رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ أن بدأت استطلاعات الرأي تشير إلى تأرجح فرص الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته ترمب بدأ ببناء سردية مفادها بأن الانتخابات ستكون مزورة وأنه في حال خسارته فسيكون ذلك تجلياً لنظريات المؤامرة التي ساقها منذ يوم حملته الانتخابية الأولى، وبعد أن حشد متابعيه عبر خطاباته المختلفة وتغريداته النارية والقضايا العبثية التي رفعها في المحاكم، جمع أنصاره للمواجهة الأخيرة في ساحات مبنى الكابيتول الذي يحتوي مجلسي الكونغرس الأمريكي، وحين امتنع نائبه بنس عن تخريب إجراءات التصديق على فوز خصمه، هرع ترمب إلى مؤيديه الذين جاءوا من أقاصي الولايات المتحدة وحرضهم بانياً على السردية التي أحكمها بأن ديمقراطيتهم تضيع وأن أصواتهم سرقت وأن الحل الوحيد هو الزحف على وكر الفاسدين، وحصل ما حصل.
ملابسات اقتحام مبنى الكابيتول كثيرة، ولا شك أن الأيام ستكشف لنا حقيقة تفاصيل تغيب عنا اليوم، مثل ما يقال عن أن بعض البوابات فتحت من قبل رجال الأمن، وأن فريق الرئيس مهد للاقتحام من خلال ضمان التقاعس في الإجراءات الأمنية، وأن الهدف الذي لم يتحقق كان احتلال المبنى لأكثر من يوم حتى يتم تأجيل المصادقة على النتائج وبالتالي تأجيل تنصيب الرئيس المنتخب جو بايدن، ليلة اقتحام الكونغرس كانت عاصفة والأحداث كانت صادمة للشارع الأمريكي وللعالم أجمع، فللمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة ينتهك هذا المبنى الذي يعتبر رمز المؤسسة الأمريكية من قبل مواطنين أمريكيين، حتى خلال الحرب الأهلية لم يتعرض هذا المبنى للاعتداء، فمنذ حرقه على يد الجيش الإنجليزي خلال حرب 1812 بقي المبنى صامداً يقف كل رئيس عند تنصيبه ووصياً عليه بعد توليه مهامه مطلاً من أعلى التلة التي يقع في أحد جوانبها البيت الأبيض، في السادس من يناير استبيح ذلك المبنى تجسيداً لاستباحة ترمب للأعراف والمؤسسات الأمريكية طيلة السنوات الأربع الماضية.
هذه النتيجة ليست صنيعة ترمب وعهده فحسب، بل هي نتاج طبيعي لاتجاه مستمر في السياسة الأمريكية، هذا الاتجاه مر بتحولات جسيمة شبيهة بتلك التي شكلت العقل الجمعي الأمريكي في عصر المكارثية حين كانت تهمة الشيوعية تطلق جزافاً على كل خصم سياسي إبان الحرب الباردة، خلال العقدين الأخيرين اتجه كلا طرفي المحور السياسي بعيداً عن الوسط، ليس في الولايات المتحدة فحسب بل في العالم الديمقراطي بشكل عام، الولايات المتحدة كانت استثنائية في تقارب التوجهات السياسية للمؤسسات الحزبية، إلا أن الليبراليين من جهة والمحافظين من جهة أخرى اتجهوا نحو التطرف بشكل كبير، اليسار الأمريكي خلال العقدين الأخيرين تبنى خطاباً مؤدلجاً عنيفاً ضد المحافظة السياسية والقيم الاجتماعية التقليدية وفرض هذا الخطاب عبر الإعلام التقليدي وهوليوود والمؤسسات الأكاديمية، من الناحية الأخرى كان رد الفعل المحافظ بنفس القوة في الاتجاه المعاكس، فتحول المحافظ الأمريكي الذي كان في الغالب يتبنى القيم التقليدية الاجتماعية ومبادئ الاقتصاد الحر إلى نسخة أقرب للمحافظ الأوروبي، مشبع بأفكار العداء للأقليات والمهاجرين، يحركه الخطاب الشعبوي وفاقد للثقة في مؤسسات الدولة ومؤمن بشتى نظريات المؤامرة التي تدعم توجهه السياسي، النتيجة كانت اضمحلال الوسط السياسي الأمريكي سريعاً كما رأينا في الانتخابات التمهيدية لعام 2016 حين تلاشى سريعاً مرشحو الوسط في الحزب الجمهوري وكاد التقدمي العتيد بيرني ساندرز أن يسقط هيلاري كلينتون، ثم جاء ترمب ليكشف الغطاء عن هذه التحولات الكبرى في القواعد الانتخابية.
