بخصوص استمرار تأثر الإمدادات، ولكن تطور المفاوضات حول الملف النووي قد أسهم في ضعف أسعار النفط خلال الأيام السابقة، علماً بأن إيران قد خسرت ما يقارب 1.2 مليون برميل يومياً مبيعات نفط في السوق منذ منتصف عام 2012، كذلك مما أسهم في ضعف الأسعار الأرقام الخاصة بالوظائف في السوق الأمريكية والتي جاءت أقل من المتوقع، كما أن استمرار ارتفاع المخزون في الولايات المتحدة الأمريكية، ومعدل استخدام الناقلات العملاقة للتخزين العائم وهو يحتاج إلى استمرار هيكله الكونتانجو وبمعدل شهري في حدود 1.10 دولار للبرميل حتى يكون التخزين العائم ذا جدوى اقتصادية، كما يقدر ذلك البيت الاستشاري بيرا، علاوة على أن إنتاج البرازيل في ارتفاع، حيث يقدر بأنه 400 ألف برميل يوميا أعلى مما كان عليه في عام 2014. وأضف إلى ذلك دعم رفع تشغيل شبكة النقل والأنابيب يعني دعم نقل النفط داخل السوق الأمريكي ومن كندا إلى السوق الأمريكي.
دور بيوت المضاربة في أحداث السوق
المضاربون لا يؤثرون في البدء في اتجاه السوق، ولكن بلا شك يزيدون في سرعة ووتيرة التحرك سواء في حالة هبوط الأسعار حيث يتم بيع مراكزهم للتخفيف من الخسائر وهو ما يزيد في حركة هبوط الأسعار، ويقومون بالشراء عندما تبدأ الأسعار بالتعافي أو تكون هناك توقعات بالتعافي أو يشير إلى ذلك منحنى أسعار المستقبل، وهذا ما يحدث فعلياً مع اتجاه تعافي الأسعار، وتحرك منحنى الأسعار إلى مستوى أعلى، وعموماً فإن تعاملات المضاربين هي ورقية ولكن حجمها يفوق التعاملات الحقيقية بأضعاف كثيرة، ويشكل عامل المضاربات في أسواق النفط قلقا لدى المراقبين في الأسواق النفطية، حيث تتجاوز أحجام التعاملات اليومية 18 ضعف الإنتاج العالمي من النفط يوميا.
تفاعل الدول المنتجة للنفط في الخليج العربي
لا بد من التأكيد أن السوق تحتاج إلى إمدادات النفط الصخري للإيفاء باحتياجات تنامي الطلب على النفط ولكن التنامي بمعدلات معتدلة نسبيا يسهم في توازن السوق كما يذكر ذلك جولدمان ساكس.
وضمن هذه الأجواء تحقق في نهاية المطاف مستويات جديدة للأسعار تكون أكثر قبولاً تدعم استقرار الأسواق في الأعوام الخمسة القادمة، ليعود دور أوبك فاعلاً في توازن السوق بما يحقق دورها في دعم تنامي العالم، ويجب التنويه أيضاً أن البلدان المنتجة للنفط الخام في الخليج العربي قد تبنت سياسات تتسم بالحكمة والنضوج من خلال الاستفادة من أسعار النفط الخام العالية في توفير احتياطيات مالية خدمها خلال المرحلة الانتقالية الحالية للعبور إلى بر الأمان، وطبعاً تعافي أسعار النفط يخدم موازنات الدول المنتجة للنفط، خصوصا مع توقعات أن تتعافى أسعار النفط في النهاية إلى مستويات أعلى من الأسعار الافتراضية للموازنات، ولكن ضمان حالة من الاستقرار بعيدا عن تذبذب وتقلب الأسعار، لن يتم إلا بتحقيق تنوع في مصادر الدخل والاقتصاد، وتوفير صناعات تضمن وظائف، والتركيز على بناء المواطن ليكون منتجاً مساهماً داخل المجتمع.
التحديات أمام مؤتمر أوبك القادم
أعتقد أن أوبك عندما تجتمع في بداية شهر يونيو 2015، ستشعر بشيء من الفخر، لأن قرارها رغم كل ما قيل من آراء إلا أنه جاء لمصلحه استقرار الأسواق من خلال تأجيل العديد من قرارات الاستثمار للمستقبل، لمصلحة تحفيز الطلب، لمصلحة البلدان المستهلكين والتي استفادت من عدة أمور، من بينها خفض كبير في فاتورة الواردات، لمصلحة الاقتصاد العالمي، ولعل المؤتمر أيضا سيكون بداية التوازن في النصف الثاني من عام 2015، وبالتالي ربما يكون إحدى النقاط التي تؤثر على القرار هي تقييم نتائج القرار على النصف الأول من عام 2015، لكن يبدأ تحدٍ جديد وهو إمكانية ارتفاع الإنتاج من داخل أوبك، هو موضوع يأخذ انتباها أكبر من جهود المنظمة خلال السنوات القادمة، خصوصاً أن نجاح أوبك خلال الفترة الماضية هو المحافظة على الإنتاج حول السقف الإنتاجي المقرر وهو 30 مليون برميل يوميا.
توقعات الأسعار خلال عام 2015
رغم التوافق حول ضعف تشهده السوق خلال الأشهر القادمة وهناك اختلاف حول درجة الضعف إلا أن توقعات أسعار نفط خام برنت خلال عام 2015 تدور حول معدل ما بين 55 – 60 دولارا للبرميل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9411
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2226
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1125
| 06 أكتوبر 2026