رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لاشك أن مصادر الفكر الإسلامي التي هي القرآن والسنة لا يصح أن يطلق عليها فكر بالمعنى الاصطلاحي، لأنها وحي ثابت وأمر رباني، لكننا حينما نطلق كلمة الفكر الإسلامي فإنما نريد بها ما قدمه لنا علماء المسلمين ومفكروهم من فهم شامل وتفصيلي لهذه المصادر الربانية ومن أدلة مستمدة منهما.
ولا شك أيضا أن هذا الفكر الفهم قد يشوبه الخطأ كما يشوب غيره، لكن خطأه محط اهتمام لمكانة الدين من النفس، ولقد بُذلت جهود جبّارة، وطاقات كبيرة لتصفية الفكر الإسلامي مما شابه، أمثال الجهود التي قام بها محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، والجهود التي قدّمها الشيخ حسن البنا وأبو الأعلى المودودي رحمهم الله تعالى، ومن المعاصرين الدكتور العلامة يوسف القرضاوي، ومع كل المحاولات التي بُذلت، والجهود التي تبذل، مازال هناك دَخَن وخلل وشوائب، ولم ننته بعد من عملية التصفية والغربلة لفكرنا الإسلامي، المصدر الأول لنهضتنا.
ومن ثمرات عملية التصفية أن بعض المسائل التي أثير حولها الجدل، وكانت غير مقبولة قبل (100) عام، أصبحت الآن من البديهيات والمسلمات عند المسلمين، ولسنا بحاجة إلى بذل جهد كبير لإقناع الناس بصوابها، مثل الإسلام هو الحل، ومثل السياسة جزء من الدين، ومثل المستقبل للإسلام، فهذه القضايا لم تكن تلقى قبولاً عند الناس قبل سنين.
مجالات تحتاج إلى تصفية
في تقديري الشخصي فإني أرى أن عملية التصحيح والتنقيح والتصفية قطعت أكثر من (90?) من المشوار لكنها لم تنته، ومازال هناك بعض الجوانب التي تحتاج إلى تصويب وإعادة صياغة، ومن ذلك:
* الأهواء والانتماءات
لقد تأثر فكرنا الإسلامي بالأهواء والانتماءات، والتاريخ الإسلامي خير مثال على ذلك التأثر، فغالبية التاريخ لم يُكتب بحيادية، والصفاء فيه قليل ونادر، بل كان هناك تحيّز واضح من المؤرخين، فإذا كان من يكتب التاريخ شيعياً انحاز للطرح الشيعي، وإذا كان من يكتب التاريخ سنّياً انحاز للطرف السني، وهكذا.. لذا فنحن بحاجة إلى إعادة كتابة التاريخ وفق منهجية علمية، وبحاجة إلى تصفية فكرنا الإسلامي من الأهواء والانتماءات التي طالما جنت على أمتنا، وأخّرت نهضتنا.
* العادات والتقاليد
تأثر فكرنا الإسلامي كذلك بالعادات والتقاليد، وبمرور الزمن امتزجت بالدين، حتى بات كثير من الناس يظن أنها جزء من الدين، وإذا تُركت قالوا تُرك الدين، ومن الأمثلة الواقعية على ذلك مسألة " قيادة المرأة للسيارة " فمن ناحية الدين والشرع، لا يوجد ما يمنع من قيادة المرأة للسيارة، لكنّها تُمنع من القيادة بحكم العادات والتقاليد وخصوصية البلد ليس أكثر، ليست المشكلة في أن المنع جاء لخصوصية البلد وعادات أهله وتقاليدهم، بل المشكلة أن المنع - بمرور الزمن- أصبح باسم الدين، وبه يفتي العلماء والوعّاظ.
لذا فنحن بحاجة إلى تصفية عميقة لفكرنا الإسلامي من العادات والتقاليد، التي اختلطت به، ولا بد من أن نفصل بين العادات التي تراعي ظرفاً معيناً، أو خصوصية مجتمع ما عن أحكام الدين.
* ظاهرة الذكورية
كثير من القضايا التي طرحت في تاريخ الأمة تأثرت وجهة النظر فيها بسيطرة الذكور في المجتمع، وهي ظاهرة عالمية لا تنحصر في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فحتى في الغرب هناك سيطرة للذكور، تظهر من خلال الإحصاءات التي تشير إلى سيطرة الذكور على الشركات والمنظمات وحتى الحكومات.
