رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستغرب ممن يتحدثون عن ملفات المستقبل في ظل الرئاسة الجديدة تجاهلهم لقضية الإسلام السياسي في مصر والتي باتت تمثل أزمة عميقة لا يجوز إنكارها وينبغي ألا تظل بلا حل.
(1)
أعرف الأصداء مقدما، إذ في أجواء الهيستريا المرعبة التي تخيم على الأجواء المصرية في الوقت الراهن، فإن أغلب الذين يعنيهم الأمر ليسوا مستعدين للحديث في الموضوع، الذي يعتبره البعض أغلق «إلى الأبد»، في حين لا يتردد آخرون في وصف التطرق إليه باعتباره من قبيل العمالة والخيانة والتآمر مع الإرهاب. وعند الحد الأدنى فإن منهم من سيعتبر محاولة فتح ذلك الملف الذي يقال إن الشعب دفنه بملايينه التي خرجت في 30 يونيو، بمثابة حيلة إخوانية خبيثة لإحياء جثة هامدة تعفنت وتحللت خلال الأشهر السبعة الماضية، ومن يرد أن يعرف المزيد عن ردود الأفعال التي أعنيها، فعليه أن يتابع سيل الاتهامات التي وجهت إلى الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية، الذي طرح مبادرة نشرت أخيرا ودعت إلى التعاطي السياسي مع الموضوع من خلال لجنة حكماء ووسطاء تسعى لرأب الصدع وترميم الجراح. ورغم أن الرجل مستقل وكان من معارضي سياسة الدكتور محمد مرسي فإنه لم يسلم من التجريح والاتهام والتطاول عليه من جانب الذين أصابتهم اللوثة واستسلموا للهيستريا.
وبعدما نسبت كل شرور الأرض وسخائمها إلى الإخوان، وأفتى بعض أهل الفقه بطلاق الزوجة الإخوانية أو العكس، باعتبار أن ذلك الانتماء يعني أن الرجل أو المرأة صار قنبلة موقوتة وخلية إرهاب نائمة. ومن هؤلاء من اعتبر وزير الداخلية في فتوى أخرى بأنه من رسل الله الذين تم ابتعثهم هو والمشير السيسي لإنقاذ مصر من براثن الجماعة. وبعدما قرأنا لمن كتب في 6/2 أن الشعب يريد إعدام الإخوان. وكتب آخر في الجريدة ذاتها يوم 1/2 يقول: إنه لم يعد خافيا على أحد أن مصر تخوض حربا قاسية ضد عدو أكثر خسة ووضاعة من الصهاينة، بعد ذلك كله فإن التضامن مع دعوة الدكتور حسن نافعة إلى التعامل السياسي مع الموضوع يغدو مغامرة أقرب إلى العملية الانتحارية التي لن يخرج المرء منها سليما في كل أحواله.
(2)
في مواجهة حملة الكراهية التي يشنها الفاشيون الجدد ومعهم المزايدون والمهرجون ألفت النظر إلى الأمور التالية:
• إن الدعوة إلى التفكير السياسي في الموضوع وعدم الاكتفاء بالحل الأمني وحده هي لأجل مصر وليس لأجل الإخوان ومن لف لفهم. ذلك أن السلم الأهلي وأبسط قواعد العيش المشترك، بل والاستقرار الذي لم تعرفه مصر منذ ثلاث سنوات مرهون بقدرة نظامها على الاحتواء وليس الإبادة أو الإقصاء وبمدى كفاءته في مد الجسور وليس إقامة الجدران وحفر الخنادق.
• إن أي كلام عن جسور أو تفاهمات لا يعني التسامح مع كل من ثبت بحقه الضلوع في أي ممارسة للإرهاب أو إراقة الدماء من جانب أي طرف. وهذا الإثبات لا يتم من خلال التسريبات والتقارير الأمنية والحملات الإعلامية، ولكن لا سبيل إلى إثباته إلا من خلال تحقيق نزيه وقضاء عادل.
• إن الذين يقولون بإغلاق الملف إلى الأبد، لا يرجمون بالغيب فحسب، ولكنهم أيضا يستسلمون لأهوائهم وأمنياتهم بأكثر مما يدركون الواقع أو يقرأون التاريخ. لأننا لا نعرف فكرة اقتلعت بقرار وزاري أو حملة أمنية، حتى إذا لم ترتبط بعقيدة الناس وضميرهم الديني. وأذكر في هذا الصدد أن الرئيس السوري السابق حافظ الأسد أصدر قانونا في ثمانينيات القرن الماضي قضى بإعدام كل من انتسب إلى الإخوان، وفعلها نظيره معمر القذافي في ليبيا الذي أطلق عليهم اسم «الخوان» من الخيانة، حيث أعدم بعضا منهم بالفعل، ولم يتردد الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في قهر أعضاء «النهضة» وقمعهم طوال عشرين عاما، ولكن آمال الجمع لم تتحقق، إذ لا يزالون فاعلين في الائتلاف الوطني السوري وشركاء في حكم ليبيا ولاعبين أساسيين يحتلون أغلبية البرلمان التونسي.
