رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يعيش العراق على وقع الأزمة السورية، ويفضل الوسط السياسي أن يقصر الأزمة الداخلية على الملفات العالقة، وهي كثيرة، لكن الجميع يعلم أن المسلسل الذي بدأ غداة الانسحاب الأمريكي أواخر العام الماضي ما لبث أن وجد معادلات استطاع رئيس الوزراء نوري المالكي أن يستخدمها لإبقاء الأوضاع على حالها، أي لإبقاء كل الخيوط وكل السلطات في يده وحده، غير أن الاستقطاب على خلفية ما يحصل في سوريا لامس الأزمة الداخلية وصار يؤثر في أداء اللاعبين فيها.
لم يكن هناك أي تطور جوهري جديد يوجب على الحكومة المركزية في بغداد والحكومة الكردية في أربيل الذهاب إلى شفير مواجهة عسكرية، فمن المعروف أن هناك أربع محافظات (نينوى، أربيل، كركوك، وديالى) فيها مناطق صنفها الدستور بأنها "متنازع عليها"، كما أن هناك لجنة لتنفيذ المادة 140، المتعلقة بهذه المناطق ويفترض أن تقوم بعملها، إلا أنها لم تحرز أي تقدم منذ 2005 حتى الآن، رغم رفدها بخبرات مساعدة من الأمم المتحدة، ثم أن هناك "تفاهمات" تعود إلى عامي 2009 و2010 وتنظم العلاقة الانتقالية بين الحكومتين خلال الفترة السابقة لحل النزاع في تلك المناطق، ومن تدابيرها الأمنية تسيير دوريات مشتركة فيها.
من هنا أن حادث طوزخورماتو، قبل أسبوعين، إثر مطاردة القوات العراقية لأحد المهربين وفراره إلى الجانب الكردي، كان بالإمكان أن يعالج في إطار تلك "التفاهمات" التي تحتم التوصل إليها بعد حوادث مشابهة ومنعاً للاحتكاك بين القوات العراقية وقوات "البشمركة" الكردية، إذن، ما الذي دعا حكومة بغداد أو بالأحرى رئيسها تحديدا، إلى إنشاء "قوة عمليات دجلة" وإعطائها صلاحيات التدخل حيث تدعو الحاجة؟
طبعاً، هناك الدافع الأمني البحت، وكذلك الدافع "السيادي"، إذ أن احتكاكات في مناسبات عدة سابقة خلفت غضباً وإحباطاً في صفوف القوات العراقية، غير أن العرف جرى على حل مثل هذه الإشكالات ثنائياً ولا يتيح الإجراءات الأحادية الجانب. صحيح أن "الانتهاكات" تعددت من الجانبين على مر الأعوام الماضية، وأن الأمريكيين كانوا يتدخلون لمنع التوتر، إلا أن انسحاب هؤلاء ترك للطرفين هذه المهمة.
لكن العلاقة بين بغداد وأربيل شهدت طوال هذه السنة انهيارات متتالية،ويمكن رصد مراحلها باستعراض عاجل كالآتي:
1- موافقة حكومة إقليم كردستان على استقبال نائب الرئيس طارق الهاشمي بعد اتهامه بالتورط في "أعمال إرهابية" وردّه بأن الأمر لا يعدو كونه "مكيدة سياسية" رتبها المالكي للتخلص منه.
2- قضية الهاشمي فتحت أزمة تفرد المالكي بالسلطات كافة، وتحولت أربيل عاصمة للمعارضة حيث جرى التنسيق بين رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني وزعيم "التيار الصدري" مقتدى الصدر ورئيس قائمة "العراقية" إياد علاوي لطرح مطالب محددة لحل هذه الأزمة، وإلا فإن الأطراف الثلاثة ستطرح إطاحة المالكي بتصويت في البرلمان.
3- انتقادات بارزاني للمالكي بلغت حداً أقصى من الشدة، وترافقت بدعوة الزعيم الكردي الولايات المتحدة إلى عدم الموافقة على بيع طائرات حربية من طراز "إف 16" لحكومة بغداد مشككاً بطرق استخدامها.