وجود ترمب في البيت الأبيض سمح للأمريكي العنصري المؤمن بنظرية المؤامرة والرافض للغة العلم وأعراف السياسة في أن يظهر هذا كله دون خجل عبر تيار سياسي يمثله رئيس منتخب، التقدمي اليساري الذي كان ينظر له على أنه يعيش في قوس قزح من المثالية بعيداً عن الواقع أصبح صوت العقل والمظلومين أمام فوضوية ترمب وعنصريته وأصبح خطابه يمثل انتقاماً وتجسيداً للسخط على سلوك التيار الترمبي المحافظ، سمحت سنوات ترمب الأربع لكل من كان يعيش على هامش الحياة السياسية بأن ينتقل إلى مركزها ليعلو صوته في قاعات التشريع بعد أن كان حبيس أروقة الجامعات وشاشات التلفزة من جهة ومحطات الراديو المحافظة والكنائس الإنجيلية الكبرى من جهة أخرى، حتى الإعلام الأمريكي فقد توازنه مقروءاً ومسموعاً ومرئياً ليستقطب بشكل حاد يرفض معه المحسوبون على كل تيار مجرد مناقشة أطروحات الفريق الآخر إلا في معرض التهكم والسخرية، وليس ذلك جديداً على مجتمع كان الوعي السياسي فيه دائماً محدوداً حسب العديد من الدراسات حول الثقافة السياسية في الولايات المتحدة، ولكن الجديد هو أن الوعي السياسي لم يعد شرطاً لممارسة السياسة بل نقيصة بالنسبة للناخب المتطرف في من يتصدر لها.
حتى هذه اللحظة لا يزال العديد من المشرعين الجمهوريين يخشى إغضاب القواعد الترمبية، بل إن أعضاء الحزب في المجلس التشريعي لولاية بنسلفانيا منعوا عبر بلطجة ظاهرة زميلهم الديمقراطي المنتخب من أداء القسم بدعوى تزوير الانتخابات، هذا الاتجاه في الحزب الجمهوري سيستمر وستشهد الانتخابات النصفية بعد عامين موجة من المشرعين الجمهوريين الترمبيين وحتى إن أفل نجم ترمب فسيكون مرشح الحزب الجمهوري لعام 2024 نسخة أخرى، ربما أكثر تطرفاً، من ترمب، فالطوفان الذي أغرق الوسط السياسي لن يتراجع إلا بزلزال سياسي شامل، كان إرهاصه الأبرز هو اقتحام مبنى الكونغرس، فهل نشهد خلال السنوات القادمة تراجعاً للمؤسسة الأمريكية وتنامياً للسلطوية الرئاسية في الدولة التي كانت تمثل قصة النجاح الأبرز للمؤسسات الديموقراطية؟ الأيام حبلى.
أكاديمي قطري
المسافة بين واشنطن والدوحة
توجه صاحب السمو أمير البلاد إلى واشنطن تلبية لدعوة الرئيس الأمريكي لتكون الزيارة الأولى لسموه بعد تولي بايدن... اقرأ المزيد
5032
| 31 يناير 2022
بين الدبلوماسية الناعمة والدبلوماسية الصلبة
عند الحديث عن القوة في سياق الدول نتحدث عن القوة الصلبة والناعمة، الصلبة يقصد بها القوة العسكرية والسياسية... اقرأ المزيد
8293
| 24 يناير 2022
الصين وبحر جنوبها
بحر جنوب الصين يعتبر من أكثر المسطحات المائية في العالم التي تحيطها خلافات حدودية، قانون البحار الدولي بشكل... اقرأ المزيد
5099
| 17 يناير 2022
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12165
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10374
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3489
| 22 أكتوبر 2026