• إننا في مصر نتحدث عن ملف يتضمن ــ حسب المصادر المستقلة ــ أسماء 40 ألف ضحية تقريبا (2700 قتيل على الأقل + 16 ألف مصاب + 21 ألف معتقل بينهم 200 سيدة وفتاة)، وإذا وضعت في الاعتبار أن كل واحد من هؤلاء ينتمي إلى أسرة من خمسة أشخاص، فذلك يعني أن المواجهات المستمرة خلال الأشهر السبعة الماضية أصابت نحو 200 ألف شخص بأضرار مباشرة، أضف إلى ما سبق أن أعضاء الجماعة العاملين في مصر يقدرون بنحو مليون شخص حسب المصادر الإخوانية.
وهو ما يعني أن مصير كتلة بشرية لا يستهان بها من المصريين ينتظر تفاعلا رصينا ومسؤولا، (لاحظ أنني لم أشر إلى بقية فصائل الإسلام السياسي)، وليس من الحكمة أن يشطب على هؤلاء بالكامل بعد تصنيفهم في خانة الإرهاب.
• إن ثمة اعتبارا عمليا يفرض إعادة النظر في النهج الأمني المتبع حاليا. ذلك أن الدولة المصرية تخوض حربا حقيقية وشرسة ضد الإرهاب في سيناء، الذي بدأ يمد نشاطه إلى محافظات أخرى في البلد، وليس من الفطنة وحسن التدبير أن تخوض الدولة تلك الحرب على جبهتين في وقت واحد، في داخل سيناء وخارجها، وربما اقتضت الحكمة أن يتم تسكين جبهة الداخل مؤقتا من خلال التفاهمات السلمية، على الأقل حتى تحسم المواجهة لصالح الدولة في سيناء.
(3)
يثير الانتباه في هذا الصدد أن الملف الذي يعتبره أولو الأمر مغلقا في مصر، لا يزال مفتوحا في العالم الخارجي، الأمر الذي يعني أن كل ما فعلته السلطة المصرية أنها أصدرت فرمانا بالإجهاز عليه، ثم دفنت رأسها في الرمال لكي لا ترى أي أثر له، تشهد بما أدعيه التقارير التي أصدرتها منظمة العفو الدولية، والمناقشات التي جرت في البرلمان الأوروبي أخيرا والتعليقات التي نشرتها الصحف البريطانية، وكلها أدانت السياسة الأمنية التي انتهجتها الحكومة المصرية في تعاملها مع الملف، وإذا صح أن المحافل القضائية الأوروبية ستنظر بعضا من القضايا المتعلقة بالموضوع، فمعنى ذلك أن الجدل حول الأزمة المصرية سوف يستمر طوال الأشهر المقبلة.
استوقفتني في هذا السياق المذكرة التي قدمها إلى الرئيس أوباما بهذا الخصوص اثنان من خبراء معهد بروكينجر، أحد أهم مراكز الأبحاث الأمريكية وهي التي كتبها الباحثان تمارا ويتس ودانيال بايمان، وقد عرض زميلنا الأستاذ محمد المنشاوي ملخصا لها نشرته جريدة «الشروق» يوم الجمعة الماضي 7/2. ومن النقاط المهمة التي وردت فيها ما يلي:
• دعت المذكرة إلى ضرورة تشجيع الحكومة المصرية على التصالح مع رموز جماعة الإخوان الذين يتطلعون إلى حل أزمة علاقة الجماعة بالسلطة والدولة.
• نبهت إلى التصاعد المخيف لأعمال العنف في مصر. وذكرت أن جماعة الإخوان لم تطلب من أعضائها حمل السلاح واستخدام القوة، وأشارت إلى أن هناك ضغوطا متزايدة في هذا الاتجاه من شباب الجماعة، تدعمها انتهاكات الحكومة ضدهم وضد قادة الجماعة.
• اقترحت خمس خطوات من شأنها تخفيض مخاطر اتجاه الإخوان إلى الردايكالية (التطرف) هي:
(1) أن تبلغ واشنطن القاهرة بأن تحول الإخوان إلى الراديكالية ليس حتميا. ولتقليل ذلك الاحتمال فإنها اقترحت على القاهرة أن تسمح لبعض قيادات الإخوان وغيرهم من الإسلاميين الذين لم تثبت بحقهم ممارسة العنف بالاستمرار في الحياة السياسية والاجتماعية، حتى مع استمرار الحظر القانوني للجماعة. ذلك أن وجود تنظيمات سلفية وغير سلفية سيمثل صيغة معقولة من جانب الإخوان تقلل من جاذبية التحول إلى الراديكالية.