أما بالنسبة لنا كمسلمين، فمن يتتبع بدايات الإسلام، يجد عدداً كبيراً من أسماء النساء اللاتي كان لهن دور بارز في حركة الإسلام ونشره، ولهن صفات وإنجازات عظيمة، تجاوزت صفات وإنجازات الرجال، لكن وفي الفترات المتأخرة من تاريخ أمتنا، أصبحنا نبحث عن المرأة المتميزة بالمجهر والعدسة المكبّرة، وما ذلك إلا بسبب ظاهرة الذكورية، وسيطرتهم على مرافق الحياة والمجتمع.
* تعليم المرأة حرام!!
ومن الأمثلة على نتائج اتساع ظاهرة الذكورية أن أصبح التعليم في بعض الفترات مقتصراً على الذكور، وتصدر الفتاوى بحرمة تعليم المرأة، ومازال بعض الناس في القرن (21) يأخذون بمثل هذه الفتاوى، مما ترتب عليه انتشار الأمية بين النساء بشكل مخيف، والإحصائية التالية تكشف لنا جانباً من هذه المشكلة الخطيرة.
في عالمنا العربي (20%) نسبة الأمية في الرجال، و(38%) نسبة الأمية في النساء بحسب إحصاءات (2007).
* عمل المرأة حرام
بالنسبة لحقوق المرأة في التوظيف والعمل، فإن معظم الدول العربية إما لا توجد فيها مساواة، وإما قد توجد القوانين التي تكفل المساواة، لكنها لا تطبق.
* الانبهار والتبعية والتقديس
من الخلل الذي أصابنا وأصاب فكرنا خلل الانبهار والتبعية والتقديس، قد يأخذ هذا الخلل صوراً وأشكالاً متعددة، مثل الانبهار بالغرب إلى درجة الاعتقاد بنظرية المؤامرة، التي خلاصتها أن مصائب الأمة وأزماتها ومشكلاتها وحتى التخلف الذي تعاني منه سببه الأعداء، خاصة اليهود والأمريكان، وأنْ لا يَدَ لنا في ذلك.
ويظهر الخلل أحياناً في صورة تبعية عمياء وتقديس عجيب للمذاهب وشيوخها، والتيارات الفكرية ورجالاتها، وهناك تبعية وتقديس للحكام، حتى وصل الخلل إلى السلف الصالح، فصارت كلماتهم مقدسة، وفتواهم يحرم مخالفتها، ويُشنّع على من انتقد رأياً اجتهادياً لأحد العلماء، وهناك فرق بين أن نحترم السلف الصالح ونتقرب إلى الله تعالى بحبهم، وبين أن نقدس أشخاصهم، لأن العالم يُحتجّ له ولا يُحتجّ به، وقوته في دليله الذي يستدل، ومنهجيته التي يعمل بها.
* التأثر بالواقع
كثير من العلماء والمفكرين عندما يطرحون قضايا الفكر والنهضة، يطرحونه متأثرين بالضعف العام الذي تعاني منه الأمة، ومن الواقع المتخلف الذي أصبح علامة بارزة في حياة الشعوب، فعندما نقرأ لمن يكتب عن الإسلام في عصوره الذهبية، عصور النهضة والريادة، يستخدمون كلمات العزة والشموخ والسعادة والفخر، وعندما نقرأ لمن كتب عن عصور التخلف التي مرّت بها الأمة، نجد أن لغة العزة غابت، وكلمات الفخر ماتت، وأصبح الإسلام متهماً وبحاجة لمن يُدافع عنه، وأصبح هَمّ المفكرين رد الشبهات، ومحاولة استرضاء الآخرين.
ومع ذلك، ومهما بلغ الضعف وانتشر التخلف، وأصبحا واقعاً ملموساً، فلا ينبغي للضعف والتخلف أن يمسّا الفكر، أو يؤثرا سلباً عليه، لأن مهمة الفكر أن ينهض بالواقع، لا أن ينجذب إليه، ويدور في فلكه، وعليه يجب أن يبقى الفكر صافياً من ظاهرة التأثر بالواقع.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
4878
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2622
| 08 سبتمبر 2026