4- خلال الشهور الماضية توالت الإشكالات: تعاقد أربيل مع شركات عالمية للتنقيب عن النفط من دون التنسيق مع بغداد، تصدير النفط الكردي ومرجعية مداخيله، حصة إقليم كردستان من الموازنة العامة وعدم تناسبها مع معايير تحديد حصص المناطق الأخرى، فضلاً عن المشكلة التي طرحت باكراً وهي تتعلق بتمويل "البشمركة" باعتباره جيشاً ثانيا تموله بغداد إلا أنه لا ينسق معها ويرفض أي تدخل في شؤونه.
استطاع المالكي أن يفكك الحملة الموجهة لإطاحته. فمن جهته أمكن ضبط اندفاع مقتدى الصدر بتدخل إيراني، ومن جهة أخرى أمكن له أن يشق صفوف السنّة عبر صفقات سياسية فردية، وبقيت أمامه العقدة الكردية، لذا زار فجأة كركوك من قبيل الاستفزاز، لكن أيضاً من قبيل مخاطبة السنة بأنه حامي وحدة العراق. في المقابل زادت أربيل تقاربها مع تركيا، بل استقبلت مسؤولين كباراً من أنقرة، بينهم وزير الخارجية الذي زار أيضاً كركوك، مما أثار احتجاجاً رسمياً من بغداد، يضاف إلى ذلك أن موقفي الحكومتين كانا متقاربين حيال الأزمة السورية، ثم افترقا عملياً، فمع تزايد المعلومات عن مساعدة بغداد للنظام السوري بالتفاهم مع طهران، وطلب واشنطن من السلطات العراقية منع مرور شحنات السلاح الإيرانية إلى دمشق وتفتيش الطائرات الإيرانية المشكوك بها، استضافت أربيل لقاء لأكراد سوريا بغية تنسيق دورهم في الثورة، وينسب إلى إقليم كردستان أنه أشرف على تسليح أكراد سوريا وتدريبهم.
أواخر أكتوبر الماضي حاولت وحدات من الجيش العراقي اجتياز منطقة "متنازع عليها" للوصول إلى الحدود مع سوريا بهدف تأمين هذه الحدود، لكن القوات الكردية لم تسمح بمرورها بحجة أن الحدود لا تحتاج إلى تعزيزات، ومخافة أن يكون الهدف الفعلي تشكيل ضغط على الأكراد، ومن الأسباب التي ذكرت أيضاً أن بغداد أرادت فتح خط عسكري دائم لدعم قوات النظام السوري، لذلك قرأ الأكراد تصعيد المالكي عبر "قوة عمليات دجلة" بأنه متعمد للرد على توافقهم مع تركيا وعلى وضوح موقفهم ضد نظام دمشق.
والمؤكد أن الأكراد يعملون في العراق كما في سوريا لمصلحة الأكراد، ومن الطبيعي أن سقوط نظام بشار الأسد يخدم تلك المصلحة في حين أن بغداد المالكي ربطت موقفها بمحور طهران ولا تبدي أي ارتياح لتغيير الحكم في سوريا يمكن أن يأتي بنظام متعاطف مع سنّة العراق.
في أي حال، تتعامل الدول المجاورة لسوريا بقلق مع تداعيات أزمتها وتتفاوت هذه التداعيات من لبنان إلى تركيا والعراق والأردن، وإذ تبقى الساحة الأكثر هشاشة في لبنان، فإن السياسة التي اتبعتها الحكومة العراقية أدت حتى الآن إلى ضمان عدم استخدام العراق ضد النظام إلا أن الدور الكردي شكل اختراقا لهذه السياسة، ولذلك تسبب بالتوتر الحالي، لكن التدخلات الخارجية، لا سيما الأمريكية وحتى الإيرانية حالت حتى الآن دون انفجار الوضع.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
4206
| 16 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1548
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1278
| 11 مارس 2026