(2) على الإدارة الأمريكية أن تؤكد للجيش المصري دعمها لأي عمليات محدودة يقوم بها ضد الراديكاليين ممن يستهدفون مصالح أمريكية مباشرة مثل أمن إسرائيل، إلا أن على واشنطن أن تؤكد على أنها لا ترى كل الإسلاميين إرهابيين. وفي حين يتعين على الإدارة الأمريكية دعمها لجهود مكافحة الإرهاب، إلا أنها لا ينبغي أن تعتبر الإخوان جماعة إرهابية.
(3) على الإدارة الأمريكية الاستمرار في التعامل مع كل القوى والرموز الإسلامية ممن لم يرتكبوا أعمال عنف بمن فيهم جماعة الإخوان داخل مصر وخارجها، وعلى واشنطن الضغط عليهم كي يتمسكوا بالبدائل السلمية في إطار تأكيدها على المبادئ الديمقراطية ورفضها الحازم لأي دعوة إلى العنف أو التشجيع عليه.
(4) رغم خوف حلفاء واشنطن مثل السعودية ودولة الإمارات من ديمقراطية تأتي بالإخوان إلى الحكم، فإن على واشنطن أن تقنعهم بأن تحول الجماعة للإرهاب والراديكالية ليس في مصلحتهم. لذا على واشنطن أن تنبه هذه الأنظمة إلى مخاطر دعمها لسياسة الاستبعاد الكامل للجماعة بهدف القضاء عليها.
(5) على المخابرات الأمريكية أن تضع على رأس أولوياتها جمع معلومات عن الإسلاميين المصريين بصفة عامة، مع التركيز على أي علاقة قد توجد بين الإخوان وتنظيم القاعدة والجماعات الجهادية الفلسطينية. وعلى المخابرات الأمريكية العمل عن قرب مع نظيرتها الإسرائيلية في جمع المعلومات وتحليلها، وعليها أيضا فحص المعلومات التي تصل إليهم من المخابرات المصرية.
(4)
سيسارع البعض إلى القول بأن الإدارة الأمريكية تدعم الإخوان وتدافع عنهم، جريا على نهجها الذي ادعته وسائل الإعلام المصرية. لكنني أعلق على ذلك بنقطتين، الأولى أن واشنطن تقف أولا مع مصالحها ومستعدة للتفاعل مع أي طرف يحققها، سواء كان الإخوان أم غيرهم. وليس دقيقا أنها حريصة على الديمقراطية في مصر أو في غيرها من الدول «الصديقة»، لكن الاستقرار الذي يخدم مصالحها هو أكثر ما يهمها، النقطة الثانية أن الموقف الأمريكي الذي يبدو إيجابيا بالنسبة للإخوان يظل مرحليا وتكتيكيا طالما أنهم لم يهددوا مصالحهم. لكننا ينبغي ألا ننسى أن علاقة واشنطن بالنظام الحاكم في مصر هي علاقة تحالف إستراتيجي على العكس مما يتصوره كثيرون ويروج له الإعلام. وهي العلاقة التي سبق أن قلت إنها تحتمل اختلافا في الفروع، في حين أن أصولها ثابتة لا تمس، وهي تتمثل في التسهيلات التي تقدم للولايات المتحدة في مجالات ثلاثة: المرور في قناة السويس ــ استخدام الأجواء المصرية ــ التعاون الاستخباراتي.
لا أتصور أن تصبح المذكرة الأمريكية بمثابة دليل عملي أو خريطة طريق يهتدى بها في التعامل مع الأمة المصرية، لكنني أردت بإيرادها أن ألفت الانتباه إلى أن الموضوع لا يزال حيا في العقل الإستراتيجي الغربي وأن الادعاء بأن الأمر فيه قد حسم بصورة نهائية وأن باب التفكير السياسي لحل إشكاله قد أغلق ولا سبيل إلى فتحه أو مناقشته، هو من قبيل الوهم الذي لا تؤيده دلائل الواقع.
إن إحدى المشكلات الأساسية التي يعاني منها النهج المصري في التعامل مع الملف تتمثل في أن البعض يتصور أنها معركة فاصلة يتعين أن ينتصر فيها الفصيل القابض على السلطة بأي ثمن على الفصيل القابع في الشارع والمحتجز في السجون ومعسكرات الأمن المركزي، لكننا بحاجة ملحة لأن نصحح تلك الرؤية بحيث نطرق بابا يحقق انتصار الوطن في نهاية المطاف، وليس فوز فريق على آخر.
ومن علامات بؤس زماننا أن مثل ذلك الرجاء صار يقابل بالصد والاتهام من جانب الذين يصرون على تحويل المواجهة إلى مذبحة و«هولوكست» جديد ينحاز إلى الإبادة الجماعية، ويدخل التاريخ من أتعس أبوابه.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1024
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3345
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
2529
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1215
| 01 أكتوبر 2026